منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غانغا (قصة)

محمد فاضيلي

0

 الجزء الأول

نزالة سي حمو ترقد هادئة في تلك الليلة المقمرة قبل أن يبدد سكونها بعربدته المعتادة وصراخه المجنون:
غانغا، عاش ما كسب، مات ما خلى!
ثم يقف على باب العريش، وقنينة الكحول ترتعش بين أصابعه، ينظر يمينا وشمالا، ويبصق في وجوه ترقبه من خلف العرائش، وتطلق ضحكات هستيرية، ثم يتمتم:

المراكشية، أطعمتك الغالي والنفيس، ألبستك الحرير وحليتك بالذهب، ولم تخبريني بعد من أنا وابن من أكون.
هبت من مرقدها مسرعة، أمسكته من يده، أدخلته برفق، وحاولت أن تنزع منه قنينة الخمر، لكنه انفلت منها بقوة حتى كاد يسقط على الأرض، ثم نظر إليها نظرات غاضبة، وقال: أعلم أني ابن حرام، لكن ألم تجدي غير ذلك الذميم لتطاردني بشاعته إلى يوم الدين..
ضمته إلى صدرها كطفل صغير، ربتت على كتفه، مسحت صدره الأشعث بيدها ثم ردت بلطف:
إلى متى تردد هذا الهراء يا ولدي؟ ألم أخبرك مرارا بأنك ابن صالح الزهراوي بطل الأبطال!؟
انسل من حضنها، وقال: لكن أهل النزالة يقولون بأني ابن سنغالي ويسمونني باسمه.
قاطعته قائلة: دع عنك هذا الكلام، وأخبرني: هل تعشيت؟
وقبل أن تكمل كلامها، سمعت شخيرا، فأمسكته برفق، ووضعته على السرير.
مر شريط الذكريات بطيئا، أذهب عنها النوم…

الجزء الثاني

في الصباح الباكر، وقبل بزوغ الشمس، تستيقظ النزالة، التي حوت فقراء المنطقة ومهمشيها، لتشتغل على عربدة محمد غانغا وكلماته الهستيرية التي يرددها الصغار والكبار، ويجعلونها أحاديث مجالسهم وقوت لغطهم اليومي، غير مبالين بالمسكينة التي تكاد تموت كمدا على ابنها الوحيد الذي تراه يسوء يوما بعد يوم، وهو يعاقر هذا النوع من الكحول، الذي يذهب العقل ويقهر الجسم والنفس.
ها هو صوته قد بح واخشوشن، ووجهه أصبح شاحبا مسوادا كقطعة فحم، والجسم من هزال إلى هزال.
ماذا تفعل المسكينة؟ ولمن تلتجئ سوى الله تعالى ضارعة متذللة، شاكية باكية، كي يبدل الحال، وينقذه من المغبة التي أوقع نفسه فيها بمعية رفاق مشردين، يتسكعون في محطة المسافرين، يبيعون السجائر والأكلات الخفيفة أو يمسحون الأحذية ويلمعونها، أو يحملون البضائع والسلع لقاء دريهمات لا تكفي لسد الجوع ودخان السجائر، وقنينة كحول يتعاقرونها أمام الملأ، ثم يعربدون ويتصارعون فيما بينهم، أو يجمعون ثمن تذكرة لمشاهدة فلم هندي في سينما متواضعة هرئة. أو يخسرون ما جمعوه على فراش قمار.

جيل ضائع بأكمله، وشباب لفظهم المجتمع ورفضتهم الأسر والمدارس، فحرموا التربية والتعليم والرعاية وباقي الحقوق، وعاشوا بلا رؤية ولا هدف ولا حياة.

الجزء الثالث:

الشمس ترتفع رويدا رويدا، لتعم الكون بضيائها الحاني، وحرارتها اللافعة، في صيف أشد قسوة وحرارة، وقصب العريش يسبح بحمد ربه، طالبا العفو والعافية، وأصوات تنبعث من هنا وهناك، فتعلو وتنخفض، لتتماوج، وتختلط فيما بينها، عازفة سمفونية التيه والضياع، في جزيرة البؤس الخالدة. وشخير يكاد الفضاء ينفجر من هول نبراته.
ثم يستيقظ كعادته، فيلتفت يمينا وشمالا، يتأمل العريش بنظرات متوجسة، والألم يكاد يعتصره، في الرأس والحنجرة والجنب، يلعن البؤس والمخزن ومقدم النزالة، ثم يحمل علبة مسح الأحذية، ويتوجه نحو الباب.
على العتبة تجلس القرفصاء، ترقب المارة، وتحدق بعيدا، وكأنها تنتظر قادما طال شوقها إليه، لتقاسمه هم ومرارة الزمان، ثم تعود للخيال، وتتمتم بعبارات ليس لها عنوان.
تقدم نحوها وقبل يديها النحيفتين، ورأسها الصغير، وهو لا يذكر ما تلفظ به في عربدته، بل لا يذكر شيئا منذ إفراغه أول قنينة. ثم طأطأ رأسه وقال: قد تركت بضعة قروش فوق المائدة، هي كل ما جنيت بالأمس.

لم تتفوه بكلمة، فأضاف: اللعنة على الخمرة، قد آذت حنجرتي وأنهكت جسدي، وسرقت مني المال والجهد.

الجزء الرابع:

نظرت إليه نظرات أسى وإشفاق، ودعت له بالخير، فودعها وانصرف نحو مصيره المحتوم، يسترزق الحلال، بابتسامة وطيبة، يتبادل التحايا بقوله: حفظك الله ورعاك. يعين العاجز، ويساعد المحتاج، يجود بما يملك، ولا يحسب حسابا للقادم، أويتوجس من غدر الزمان، يتحدى الحمالين، فيرفع أثقل الأحمال إلى سطح الحافلات، وهو يصيح بصوته الخشن:

غانغا ولد فاطمة، ثلاثون سنة والخيشة ( الكيس) على الرأس.
وبعربته الصغيرة ذات العجلات الحديدية، يسابق منافسيه وزملاءه، عبر المنحدر المؤدي إلى محطة حافلات شركة النقل الوطنية س ت م،

فيقف قليلا أمام الكنتين (الخمارة) في أسفل المنحدر، ويقول:
… إلى اللقاء، في المساء
حمل أمتعة لصاحب محطة البنزين المحادية لمحطة المسافرين، فأعجب بقوته، وألحقه بخدمته، وبذلك تحسنت حالته المادية وارتاح من تعب التشرد، لكن خمرته لعبت معه لعبة النحس…
ولم يرتدع بعد..

الجزء الخامس

ها هو عائد من الخمارة، يتمايل يمنة ويسرة، يمشي بخطوات متثاقلة، ويقف وسط الطريق، غير مبال بشيء. السيارات تخفف السير، لتتفادى الاصطدام به، يقصد إحداها، فيقف السائق، ويدفع له بضع قروش.
المارة يقصدون المسجد الأعظم القريب من البار، إنهم يعرفون غانغا ويدعون له بالهداية. المؤذن ينادي بأجمل صوت: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
يرفع رأسه، وينظر في الوجوه، ثم يرفع القنينة بإحدى يديه ويشير بالأخرى، ثم يصرخ بأخشن صوت:
غانغا، عاش ما كسب، مات ما خلى.
غانغا، ولد فاطمة، ها الجامع، ها البار،
أنا ما شفار (لست بلص) ما قمار،
أنا فقط خمار…
يمر أبو عماد رفقة ابنه الصغير، يقف الطفل مشدودا للمنظر الغريب الذي لم ير مثله قط. يتوقف غانغا عن العربدة. يتقدم نحو عماد، ويضمه إلى صدره، قليلا، ثم يتراجع إلى الخلف، يرمي القنينة، ويرسل دمعات متتالية، وهو يردد: أبي
ثم يكمل السير.

الجزء السادس

على سرير خشبي هرئ، مكسو بدربالة بالية، تتمدد فاطمة، مسندة رأسها إلى كيس محشو بثياب رثة، وضوء خافت ينبعث من قنديل قديم، ينفث دخانه، ليعبق العريش بريحه النتن. طيف الذكريات يمضي بطيئا، في سكون قاتم، وفراغ قاتل، وأمل في الله كبير.
غادة سمراء لما تحض بعد، تدخل بيت الزوجية التعس، عند زوج في مثل سن أبيها، في قرية من قرى الجنوب، الأكثر بؤسا وشقاوة، فتغتصب في شبابها وأنوثتها وحيويتها، ثم يضن به الزمان، فيقصد المدينة الكبرى طلبا للرزق، وحين يصلان كراج علال، يجدانه مطوقا بالفيلق السنغالي، إبان الثورة الأولى
شاهدت بأم عينها العصابة الإجرامية، وهي تقتل النساء قبل الرجال، وتبقر الحوامل لتقتل الجنين قبل ولادته، وكيف استمات الزوج في الدفاع عن عرضه، قبل أن يختطفها الرجل الصالح الزهراوي، ويقدم بها إلى امزاب، ثم تمرالأيام، ولا تجد غير الضريح المقدس (بوي الجيلالي ) لتضع قربه فلذة الكبد، قبل أن تهتدي إلى نزالة الفقراء لتتخذ منها مأوى، يقيها القر والحر.
ثم تطوف بوحيدها بين المساكن والمداشر، والدكاكين والمزابل، لتحصل على لقمة تسد بها الرمق، قبل أن يشب عمروعن الطوق، ويألف التسكع في محطة المسافرين.
ثم يعود بعد أن يسقط الظلام، ويهدأ الليل، ليعربد بصوته المبحوح ونبرته المنكسرة:
المراكشية،…أين أبي!؟

لكن هذه المرة، كان دخوله مختلفا….

الجزء السابع:

ويمتد الشارع الرئيسي إلى أقصاه، ملفوفا بظلال خافتة، تتعسر معها الرؤية، وأشباح تتراءى من بعيد، تخفي بين جوانحها تاريخا عريقا، وذكريات خط سطورها القدر المزابي العتيد، وهي تتأرجح بين الشد والجذب وبين التألق والإخفاق، وعلى جنبات الشارع، تتناثر أشجار التوت الشاحبة، وهي تبكي ظلم الزمان وجبروت الإنسان، ومن خلف المشتل الغابوي، مسرح السكر والعربدة والجريمة والقمار، ينبعث نعيق البوم المنذر بالخراب.
بخطوات متثاقلة، يسمع صدى طيور الكد والشقاء وهمهماتها، وهي تعود إلى أوكارها، تبحث عن سعادة زائفة، قبل أن يبتلعها النوم، وتشرق شمس الأسى والبؤس من جديد، في دوامة لا تنتهي، وأنفاس تصارع من أجل البقاء، وأنات على غير العادة، تخترق جدار الصمت الرهيب، المطبق على الجثمان المثخن بالجراح، وآهات تكاد تنفجر كالبركان…

الجزء الثامن:

ثم يقف على الباب كعادته، دون أن ينبس ببنت شفة، ويهرع إلى الحضن الذي آواه وليدا، ليبث إليه ما يختلج في نفسه من آلام، وعبرات الدمع تنسكب على الخد مدرارة، كقطرات المطر، ثم يهمس بأرق نبرة، وكأنه طفل شريد، أعياه الترقب والانتظار:
أماه… أريد أبي.

….
آه، أيها الصدر الطيب الحنون،أيها القلب الرقيق المسكين، الذي كاد يتفطر من أحمال تنوء بها الجبال!
آه، أيها الحظ العاثر، في زمن، غفل الراعي فيه عن رعيته، فاستباحها اللصوص، وغدر بها الذئاب!

ما أتعسك أيها الطبيب! كيف تصف الدواء، وأنت تعاني من داء، عجز عنه كل الأطباء! كيف تداوي جراحا تعذبت وتعفنت وصدئت وأصيبت في مقلة العين وبؤبؤ الفؤاد!
آه، أيتها النفس المعذبة، في ليل القهر والتسلط والضياع! ماذا تفعل الخمرة غير النسيان، والفرار إلى جنة اللاعقل والموت البطيء!؟ هاهي ذي قد أيقظت ما غفى عنه الزمان في لحظة الصحو العابرة، وصارت كالرمضاء للمستجير من النار!
من المنقذ؟ من المجير؟ من الهادي؟ من الحاني؟ من المنير؟
آه، آه، آه!!!

الجزء التاسع

هي فاطمة، القلب الكبير، والمأوى الآمن، والحضن الدافئ الذي يسع الكون بحنانه وكرمه وعطائه، هي الفطرة العذرية، والصفاء البلوري، الذي لم يتلوث بالحضارة الدوابية، ولم تطمسه الثقافة الجاهلية الغازية من وراء البحر…
هي فاطمة، رمز العفة والمروءة والوفاء، رغم البؤس والفقر والجهل والحرمان.

هي هي، بما تحمل الكلمة من معنى…
يا ولدي، إنه القدر! بعظمته وكبريائه، بشموخه وعزته، برحمته وحكمته
إنه القدر الذي اصطفاك وابتلاك، كما ابتلى غيرك، ليرى حسن صنيعك، وجميل تصرفك، فانظر لنفسك، ما أعطاك، وما سلب منك، وانظر ما أعطيته، وبم جازيته، بل ما أعطيت نفسك، وإلى أين أوصلتها!؟
النفس، يا ولدي، كالحمامة البيضاء، إذا أطلقت لها العنان، طارت وحلقت بعيدا، والتحقت بالسرب، واستطعمت من كل مرتع، وإذا حبستها وآويتها وأطعمتها حبا نقيا، باضت وأفرخت، وأمتعتك بهديلها الناعم. وأنت، يا ولدي، قد أطلقت العنان لحمامة نفسك، فأرتعت مع رفاق السوء، في كل مستنقع، وهذه هي النتيجة: دمار وحزن وشرود وألم
هل أنت راض عن نفسك قبل أن يرضى عنك قدرك!؟
*لكن لماذا يا أمي؟
إن الله تعالى يريد أن ينقلك من ضيق الدنيا إلى رحابة الآخرة، ومن بؤس الزائل إلى نعيم المقيم، ومن شقاوة الساعة إلى سعادة الأبد.

الجزء العاشر:

كانت الكلمات المتدفقة كالشلال بمثابة بلسم سرى في العروق ليصل إلى الأعماق، أعماق النفس الغائرة، لينتشلها من السجن المظلم القاسي إلى جنة فيحاء سلطانها العقل والحكمة والأمل واليقين، وإذا بالبسمة تغزو الشفاه، لأول مرة، والبهجة تطرق الباب، وتسقط الستائر، وترفع الحجب التي غشيت القلب وأوردته الهلاك…
وإذا به يصيح: أين هو يا أمي؟
أجابت: هنا، وهناك، وفي كل مكان، قريب منا، بل أقرب من كل قريب، من لمح البصر، وخلجة الفؤاد، وسبحات الروح، وحبل الوريد. هو النور، والبلسم، والشفاء. هو الحياة والأمل، والمبدأ والمعاد.
هو الله! الواحد الأحد! الفرد الصمد! الخالق البارئ! المحيي المميت! الحي القيوم! لا إله إلا هو! سبحانه
الله! ما أجمل هذه الكلمة! وما أعظمها! الله! الله! الله!
نعم، ولدي، الله، أعظم من الولد والوالد والوالدة، وأعظم من كل عظيم ثم شهقت شهقة، أسقطتها على الأرض، فعلمت أنها النهاية، وإذا بها تردد: الحاج إبراهيم، صاحب الفضل، وأهل الكرم، جزاه الله خيرا ثم رفعت أصبعها إلى أعلى، تمتمت بالشهادة، وسلمت الروح إلى البارئ العظيم…

الجزء الحادي عشر:

يالتصاريف القدر، ويا لغرابة الأيام!
في اللحظة التي قضت المسكينة من أجلها أجمل زهرات العمر، وانتظرت حلولها على أحر من الجمر، ومع السعادة الكبرى التي أشرقت مع اكتمال البدر، وهب نسيمها الحاني ليغمر القلوب البئيسة، وينتشلها من بحر حزنها الطامي، ويضيئ زوايا النفس المعذبة، ودروبها المظلمة، ترحل المسكينة، لترقد هادئة في مثواها الأخير، وتترك الحيران وحيدا، في دنيا اللؤم والشقاء …
لكن البسمة التي بدت على الشفتين النحيفتين تدل على الرضى وحسن الختام

وينفجر الحزن من جديد، ويملأ الكون أنينه، فيهب أهل النزالة للوداع المحتوم،ويسجى الجسد الطاهر، ويوضع تحت الثرى، ويقف الحاج إبراهيم على الرمس مودعا، مشيدا بالسجايا العظيمة والخلال الحميدة للمرأة الصالحة التي عرفت الله وأحبته، وقضت حياتها في طاعته، ذاكرة، صابرة، محتسبة، غير مبدلة ولا مغيرة، وانكشف السر الذي أخذته عن الشيخ وردا يوميا تتلوه في الليل والنهار.
وتفانى الفقراء في إعداد لوازم الدفن والطعام والعزاء بسخاء قل وجوده في غير هذا المكان.

الجزء الثاني عشر:

الجزء الثاني عشر يا أهل النزالة! يا أهل العرائش! اسمعوا أخبار الخير
ويأتي الصدى من خلف الأبواب وتحت الرماد:
ومنذ متى تأتي بالخير يا بوم الفساد!؟
ثم يهرع الجمع إلى الأبواب، ليتلقوا البشرى، لأول مرة، من فيه المقدم، وهم بين مصدق وشاك وغير مبال أو مهتم.
اسمعوا يا أهل العرائش،: إن الحكومة قد قررت أن تنقذكم من هذا البؤس الذي ابتلعكم دهرا من الزمان. ستبني لكم بيوتا بالإسمنت والآجر، وتهبها لكم بالمجان،

فأبشروا بأسعد خبر سمعتموه منذ ولدتكم أمهاتكم

فيقاطعه غانغا قائلا: الحكومة والخمرة سواء، لا يأتي منهما غير التعاسة والألم.
يضيف المقدم: إن الموظف سيأتي لتسجيلكم، لكن عليكم أولا أن تتسجلوا في سجلات الحالة المدنية، وتحصلوا على بطاقة التعريف، ومن لا يفعل، يحرم من السكن، فاسمعوا وأطيعوا!
ثم تتناقل الأخبار، ويعلم أن الأمر جاد، والخبر صحيح، لكن المشروع لا علاقة له بالحكومة ولا الجماعة، بل هو هدية من برنامج التغذية العالمي لفقراء الإقليم.
ثم يشرع في العمل، وتبنى شبه بيوت، ويظهر حي جديد لا هندسة فيه ولا نظام ولا حياة، وأثناء التوزيع يستبد المخزن وأعوانه بأغلب المساكن وأفضلها موقعا، ويستثنى الكثير من أهل النزالة ومنهم غانغا.

الجزء الثالث عشر:

غضب غانغا غضبا شديدا لاستثنائه من السكن، فأخذ يصرخ بملء حنجرته حتى بح صوته، وعجز عن الكلام، صابا جام غضبه وحنقه على المخزن وأعوانه، وأحس بظلم شديد سبب له ألما في النفس وفي الجسد، زاده مرارة لوعة الفراق وضنك العيش، فأظلمت الدنيا في عينه، وضاقت عليه بما رحبت، فكانت الخمرة هي الملاذ.
في مسلخة اللحوم بالجهة الجنوبية، أشعل شمعة صغيرة، وأسند ظهره إلى الجدار، ثم أفرغ الكأس الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وإذا بدوار في الرأس يتبعه غثيان وحرقة في الحنجرة.
ازداد الألم والدوار فسقط مغشيا عليه، مرميا على الأرض.
لبث مليا، ثم سمع صوتا هامسا رقيقا ينادي:
محمد، محمد، محمد!
ثم اختفى، فانتبه مذعورا، وأنفاسه تكاد تختنق.

الجزء الرابع عشر:

ما أصعب المرض، وما أشقه، وما أتعس الفقر، وما أخسه، وما أطول ليالي العذاب والمرء يتقلب في الفراش، والألم يعتصره، يكاد يمزقه، ويذهب النوم عن أجفانه، وما أضيق العيش، والمرء جثة هامدة بين يدي طبيب جلاد، ومقصه وإبره!
ساعتها يدرك أنه عديم الجدوى والفائدة، وأن وجوده والعدم سواء، ويصبح الموت هو الدواء، وهو المبتغى، وهو الخلاص من هذه الدنيا القاسية:

بينما هو في الغابة الشمالية المترامية الأطراف، مسندا ظهره إلى جدار هرئ، وأغاني الرعاة تبعث ألحانها الشجية، فتوقظ الأحزان، رغم زقزقات العصافير وهدير اليمام الذي يزغرد فرحا بجمال الربيع، إذا به يحس بألم شديد في الحنجرة، وعسر في التنفس، ثم يزداد الألم حتى كاد يخنقه، فينبطح أرضا، ويدخل في غيبوبة لم يستيقظ منها إلا وهو في غرفة الإنعاش، وحوله طبيب وبعض الممرضين، وبابتسامة خفيفة، يردد الجميع:
! حمدا لله، على سلامتك
ينتبه فزعا، يبعث بنظرات مريبة ومتوجسة، يحاول أن ينهض من السرير، لكن الطبيب يمنعه برفق ويقول:
احمد الله، لقد كدت أن تغادر الحياة، لولا بعض الرعاة الذين حملوك للمستشفى.

الجزء الأخير:

تمدد على السرير، وأخذ يفكر في كلام الطبيب وهو في حالة من الذهول والاستغراب:

ماذا لو خرجت روحك قبل أن تصل المستشفى، أما كنت الآن في عالم الشقاء الأبدي!؟ أما آن لك أن ترعوي وتكف عن هذا الضلال!؟

الأيام معدودة، وسرعان ما تزف ساعة الرحيل، فبم تلقى ربك!؟ أبعربدة وجنون!؟ وحياة كلها بؤس وشقاء!؟

إن بإمكانك أن تغير حياتك لتنقلك إلى عالم الحرية والانعتاق والسعادة الأبدية!؟

فالفرار الفرار، والبدار البدار، قبل فوات الأوان!؟

ثم تذكر حديث الوالدة وكلامها السلسبيل، وتذكر حسرتها وهي تراه يموت يوما بعد يوم…

تنحنح قليلا، ثم هب من مجلسه مسرعا، توضأ، وخرج قاصدا المسجد، بينما كان المؤذن يردد:

الصلاة خير من النوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.