كانت الصدمة قاسية بقدر ما كانت ضرورية للتحول المرغوب.
إذ لم يستطع أن يتحمل رفض طلبه وهو ابن عمها وحفيد الشيخ الجليل الحاج التاغي، وقد حفظ القرآن في زاوية جده عن ظهر قلب ، بقدر ما يتميز به من جمال الخلقة وحسن الخلق. عيبه الوحيد أن أباه لم يترك له مالا يستطيع به إنقاذ نفسه من عاديات الزمان، وينافس به أقرانه من بني عمومته.
نعم أبناء عمومته قد سبقوه إلى القرويين، وما يصله عنهم من أخبار يثلج الصدر، ويدفع للمجازفة ، وتحمل مشاق السفر وطول الطريق، بلا زاد أو رفيق.
أبناء العمومة على وشك التخرج ومغادرة القرويين إلى الأبد، لقد كانوا له خير داعم وخير مؤنس في غربته، ولم يبق غير الله سندا وحافظا، وشيوخ رأوا فيه النبوغ والحنكة والإصرار على التعلم، فقربوه منهم وقدموا له ما يستطيعون من دعم.
ويشاء القدير أن يكرم بما لم يكن في الحسبان، فبينما هو يتجول في المدينة، إذا به يلتقي قائد البلدة العربي بن الشرقي الذي كان في زيارة للسلطان. ولما علم بأصله وسبب تواجده، أكرمه بمنحة مالية كفته مؤونة إقامته.
ثم عاد إلى البلدة مكللا بإجازات من شيوخه في مختلف العلوم الشرعية، ولم يكتف بذلك بل واظب على التحصيل حتى فاق كل أقرانه وصاروا يتعلمون منه.
وفي زاوية جده، وبمعية خريجي القرويين من أبناء عمومته، نظم كراس علمية على شاكلة القرويين واستدعى لها بعض شيوخه وعلى رأسهم الشيخ المهدي الوزاني الذي كان يشرف عليهم تأطيرا وإرشادا، والذي لقب الزاوية بقرويين الشاوية.
التحق بسلك العدالة بمحكمة مدينة ابن أحمد،فتحسنت حالته المادية ، ثم فكر في بناء أول مسجد بالمدينة، وشجع المحسنين على ذلك، وحين تم بناؤه صار خطيبا له، واختار لنفسه لقب خطيب، ثم تقدم لابنة عمه فقبلته وأنجبت له ذرية صالحة سارت على نهجه في تحصيل العلم وخدمته .
إنه الفقيه محمد بن الحاج بن العباس بن الحاج التاغي مؤسس الزاوية التاغية الشهير بالفقيه بلحاج المتوفى سنة 1941م والمدفون في مقبرة الزاوية.
قاص وأديب مغربي