لم يكن للعرب تاريخ يذكر، سوى ثرات أدبي وتشرذم، وصراع لأتفه الأسباب، مع قليل من الأخلاق والحكمة، إلى أن بعث فيهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وصنع لهم تاريخا حافلا بالأمجاد والبطولات، بوأهم مقام الصدارة والأستاذية للعالم. وقبل وفاته، حذرهم من مغبة السقوط بعد الصعود، والانحطاط بعد الريادة، فتتكالب عليهم الأمم وتتداعى طمعا في ثرواتهم وخيراتهم، عندما يصيبهم الوهن وداء الأمم والبغي.
بدأ الانحدار بعد ثلاثين سنة من انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، بعد أن بسطوا سلطتهم على الشرق والغرب، وحين وجدت الفتنة سبيلها إليهم، وكان الحكم أول عروة تنتقض، فتحولت الخلافة الراشدة المبنية على الشورى والعدل إلى ملك عضوض وراثي سمته الجور والثراء الفاحش، مقابل الفقر والجهل، يتوارث الحكام فيه البلاد والعباد كما يتوارثون القطعان. لكن الملك العضود كان شوكة الإسلام وحاميه، وفي ظله انتشر الإسلام في كل الربوع والأقطار، ونبغ المسلمون في كل المجالات، وبنوا حضارة عالمية كانت مطمعا لكل الأمم والحضارات.
ثم تمكنت الأمم منهم، بعدما أصابهم الوهن، وتخلوا عن دينهم ومقومات حضارتهم، فتقاسموا تركة ٌالرجل المريض” على غفلة منه، ووطئ المستعمر أرض العرب، وأعلن الاستيطان والحماية، فانبرى مجاهدون بواسل لمقاومته، وصده عن مراده، وأبلوا البلاء الحسن، وقدموا التضحيات الجسام، لكنه كان أقوى وأذكى، فتمكن من قصم ظهورهم، والقضاء على مقاومتهم، وبسط نفوذه في كل الربوع، وبث فيها سموم جاهليته، وسلب ونهب وأذكى الخلافات والنزاعات، مسترشدا بمقولة، فرق تسد، وأذل الناس شر ذلة.
ثم صحا فتية تعلموا في مدارسه، وفي المساجد والزوايا، والمدارس العتيقة، وطالبوا بإصلاحات شاملة، سياسية واجتماعية واقتصادية، وحين أعرض ونأى
وأخذته العزة بالإثم، رفعوا راية المطالبة بالاستقلال.
وهبت رياح الجهاد والمقاومة من جديد، فأزهقت الأرواح، وأتلفت الممتلكات، وامتلأت السجون، وشحت الموارد…فأدرك المستعمر أن بقاءه في أرض العرب مستحيلا، ولأنه لا يستطيع أن ينفطم عن الثدي الذي رضعه بنهم، فقد التجأ للمناورة والخديعة، وطبخ “احتقلالا” صوريا مع وكلاء عينهم على رأس دويلات، ضعيفة، لإتمام ما بدأه ولم يستطع إتمامه.
تفانى الوكلاء في خدمة السيد، المتربع على عرشه، المزهو بنصره، والمعتد بذهائه وذكائه، مؤتمرين بأمره، منتهين عن نهيه، راعين مصالحه بجد وإخلاص، وبنوا دويلات ضعيفة منهوكة، سياساتها فاشلة واقتصادها تابع ومتخلف، لكنهم حكموها بالحديد والنار، وبجهاز أمني يفوق أحيانا عدد السكان، ويملك من العتاد ما يستنزف مقدرات الدولة وخزائنها.
استغنى الوكلاء وأثروا ثراء فاحشا، وهربوا أموالهم إلى مصارف اليهود والنصارى، وفقروا شعوبهم تفقيرا، وجهلوهم تجهيلا، وأذلوهم شر ذلة.
ثم ظهرت في العالم العربي حركات اجتماعية كثيرة، مختلفة إيديولوجياتها وتوجهاتها، ليبرالية كانت أو قومية أو شيوعية أو يسارية أو إسلامية، قاسمها المشترك رفض الاستبداد والفساد وإصلاح مسار الانحراف وتصحيح وجهته، وإنقاذ الأمة من الآلام التي عانتها منذ سنين طويلة، مقترحة مشاريع وأفكارا تراها أصولا ومعالم لمنهاج طريق واضح وثابت للتغييرلنفسي والاجتماعي.لكنها قوبلت وجوبهت بالرفض والمنع والتضييق والإقصاء والوأد، وأحيانا الاحتواء والذوبان والتطويع.
واستمر الحال إلى أن أحرق البوعزيزي نفسه ففتح سجلا لكتابة تاريخ جديد للعرب….
لم يفكر البوعزيزي في تغيير الأوضاع، أو اقترح مشروعا للإصلاح، لكنه انتفض ضد الكرامة المهدورة، فأطلق الشرارة التي غيرت مجرى التاريخ، بإحراقها أول رمز للجبر، وانتقال الشرر إلى بقية البلدان…
خرج التونسيون للمطالبة بالثأر والإصلاح، في ثورة الياسمين، وحين صدت الآذان أسماعها، هتفوا بإسقاط النظام، مرددين: “هرمنا… من أجل هذه اللحظة التاريخية.” الصيحة التي زلزلت عرش الخائب الهارب، الذي لم تنفعه خدعة:” أنا فهمتكم ” لتنطلق الزغاريد والأعراس مدوية:” بنعلي هرب، بنعلي هرب، بنعلي هرب…منهين بذلك الفصل الأول من تاريخ العزة والمجد والكرامة….
استيقظ المصريون من سباتهم، بعد نجاح ثورة تونس، وأدركوا أنهم أولى بها من غيرهم، فمصر،الحضارة والتاريخ، والشموخ والعزة، مصر أم الدنيا وقلب العرب، وقائد الأحرار عبر العالم، مصر العلم والفن والتدين والبطولة،أصبحت في ظل الجبر والاستبداد والتبعية مقودة لا قائدة، مهزومة منخورة ضعيفة، تابعة لا متبوعة، فانطلقت الثورة، مرددة:”قد فهمناك، فارحل ” وإلى ميدان التحرير، رمز الحرية والتغيير، والصمود حتى النصر.
جذبت الثورة أنظار العالم،وقلوبهم وأسماعهم، وكانت يومياتها براقة، وصاح العالم كله:” ارحل، ودع الشجعان، يعيشون في سلام.”
وبعد شد وجذب، وتعنت وإصرار، وضغط واستمرار، أعلن الجبر، بوجه مكفهر:”تخليه عن الحكم ” لتنطلق الأفراح والزغاريد،والأعراس، وتعم كل الربوع،وكل الأقطار، منهية الفصل الثاني من تاريخ العزة، الذي لا ينتهي أبدا…
هبت رياح التغييرالعاتية، في كل البلدان العربية،مدوية، مزلزلة، وانطلق أنينها زمهريرا مرعدا،مزبدا، وتطاير الشرر، غاضبا، من كل جبر، أذل القوم، واستعبدهم حينا من الدهر، وأصابت حممه كل الأنظمة، التي أخذت فرائصها ترتعد من هول الموقف، وشدته…
وهكذا، انتفضت الجماهير العربية مجتمعة، تطالب بالحرية والإصلاح والتغيير، وارتفع صوت الحناجر في كل الأجواء:” الشعب يريد، إسقاط النظام” وتحول الطوفان إلى سيل جارف، لم تستطع الحكومات الوقوف في وجهه، أو تغيير مجراه، فالتجأت إلى أساليب عدة، علها تستطيع احتواءه والتخفيف من أضراره.
وكان أشدها إثارة، وأحماها وطيسا، ليبيا واليمن والبحرين، إذ كانت لغة السيف أسبق من العذل، وأنباؤه أصدق من الكتب، فعدت خيول الجبر باغية على الشباب المنتفض المسالم، متتبعة إياه زنقة زنقة، دارا دارا، فردا فردا، محاولة جره لمعركة سلاح خاسرة، فاتحة بذلك الباب على مصراعيه أمام العدو الأكبر الذي يتربص بالطرفين، ويمد يد المساعدة والدعم لمن يدفع أكثر، ويتنازل أكثر، ويقدم الولاء أكثر، وليثبت للعالم أنه الأقوى والأقدر على الحماية والإنقاذ والتدخل المفيد.
وكانت النتيجة سقوط رمزين للجبر، وختم فصلين جذابين، من تاريخ العزة والمجد، لم يختما بعد، ليبيا واليمن.
انتفض شباب من المغرب، مرددا “نحن التاريخ، والعزة، نحن الماضي والمستقبل، نحن النضال، والبطولة والكرامة، نحن أسود الأطلس، زئيرنا، يرعد ويزلزل كل الجدران، فيترجع صداه في كل البلاد. لنضرب للعشرين من شباط موعدا، ولنصرخ بملء الحناجر: الشعب يريد إسقاط الفساد، الشعب يريد إسقاط الاستبداد.
وانقسم المجتمع المدني إلى معارض ومؤيد، مؤيد مدعم، ومعارض مائل مع من غلب. لكن الحناجر، كانت تردد ” سلمية، سلمية، لا دم ولا بندقية”، فاستبق النظام الأحداث، قبل أن تدلهم، وتحوم حوله الشبهات، وهدأ الروعات، بوعود وإصلاحات، لم ترق للمطالب، أوالطموحات…
ثم طال الصمت، وطال الانتظار، وبقي الفساد، وبقي الاستبداد…
هب الشام من مرقده، ملقيا عنه رداء الصمت والتردد، الذي أرداه في قمقم القهر والذل زمانا، وأعلن التمرد ضد أم الجبر، ورأس الفساد والجور، وصرخ بملء حناجره:
أنا وإن كنت الأخير زمانه******فآت بما لم تستطعه الأوائل
لم يستسغ الجبر أن يرى المارد، الذي أخرسه في حماة، قادرا على التفلت من جديد، والخروج في طوفان جارف، فالتجأ إلى اللعبة التي يفهمها، ويتقنها جيدا، وأرسل حماة الديار، لقمع الانتفاضة المباركة. وتفنن الحماة في ولائهم، وأركعوا الهامات الطاهرة، وأسجدوها لصورة الرمز الذي لا يعرفون إله غيره، وقطعوا الحناجر الصداحة، وقتلوا الأباة، وسجنوا الحرائر قبل الأحرار، ودمروا البلاد وهجروا العباد.
وصمت العالم، واكتفى بالتنديد، معطيا الإشارة، لمزيد من الذبح والتشريد. واستغل الجبر الفرصة، وأبلى البلاء الأقبح، وفعل الفعل الأشنع، مهددا بأعلى صوته: ” الأسد، أو نحرق البلد. لكن ذوي الكرامة، ممن انسحب غضبا على الوضع، تكتلوا في جيش حر أبي، للوقوف في وجه المجرمين، وصدهم عن مرادهم، لتغرق البلاد في حرب أهلية، قضت على الأخضر واليابس، ولم تنه المشكل لأزيد من ثمان سنين عجاف..
أدرك المستعمر أن الثدي الذي رضعه قد أصبح مرا، وأنه في الطريق إلى الفطام، فعاد للمناورة والذكاء، فتبنى الثورة، واحتضنها، ودعمها بالمال والسلاح والإعلام، متنكرا لوكلاء الأمس، معلنا نفسه نصيرا للشعوب، ضامنا للحرية والكرامة، وحامي حماها، وفي الوقت نفسه، أخذ يخطط لإجهاضها وإقبارها قبل أن تتمكن وتستعصي على الترويض.
تمكن المستعمر ووكلاؤه من إغراق سوريا في حرب أهلية دمرت البلاد وهجرت العباد، ولقنت الشعوب الثائرة والمترددة، أن الصبر على الاستبداد خير وأهون من نار الانتفاضة، والمطالبة بالحرية والإصلاح، كما أغرق الثوار في ليبيا واليمن في صراعات عن السلطة، تنذر بحرب أهلية، وحرض الدولة العميقة في مصر على الانقلاب على التجربة الوليدة، فأصاب الأمة بصدمة نفسية، وخيبة أمل، أظلمت الدنيا في عينها، وأوصلتها إلى الباب المسدود، وانتصر الجبر في تونس، بحيلته الديمقراطية، وكانت أقل الخاسرين…
تنفس المستعمر ووكلاؤه الصعداء، وزغرد الجبر مزهوا بانتصاره وعودته، بعد أن هدأت العاصفة، وأحرقت الانتفاضة، لكن الأمة صاحت مجتمعة، أن ياجبر لا تفرح، إن الله لا يحب الفرحين، إن انتصرت في جولة، فإن هزيمتك قادمة لا محالة، وإن أحرقت ربيع العرب، فإن ربيع الإسلام سيحرقك، وينثر رمادك مع أول ريح،وإن أفل نجم الديمقراطية في مطلعه، فإن شمس الشورى لن تأفل أبدا… وإنه الإسلام أو الطوفان.
ثم أضافت:” سنعيد كتابة التاريخ من جديد، وبمداد لن يمحى أبدا.
ليهتم كل بلد بإخراج فصله، بالشكل الذي يناسبه، وسنتعاون جميعا لتحرير الخاتمة المسلوبة، فلسطين المقدسة، وآنها يتحقق وعد الله الحق، وبشرى رسوله الصدق، الخلافة على منهاج النبوة، عندها، تفتح السماء أبوابها، وتجود الأرض بأطيب خيراتها، ويعم العدل كل الأرجاء، وينعم الناس بالازدهار والرخاء، والأمن والأمان والنماء، ويبعثوا برسائل السلام، إلى كل الأمم والأقوام…انتهى