عزيزتي هيئة الأمم المتحدة (2)
يوسف العلوي السليماني
عزيزتي هيئة الأمم المتحدة (2)
بقلم: يوسف العلوي السليماني
عزيزتي هيئة الأمم المتحدة؛ السنة الدولية للتعاونيات وخطة التنمية المستدامة
ما حصيلة الاِحتفاء بالسنة الدولية للتعاونيات؟
عزيزتي هيئة الأمم المتحدة لا تنمية مستدامة والعدوان مسعور والعنصرية، بالحروب تعاق التنمية الاِقتصادية والاِجتماعية وتبتر جهود “بناء عالم أفضل”، كيف للتعاونيات أن تُطالَب بتحقيق سبعة عشر هدفًا دفعة واحدة والتنمية المستدامة رهينة تخشى الغدر؟ كيف للتعاونيات أن تسهم في كل أبعاد التنمية المستدامة والصحافيون بين قتيل وجريح وسجين، في الشرق الأوسط؟ لماذا تُدعى التعاونيات لإعادة بناء ما تُدمّره الشّركات وَتدمره الحُروب؟ هل تُدعى التعاونيات لطمس ما خلفته جرائم شركات تَزْرَعُ متفجرات داخل أجهزة اِتصال، بنية القتل الجماعي عن بعد؟
فواتير ثقيلةٌ تكاليفها يطالب بتسديدها ثم يذكر بقضاء ديونٍ مَحَلَّ مجرمين متمادين في غيّهم، عبر رِسَالَتَين مضمونَتين: السنة الدولية للتعاونيات 2012؛ وَالسنة الدولية للتعاونيات 2025، لبناء عالم أفضل…لمن؟ يُستدعى المستقبل برِسَالَتَين مضمونَتين والعالم اليوم ليس بقادر على القيام بهذا البناء؟ فإذا كان العالم القائم ملفوفا في المحرمات، والجرائم والحروب، فسيمتنع العالم الأفضل والتنمية المستدامة الحضور إلى 2030، سيمتنعان لا محالة من ذلك. من الأجدر أن نتغلب أولا على الأزمات الراهنة الثلاثية الأبعاد، الأخلاقية والسياسية والاِقتصادية.
عزيزتي هيئة الأمم المتحدة، تُدعى تعاونيات تعتمد على العمل وَتُتَوِّجُه، فتسعى في الأرض إصلاحًا، بخدمة أعضائها ولخدمتهم، رأس مالها مفتوح، الفائض ينحدر ليصل إلى المتعاون فيستفيد منه محيط التعاونية: معدن قوتها ورباط خيلها ومهد خِدمتها(غالبا القرية والبادية) شعارها التعاون، فطنت بالتطوع والتضامن، يشتغل أعضاؤها بعشرات الملايين، وبمعدل خمسة عشر ساعة في اليوم، فتُدعى إلى طمس حقيقة شركات تجارية تعبد الأرباح ليؤجر أصحابها، تعتمد على رأس المال وَتُتَوِّجُه، فتسعى في الأرض فسادا، إلّا من رحم الله، رأس مالها مغلق، الأرباح تغادر البلاد سامقةً غدارةً بالعباد لا ترعى لهم الذمام لتصعّد الأرباح صعودًا إلى الشركة الأم الأجنبية، فلا يستفاد منها، لا أثر لها على محيط الشركة التّجارية (غالبا المدن الكبرى) ولا على التنمية، شعارها المنافسة الشرسة، التنافس والتقاتل، تَهوس بالربح والقسوة، تنتقل من مكان إلى مكان، من بلد مُضيف إلى بلد مِضياف، لتتكرر المضائف وتتعدد حسب مصالحها ومصالح شركائها الاِستئثارية، مخلفة ورائها عند كل ضيافة أزمة اِجتماعية، تتملص من الضرائب وتتخلى بدون رحمة عن الموظف المضاف والعامل المضاف إليه، بالآلاف، لتترك فاتورات التكاليف لحكومات المضيف والمضياف؛ أُضيفُ ظاهرة أخرى إلى اللائحة ألا وهي ظاهرة غسيل الأموال التي أصبحت عملياتها من أخطر ما يهدد الاِقتصاد العالمي أيضا، في ظل تقدمها المتسارع، ومشاركة مؤسسات عملاقة وذائعة الصيت فيها؛ عالم غسل الأموال عالم سُفلي له جرذان تعيش في جحور، لها شبكات ونسل من رتبة قوارض الاِقتصاد والتنمية المستدامة والعالم الأفضل معا، سباقون إلى الإبداع في تبييض الأموال، وَنشاطهم مُتعب وصعب وضبابي وتنافسيّ لا يستحكمه إلا خبير، يُدِرُّ أربعة تريليونات دولار أمريكي سنويا، ما يعادل خمسة في المائة من الاِقتصاد العالمي، حسب تحقيقات قناة الجزيرة؛ يضاف تبييض الأموال إلى القائمة السوداء التي تشل الاِقتصاد والتنمية المستدامة والعالم الأفضل؛ ففي هذا السياق تطالب التعاونيات باختراع لقاح ضد الطاعون الذي أصاب رئة الاِقتصاد العالمي، جراء انتقال العدوى من مريضه إلى سليمه، تظهر العدوى في الاِقتصاد نتيجة التعرض للقوارض، وقد تظهر كذلك في بعض الحالات منتشرة في الاِقتصاد الاِجتماعي والتضامني رغم مناعة كان يضرب بها المثل، تطالب التعاونيات عبثا اصطياد الوحوش في ماء عكر، تطالب باقتحام عقبة التنمية المستدامة وهي تُشرد أمام أعين الناظرين. إنني لا أعلم إطلاقا برنامجا أفيد من برنامج آلة غسيل مزودة بخاصية التجفيف، فيها تقنية متطورة جدا، برنامجها جلي ومحكم، وهو أفيد بكثير من برامج الأحزاب السياسية ومن برنامج التنمية المستدامة الذي طال عليه الأمد؛ فمن المسؤول الحقيقي عن التقصير في بناء العالم الأفضل؟ تبدو مهارات غسل الأموال ناجعة لأصحابها، فكيف لا تُنقل هذه المهارات إلى مجال التنمية المستدامة؟
عزيزتي هيئة الأمم المتحدة، ليست التعاونية بهرقل 2030 الخرافي، واقع لا يجوز أن ينحل عنه عاقل، أو مراقب تعزيز التعاونيات وتفعيلها. إنما أجد في مراجعة تاريخ التعاونيات بصيص أمل لا نغتر به ونترك الأهم، إذ يؤكد هذا التاريخ وتؤكد الدراسات اِنبثاق التعاونيات من الأزمات، والتصدي لها ولو كانت متعددة الأوجه ومختلفة الخطورة والحدة؛ ويؤكد التاريخ كذلك بروز التعاونية من سلطة الشعب المضطرب، إن انتأى عنها تسلط الإدارة؛ وَرُبَّ ضَارة نافعة؛ وربما أَوْجُهَا قادم، وما يدريك لعل الإلهام يعود من جديد؟ إنما للإلهام شروط، والإلهام محله القلب، عندما يطمئن له الصدر. لا تنمية مستدامة ألبتة دون حب الخير للناس أجمعين، ولا تنمية مستدامة دون محبة الناس.
عزيزتي هيئة الأمم المتحدة، إعلان الجمعية العامة 2025 السنة الدولية للتعاونيات ما هو إلا ترشيح سندريلا الاِقتصاد “لبناء عالم أفضل” وَلعيشة غضراء في كنف فارس أحلامها المتعاون، الذي جعلته بحذائها: يا لها من حكاية مهدئة لتنويم الأطفال؛ وَبِأَقْصَى جِدّية هل يعني شعار السنة الدولية للتعاونيات دعوتها لبناء عالم أفضل لمن سيتبقى من شعبَي أوكرانيا وفلسطين؟ إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب وتدمره، مُنْذُ الرابع والعشرين من فبراير 2022، ومُنْذُ السابع من أكتوبر 2023، بتواطؤ مع أعضاء الأمم المتحدة المرموقين مَهيبي الجانب؟ صادقوا على إعلان 2025 السنة الدولية للتعاونيات وعلى شعاره؟ ماذا تعني الأمم المتحدة بِعَالم أفضل؟ هل تعني به بناء عالم أفضل من عالم التّطهير العرقي والإبادة الجماعية، أو بناء عالم أفضل من عالم يدان فيه زعماء دول أمام محاكم محلية ودولية، ويوضع سوار إلكتروني في كاحل قدم أحدهم، ويفر آخر من بلده؟ أدرك العالم أن هؤلاء الزعماء الثلاثة وغيرهم مترفون وَبعيدون عن معتقداتهم وعن هَمِّ التنمية المستدامة وقلقها، وعن بناء عالم أفضل. آثر العديد من الرؤساء، عبر الزمان والمكان والمعتقدات والأديان، مصالحهم العصبية والشخصية الأنانية، على هموم ومصالح الشعوب التي أجلستهم على كراسي الرئاسة لتقرير مصيرهم.