شرح الأربعين النووية – الحديث الأول (النية والإخلاص)
يعقوب زروق
بسم الله الرحمن الرحيم الحديث الأول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، «قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»[1].
وددت لو أن كل مسلم ومسلمة يصبحان ويمسيان على هذا الحديث. يقرآنه ويتدبرانه. فإنه حديث عظيم، وأصل من أصول الدين. كونه يتحدث عن النية، التي هي مبتدأ كل أمر وخبره.
النية هي الإرادة والإرادة إرادات. فأية إرادة هي المطلوبة؟ ماذا نريد في هذه الحياة وبعدها؟ ماذا نريد بكدحنا في يومنا وليلنا؟
قال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ [الشورى: 20]
يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: «من أراد من الله حرث الدنيا آتاه منها، ومن أراد من الله حرث الآخرة زاد له في حرثه. ومن لا يدعو الله يغضب عليه الله، ومن لا يسأل الله لا يعطيه الله. وإرادة وجه الله خالصا فوق ما يطلبه عادة المسلمون. إرادة وجه الله، والصدق في طلبه، والسير إليه مطلب تستوفيه من طلب القدر على يد اللقاء المقدر، فطر من خصهم الله بسابقة ولايته».[2]
إرادة وجه الله فوق ما يطلبه عادة المسلمون، فهم يطلبون من الله عافية البدن، وصلاح الولد، وسعة الرزق ويطلبون الجنة في الآخرة. لكن إرادة وجه الله هي طلب المحسنين.
وقال عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162-163]
رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتنا يعلمنا الله به أن يكون سعينا كله لله.
وقال سبحانه: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر: 1-3]
أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخلص نيته لله في العبادة وكل عمل. ومنهج القرآن في الأوامر العظيمة أن يخاطب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مفرادا لتأتم الأمة به كما في قوله تعالى : أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78]
وقوله: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: 125]
والإخلاص أمر عظيم لا تصح صلاة ولا دعوة إلا به. فلا جرم أن يشمله هذا المنهج القرآني التربوي. إذ سيد المخلصين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم منه نتعلم النية والإخلاص .
الإخلاص هو تصفية الشيء من الشوائب. كما قال الله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ [النحل: 66]
ألا ترى أن اللبن يخرج من الضرع صافيا خالصا من شوائب الدم والفرث وهي أقرب ما تكون له.
فكذلك الأعمال يطلب فيها الإخلاص وذلك بتصفيتها من كل ما يشوبها من فرث ودم الرياء والعجب وحظوظ النفس. فلا يقصد بها إلا وجه الله – سبحانه – فإنه إن شابها شيء من ذلك طرحت كما يطرح اللبن لو شابه فرث أو دم.
الأعمال حاصلة ولا بد بالنيات، فما من عامل إلا ولصاحبه فيه نية، خالصة أو فاسدة. وإنما الأعمال معتبرة بنيات فاعليها. فقبولها أو ردها بحسب حسن النية أو خبثها.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ الدين العبادة والطاعة، كما قال المفسرون. فلا لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له.
روي «أن رجلا قال: يا رسول الله، إنا نعطي أموالنا التماس الأجر والذكر، فهل لنا من أجرٍ؟ فقال رسول الله ﷺ: لا، قال: يا رسول الله، إنا نعطي التماس الذكر، فهل لنا أجرٌ؟ فقال رسول الله ﷺ: ”إن الله تعالى لا يقبل إلا من أخلص له“، ثم تلا رسول الله – عليه الصلاة والسلام – هذه الآية: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾[3]
وهذا ما يؤكده صلى الله عليه وسلم في الحديث «وإنما لكل امرئ ما نوى».
النية عمل القلب فلذلك كانت من الأهمية بمكان. وإن الرب جل وعلا ينظر إلى قلوب العباد وأعمالهم على السواء. فلا يصح عمل بلا نية ،كما دلت الأحاديث على ذلك. قال ﷺ : «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»[4]
من بركات النية بل من حتمياتها إن خلصت أن ترفع العمل وتكمله حتى وإن لم يكتمل.
قال تعالى: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: 100]
روي أن عبد الله بن ثابتٍ لما مات قالت ابنته: والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا، أما إنك قد كنت قضيت جهازك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته.[5]
وتكسب العبد السداد والتوفيق فيقتحم العقبات وتهون أمامه الصعوبات. كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله تعالى عنهما: «من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله من قلبه شانه الله، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام»[6]
وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : «اعلم يا عمر أن عون الله للعبد بقدر النية فمن ثبتت نيته تم عون الله له ومن قصرت عنه نيته قصر عنه عون الله بقدر ذلك».[7]
قلت: فانظر واعجب كيف كانوا يكتبون لبعضهم يوصونهم بالنية لعلمهم أنها خير ما يتواصى به.
النية الخالصة بما أنها موجبة لقبول العمل وقبول العبد عند ربه فإنها تكسب العبد القبول بين الناس. وتلك فضيلة معجلة ليست مطلوبة لذاتها لأن ذلك ينافي الإخلاص، وإنما لأنها ثمرة لحب الله عبده.
عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه أنه قال: « وددت أن الخلق تعلموا هذا على أن لا ينسب إلى حرف منه»[8].
وعنه أيضا: «ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ووددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه. وقال أيضا ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعاون ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحفظ».[9]
قلت: بإخلاص نيته جعل الله له لسان صدق في الآخرين. ألا ترى أن علمه تعلمه الناس ونفع الله به العباد ونسب إليه علمه وعلم مجتهدي المذهب.
والنية كذلك تحبط العمل وتبطله إن فسدت وإن اجتهد صاحبه فيه. بل توجب النية الفاسدة لصاحبها الخزي والفضيحة كما بقي مهاجر أم قيس وقتيل الحمار مثلي سوء في الناس. فقد هاجر رجل مظهرا الهجرة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومبطنا نية الزواج من امرأة فكان يسمى مهاجر أم قيس. وإليه يشير الحديث. وكذلك جاء في الخبر أن رجلا قتل في سبيل الله وكان يدعى قتيل الحمار لأنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته.
قال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: «أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس في مجلس قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح».[10]
فالحذر، الحذر، أن يخالط النية ما يشينها فيهلك . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»[11] يعني ريحها.
النية علم يتعلم، والعلم يثبت بالمذاكرة والمداومة. لذلك وجب أن يذكر العبد نفسه بها وأن يذكر الأخ أخاه كما كان الصحب الكرام يكاتبون بعضهم بشأنها.
قال الثوري رحمه الله : «كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل».[12]
ولذلك استحب الجمهور ماعدا المالكية التلفظ بالنية وذلك لتذكرها والتدرب عليها وقيل مساعدة للقلب عليها. ومن العلم بالنية أن يجعلها العبد في كل شيء. يعالج قلبه حتى لا يقدم على عمل دق أو جل إلا بنية. فتصير بها عاداته عبادات وطاعات. وقد علمتنا السنة التسمية والدعاء في كل عمل فثمة أذكار النوم والاستيقاظ والدخول والخروج والأكل واللباس وغيرها. وكل ذاك ذكر وعلم ونية. قال ابو حامد الغزالي رضي الله عنه : «وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نياتٍ يصير بها من محاسن القربات وينال بها معالي الدرجات فما أعظم خسران من يغفل عنها ويتعاطاها تعاطي البهائم المهملة عن سهو وغفلة ولا ينبغي أن يستحقر العبد شيئا من الخطرات والخطوات واللحظات فكل ذلك يسئل عنه يوم القيامة أنه لم فعله وما الذي قصد به».[13]
قال: سيدنا عمر رضي الله عنه: « إني لأنكح النساء وما لي إليهن حاجةٌ وأطأهن وما لي إليهن شهوةٌ قيل: ولم ذلك يا أمير المؤمنين قال: رجاء أن يخرج الله من ظهري من يكاثر به محمدٌ ﷺ الأمم يوم القيامة».[14]
النية قرينة الجهاد. ألم تر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل لنا بالهجرة في الحديث يوم كانت الهجرة واجبة على كل مؤمن وكانت جهادا من أعظم الجهاد. فلما انقطعت الهجرة بالفتح قال صلى الله عليه وسلم مؤكدا استمرار هذا القران بين النية والجهاد: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ».[15]
الجهاد ذروة سنام الإسلام وإليه تجتمع شعب الإيمان فلا بد من إخلاص النية فيه حتى لا يذهب الجهد سدى ويندم حين ولات مناص. فإن رجال الدعوة قد تنسيهم مدافعة الباطل ومعافسة الأشغال معالجة النية. لذلك يحذر الإمام عبد السلام ياسين من هذا فيقول رحمه الله: «هب أن الله جلت عظمته توج جهود العمل للإسلام، وأنت منهم، بالتمكين في الأرض للجماعة التي نصرتها، فما حظك أنت من عطائه. وما مرتبتك بين أوليائه؟ أعطيتك ما سألت عندما حاولت بالجهد الدائب الصابر لإقامة دولة الإسلام في الأرض، فأين أنت في معارج الإيمان والإحسان؟ كيف نسيت مصيرك أثناء الاشتغال بمصير المسلمين؟ إنما الأعمال باليات يا صاح، وإنما لكل أمرئ ما نوى. فهل كانت هجرتك إلى الله ورسوله حقا أم كانت هجرتك إلى دنيا عاجلة وقفت في محطة ما من محطاتها؟ حتى دولة الإسلام إن نصرتها في غفلة عن الله دنيا في حقك، نصرت المسلمين لم تنصر الله. وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر كما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا. اللهم استخلصنا لنفسك. »[16]
وإن قوما كانوا يعدون الجهاد ذنبا خوفا من الرياء. عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: «شهدت خيبر، وكنت فيمن صعد الثلمة، فقاتلت حتى رئي مكاني، وعلي ثوبٌ أحمر، فما أعلم أني ركبت في الإسلام ذنبا أعظم علي منه. قال الذهبي رحمه الله معلقا: جهال زماننا يعدون اليوم مثل هذا الفعل من أعظم الجهاد؛ وبكل حالٍ فالأعمال بالنيات».[17]
قلت: يقصد الذهبي زمانه القرن الثامن، لا زماننا !!!
خلاصات:
بديهيات:
- إرادة وجه الله أسمى ما يطلبه العاملون.
- صلاح الأعمال وفسادها، قبولها وردها بالنيات.
- النية علم وإنما العلم بالتعلم.
- النية في كل شيء.
- جهاد ونية.
محاذير:
- الرياء هو الشرك الخفي.
- من نواقض النية والإخلاص:
الاعتداد بالعمل.
إبداء العمل الذي حقه أن يخفى.
حب المدح على العمل وطلبه.
الهوامش:
[1] – رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
[2] – الإحسان. عبد السلام ياسين ج 1 . ص 294
[3] – روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (ت 1270ه). المحقق: علي عبد الباري عطية. دار الكتب العلمية – بيروت. الطبعة: الأولى، 1415 هـ ج 12 ص 225
[4] – صحيح مسلم ( 2564)
[5] – تخريج المسند لشعيب. الأرناؤوط
[6] – حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت 430 هـ)
[7] – المدخل. أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج
[8] – بستان العارفين. أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ) ص 30
[9] – نفسه
[10] – بستان العارفين. ص 30
[11] – أخرجه أبو داود ( 3664 )
[12] – إحياء علوم الدين. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت 505هـ). دار المعرفة – بيروت.ج 4 .ص 364
[13] – نفسه ج 4 ص 371
[14] – المدخل. أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (ت 737هـ) ج 1 ص 14
[15] – صحيح البخاري (2783)
[16] – الإحسان. عبد السلام ياسين . ج 1 ص 294
[17] – سير أعلام النبلاء ج 2 ص 470