منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بينَ هِجرَةِ النَّبيِّ ﷺ والتَّهجِيرِ مِن غَزَّةَ: تَشوِيهُ المَفاهِيمِ لخِدمَةِ المُؤامَراتِ

د. وفا محمود عيّاد «أبو محمود»

0

بينَ هِجرَةِ النَّبيِّ ﷺ والتَّهجِيرِ مِن غَزَّةَ: تَشوِيهُ المَفاهِيمِ لخِدمَةِ المُؤامَراتِ
د. وفا محمود عيّاد «أبو محمود»
غزة – فلسطين

لطَالمَا كانتِ الهِجرَةُ في الإسلامِ مفهُومًا ساميًا مُرتبطًا بالحُرِّيَّةِ والإرادَةِ والتَّخطيطِ الإلَهيِّ الدَّقيقِ، ولم تَكُن يومًا وسيلَةً للفِرَارِ العشوائيِّ أو استِجابَةً لضُغوطِ الأعداءِ. ومَعَ ذلكَ، نَجِدُ اليومَ مَن يُحاولُ لَيَّ أعناقِ النُّصُوصِ وتَوظِيفَها لتَبريرِ تَهجِيرِ أهلِ غَزَّةَ، في سَعيٍ مَحمُومٍ لتَسوِيقِ الهِجرَةِ وكأنَّها الخِيارُ الشَّرعيُّ الوحيدُ أمامَ شَعبٍ يُعَاني ويلاتِ الحَربِ والدَّمارِ.

إنَّ مُقارَنةَ تَهجِيرِ أهلِ غَزَّةَ بهِجرةِ النَّبيِّ ﷺ مِن مكَّةَ إلى المدِينَةِ مُقارنَةٌ قاصِرَةٌ ومُضَلِلَةٌ، تَحمِلُ في طيَّاتِها مُغَالطَاتٍ فِكريَّةً تَهدِفُ إلى شَرعَنَةِ الإخرَاجِ القَسرِيِّ، وغَضِّ الطَّرفِ عن حُقُوقِ شَعبٍ ضُرِبَ في جُذُورِهِ ليُقتَلَعَ مِن أرضِهِ. فهِجرَةُ النَّبيِّ ﷺ كانتِ انتِقالًا إلى دَولةٍ جدِيدَةٍ تَحتَضِنُ الرِّسالةَ، أمَّا ما يُرَادُ لأهلِ غَزَّةَ فهُو تَشتِيتٌ وطَمسٌ للهُوِيَّةِ، خدمَةً لمَشارِيعِ الاستِيطَانِ والهَيمَنَةِ.

قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ليُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ ويَمكُرُونَ ويَمكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:30]. فكمَا كانَ مَكرُ المُشرِكِينَ بإخرَاجِ النَّبيِّ ﷺ مِن مكَّةَ، فإنَّ مَكرَ اليومِ لا يَختَلفُ كثِيرًا، لكنَّ الفَرقَ يَكمُنُ في فهمِنَا لمَآلاتِ الأمُورِ، وواجِباتِنَا في مُواجَهَتِهِ.

حينَ يُستَغَلُّ الدِّينُ لتَبرِيرِ التَّهجِيرِ: قِراءةٌ في التَّشبِيهِ المَغلُوطِ.

الهجرَةُ في الإسلامِ كانَت قرَارًا مَدرُوسًا، أُعِدَّ لهُ إعدَادٌ مُحكَمٌ، وكانَ الغَرَضُ مِنها إقَامَةُ دولَةٍ تَحمِي الإسلامَ وتُقِيمُ العَدلَ، ولَم تَكُن هُرُوبًا أوِ استِسلَامًا لضَغطِ العَدُوِّ.

قَالَ النَّبيُّ ﷺ: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ، فَهِيَ المَدِينَةُ» [رواه البخاري].

أمَّا التَّهجِيرُ القَسرِيُّ، فهُو اقتِلاعٌ للإنسَانِ مِن أرضِهِ وتَدمِيرٌ لكِيَانِهِ وهُوِيَّتِهِ، وهَذا ما يُحاوِلُ البَعضُ تَغليفَهُ بغِلافٍ شَرعِيٍّ زائِفٍ، مُتَنَاسِينَ أنَّ الإسلامَ يُحَرِّمُ الظُّلمَ والاعتِداءَ على الحُقُوقِ.

يَقُولُ الإمَامُ ابنُ تَيمِيَةَ: “ليسَ كُلُّ خُرُوجٍ مِنَ الأرضِ يَكُونُ هِجرَةً، فالهِجرَةُ تَكُونُ للهِ، أمَّا الخُرُوجُ اضطِرَارًا بلَا اختِيَارٍ، فهُو ظُلمٌ يُمارَسُ على العِبَادِ” [مَجمُوعُ الفَتَاوى].

الهِجرَةُ فِعلُ إرَادَةٍ، أمَّا التَّهجِيرُ فَفِعلُ إكرَاهٍ، والخَلطُ بَينَهُمَا مُغَالَطَةٌ تَخدِمُ الأعدَاءَ.

الهِجرَةُ بينَ الاختِيَارِ والإجبَارِ: الفَارِقُ الجَوهرِيُّ بَينَ الماضِي والحاضِرِ.

الهِجرَةُ في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ كانَتِ اختِيَارًا مُقتَرِنًا بالقُدرَةِ على بنَاءِ مُجتَمَعٍ جَدِيدٍ، فقَد وجَدَ المُسلمُونَ في المَدِينَةِ نُصرَةً وظَهِيرًا، وكانَ خُرُوجُهُم مِن مَكَّةَ خُطوةً في بنَاءِ الدَّولةِ الإسلامِيَّةِ. أمَّا تَهجِيرُ أَهلِ غَزَّةَ اليَومَ، فَهُو إجبَارٌ تَحتَ القَصفِ والتَّجوِيعِ والتَّروِيعِ، دُونَ أيِّ ضَمَانٍ أو بَدِيلٍ يَحفَظُ الحُقُوقَ.

قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ تَوفَّاهُمُ ٱلمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالمِىٓ أَنفُسِهِم قَالُوا فِيمَ كُنتُم قَالُوا كُنَّا مُستَضعَفِينَ فِى ٱلأَرضِ قَالُوٓا أَلَم تَكُن أَرضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النِّسَاءِ:97]، وهذَا في حَقِّ مَن استُضعِفُوا ولم يُقَاتِلُوا ولم يُقَاوِمُوا، أمَّا شَعبُ غَزَّةَ فهُو صامِدٌ ثابتٌ رَغمَ كُلِّ شيءٍ.

قالَ الإمَامُ القُرطُبيُّ في تَفسِيرِهِ لهَذهِ الآيَةِ: “الهِجرَةُ لا تَجِبُ إلَّا مَعَ العَجزِ عَن مُقَاومَةِ الظُّلمِ، فَإن كانَ في الصَّبرِ مَصلَحَةٌ أعظَمُ مِنَ الخُرُوجِ، لَزِمَ البَقَاءُ” [الجَامِعُ لأَحكَامِ القُرآنِ].

فشَتَّانَ بينَ مَن يَختارُ الهِجرَةَ لبنَاءِ أُمَّةٍ، ومَن يُقتَلَعُ مِن أرضِهِ لصَالحِ مَشرُوعٍ استِيطَانِيٍّ!

الصَّبرُ والصُّمُودُ: مَسؤُوليَّةٌ مُشتَرَكَةٌ وليسَ شِعَارًا فَقَط.

الرِّهانُ على صَبرِ أَهلِ غَزَّةَ لا يَنبَغِي أن يَكُونَ غِطَاءً لعَجزِ الآخَرِينَ عن دَعمِهِم. فالصَّبرُ ليسَ حائِطًا يَستَنِدُ إليهِ الجَمِيعُ دُونَ أن يُرفَدَ بخُطَطٍ ومَواقِفَ عمَليَّةٍ تَضمَنُ لهذَا الصَّبرِ مَعنَاهُ. فالثَّبَاتُ على الأرضِ يَحتَاجُ إلى دَعمٍ اقتِصادِيٍّ، وتَحَرُّكٍ سِياسِيٍّ، وظَهِيرٍ شَعبيٍّ عَرَبيٍّ وإسلامِيٍّ، لا إلى مُجَرَّدِ الشِّعارَاتِ.

يَقُولُ الإمَامُ الطَّاهِرُ بنُ عَاشُورَ: “الثَّبَاتُ على الحَقِّ يَكُونُ بالمُقَاومَةِ، لا بالاستِسلَامِ للواقِعِ، فمَن تَشَبَّثَ بأرضِهِ، ثَبَتَ فِيهَا كمَا يَثبُتُ الجِذرُ في تُربَتِهِ” [تَفسِيرُ التَّحرِيرِ والتَّنوِيرِ].

إنَّ الصَّبرَ بلا تَدبيرٍ يُفضِي إلى الاستِنزَافِ، والثَّباتَ بلَا رُؤيَةٍ يُؤَدِّي إلى التِّيهِ، فمَاذَا أعدَدنَا؟!

ولتَصحِيحِ المَسَارِ أَقُولُ:

لا يُمكِنُ لمُغَالَطَةٍ فكريَّةٍ أن تُغَيِّرَ الواقِعَ، ولا لتَأوِيلٍ مُشَوهٍ أن يُبَرِّرَ المُؤامرَةَ. فالتَّهجِيرُ القَسرِيُّ ليسَ هِجرَةً نَبَوِيَّةً، والاختِيَارُ بينَ البَقَاءِ والرَّحِيلِ لا يَكُونُ بضَغطِ العَدُوِّ وتَآمُرِ المُنتَفِعِينَ.

إنَّ حِمايَةَ الصُّمُودِ في غَزَّةَ لا يكُونُ بالكَلامِ فَقَط، بَل تَحتاجُ إلى إستِراتِيجِيَّاتٍ على جَمِيعِ الأصعِدَةِ: القانُونيَّةِ، والاقتِصاديَّةِ، والسِّياسيَّةِ. فمَن يُرِيدُ مَنعَ التَّهجِيرِ، عليهِ أن يُقاوِمَهُ بخُطُواتٍ عَمَليَّةٍ، لا أن يُطَالِبَ الشَّعبَ وحدَهُ بالمُواجَهَةِ دُونَ دَعمٍ وإسنَادٍ.

فهَل نَترُكُ الأرضَ تُسلَبُ، ونُسَلِّمُ لمَشارِيعِ التَّصفيَةِ، أم أنَّ الوعيَ سيَصنَعُ البَدائِلَ؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.