منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كوفيد 19 هل هو شرّ خالص؟

د عبد الالاه بالقاري

0

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
يعتقد كثير من الناس أن الخير منفصل عن الشر وأن المنافع منعزلة عن المفاسد، فإذا نال أحد هؤلاء خيرا فإنه لا يتصور أنه قد يكون مقنّعا بالشر وإنما يراه خيرا محضا، وإن أصابته محنة لا يحسب أن في طياتها منحا بل يجزم أنها ضر خالص، ومن كان هذا معتقده، تجده في هذه الدار مقتصرا على اجتهاده معتمدا عليه، حريصا متلهفا في غير ملل ولا كلل على جلب ما يراه صالحا لنفسه، باذلا طاقته مستفرغا وسعه لدرء المضار والمفاسد كي لا تدركه، حتى إذا جرت رياح القدر بما لا يشتهي انقلب على وجهه واسودت الدنيا أمام عينيه، وظن أنه خسر كل ما لديه.
أما المؤمن بالله الواثق برحمته ولطفه الخاضع لجلاله وجماله سبحانه لا يرى الحياة بالمنظار الذي سبق، بل إن أمره كله خير؛ في السراء والضراء، في القوة والعجز في الصحة والمرض، في الغنى والفقر، يتلقى فعل الله فيه بقلب مطمئن، ويسعى لمدافعة القدر بالقدر، قال الإمام ياسين رحمه الله: “الاعتقاد القلبي بالقدر خيره وشره ركن من أركان الإيمان، لا يكون أحد مؤمنا إلا به. والرضى بالقضاء سعادة، والتسخط عليه شقاء، والانتظار البليد أمام ما يكره شرعا من الأقدار عجز، والجمع بين الإيمان بالقدر وبين مقاومة القدر بالقدر، على حد تعبير الشيخ عبد القادر، إحسان لا يقدر على بلوغه إلا الأقوياء من المؤمنين” ، فعقل المؤمن لا يضطرب في فهم حكمة القضاء ومواقع القدر، لعلمه البالغ بحكمة الله ولطفه في فعله بخلقه جميعا، فهو اللطيف الخبير سبحانه، عن صهيب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له» .

إن ما ورد في الحديث النبوي أصل عظيم في التعامل مع قدر الله تعالى وجب التذكير به في هذا المقام، خاصة ونحن نمر في وقتنا الحاضر بوباء كورونا المستجد، هذا الوباء العظيم الذي انتشر في عالمنا اليوم انتشار النار في الهشيم، بث فيه الخوف والهلع والاضطراب والفزع، حصد أرواحا بالآلاف ولايزال في حدود كتابة هذه الأسطر يقتل ويعطب، فهل هو مفسدة خالصة أم أن فيه من المنافع ما يصلح به حال العباد وواقع البلاد؟
إن المفاسد الدنيوية وأضرارها بتعبير الإمام الشاطبي رحمه الله ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، فـــ”ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثير” .
لأن هذه الدار الفانية وضعت على الامتزاج بين طرفين اثنين: المصلحة والمفسدة، فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك، وأصل ذلك الإخبار بوضعها على الابتلاء والاختبار والتمحيص، قال الله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) (الأنبياء: 35)، (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (الملك:2)، وما في هذا المعنى، وقد جاء في الحديث: “حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات” ، فلهذا لم يخلص في الدنيا لأحد جهة خالية من شركة الجهة الأخرى.
وعليه، فإن من ينظر إلى هذا الوباء العالمي من جهة ظواهره فقط؛ أعداد بشرية بالآلاف انتهت، وانعكاسات كارثية على الاقتصاد العالمي..، فهو يزنه بميزان مادي صرف؛ فلا جرم أنه يحكم عليه بالكارثة الماحقة لا خير فيه ولا ومنفعة. والحق، إن الناظر إليه من حيث الظاهر دون الغوص في أعماقه هو نظر قاصر، لأنه لا يلتفت إلى رحمة الله ولطفه في تدبير شؤون خلقه، ورحم الله الشيخ ابن عطاء الله القائل: “من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره” .
نعم، من ظن انفكاك لطفه تعالى وتخلفه عن قدره الذي قدره عليه، وأنزله به من البلايا والمحن، فذلك الظن إنما حصل له لقصور نظره الناشئ عن ضعف اليقين، فالمؤمن الحق يرى في المحن منحا وفي البلايا عطايا لما يتعقبها من المزايا والنعم، وفي هذا من اللطف ما ينكره إلا كل غافل عن الحق سبحانه، فلطف الله عز وجل هو الأصل في أقداره المتمثلة بأنواع من الشدائد والابتلاءات، وما هاته الأوبئة والابتلاءات التي يبتلي بها الله عباده إلا خدم وأدوات لألطافه، وليست هي المرادة لذاتها.
قال الله تعالى (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) هذه بشارة إلهية عظيمة، إذ كلما وُجد عسر وصعوبة فإن اليسر يقارنه ويصاحبه، فالشدائد مهما تعاظمت لا تدوم على أصحابها، ولا تخلد على مصابها بل إنها أقوى ما تكون اشتدادا واسودادا، أقرب ما تكون انقشاعا وانبلاجا، وهكذا نهاية كل ليل غاسق فجرٌ صادق.
اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج
وها نحن نرى ألطاف المولى عز وجل بحال الإنسانية على وجه هذه البسيطة بسبب هذا الفيروس الفتاك الذي اجتاح العالم، أصبحت البشرية اليوم بحمد الله تستحضر الموت في كل حين بعد أن كان نسيا منسيا، وغدت تدرك حقيقة الوجود الآيل إلى الزوال، وأيقنت أن لا قيمة لهذه الدنيا الفانية… وبدأ المسلمون يجددون توبتهم ورجوعهم إلى الله يستغفرونه وينكسرون بين يديه ويتضرعون إليه دعاء وعملا نافعا صالحا بأن يرفع عنهم الوباء وكلّ بلاء.
فالله أسأل أن يلطف بنا فيما جرت به المقادير وأن يدفع عنا الوباء وكل بلاء إنه على كل شيء قدير.
والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.