فكر الحلبي الأثري في كتابه فقه الواقع بين النظرية والتطبيق
بسم الله الرحمن الرحيم.
الكتاب الذي نقدمه للقارئ هو كتاب: “فقه الواقع بين النظرية والتطبيق للحلبي الأثري” وكتابه هذا طبع للمرة الثالثة، وهي طبعة منقحة ورسالة مؤصلة على نهج علماء السنة، إلا أن هذا الكتاب مر على تأليفه حوالي عشر سنوات، وقبل الخوض في صلب الكتاب وموضوعه الأسمى لابد من ذكر أمرين اثنين نبه عليهما في مقدمة كتابه:
– التنبيه الأول: أنه وضع بعض النقول العلمية لبعض المنحرفين في المنهج وذلك لسببين هما إقامة الحجة على بعض هؤلاء وكشف تناقضهم.
-أما التنبيه الثاني: أن الغيورين على المنهج والعقيدة قاموا بنشر هذا الكتاب بما يعرف فيه من اختصار، وصاحب الكتاب أقره وقبله ورضي عنه، إذ أن هذه هي الرسالة الثالثة بعد رسالة البيعة بين السنة والبدعة وأثرهما في استئناف الحياة الإسلامية، وهناك رسالة رابعة في طور الإنجاز وهي الدعوة الإسلامية بين التجمع الغربي والتعاون الشرعي.
بدأ كتابه بمقدمة الطبعة الثالثة ثم انتقل إلى محتوى مقدمة الطبعة الأولى، قال فيها: “بأن فقه الواقع بثوبه الشرعي أصل أصيل من قواعد الفقه وأساس مهم من أسس الدعوة، وهذا الفقه على وجهه الصحيح من لب الإسلام، ولبابه يعرف به المسلم خطأه من صوابه إذا فهم من خلاله الأحكام وأتقن معرفته بإحكام، إلا أن كثيرا من الدعاة نسبوا هذا الفقه لأنفسهم واتهموا غيرهم بأنه لا يفقه الواقع ولا يفهمه فوصلت بهم الدرجة أنهم قدفوا صفوة علماء الأمة ورموهم بالنقص، وقالوا بأنهم جهلة الواقع وأغبياء السياسة.”
كما ذكر الحلبي في هذه المقدمة أنه جاءه عدد من الشباب المتحمسين يرددون ويتساءلون لماذا لا تتحدثون عن فقه الواقع رغم أنهم لا يجالسون أهل العلم، ولا يشهدون الدروس ولا يقرءون الكتب بل جل ثقافتهم مقصورة على قراءة مجلة أو سماع شريط أو حضور محاضرة ومع ذلك يقولون فقه الواقع.
وهذا ما دفعه كي يفكر مليا بهذا الواقع الذي نعيشه إلى جانب الأفكار المتناثرة والجماعات المتغايرة، التي تدعي علانية أنها صاحبة فقه الواقع وحاملة رايته، هنا يطرح السؤال ما هي ضوابط فقه الواقع أهي معرفة الكتاب والسنة أم الجهل بهما بمعنى إما أن يكون من صميم الدين أو لا يكون.
فإذن العلم بهما كفيل بأن يوصلنا إلى فقه الواقع وأئمتنا وعلماؤنا أهله وخاصته، ففقه الواقع بصورته الشرعية اختلطت مفاهيمه على كثير من الشباب اختاروا تنظير الأفكار وإخراجها بصورة فنية وأسلوب لبق هو فقه الواقع والأمل المنشود.
وبالتالي كتابه هذا وقف فيه على مجموع من النقاط الأساسية لابد من ذكرها في هذا المقام حتى تتضح الصورة بشكل أوضح وجلي:
- ماهو فقه الواقع: هنا ذكر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين أنه لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط حقيقة ما وقع من القرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما، والثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع.
ففقه الواقع هو معرفة حكم الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتطبيق ذلك على الوقائع الحاضرة والمسائل المعاصرة، لذلك كان من شروط المفتي معرفة الناس وإلا راج عليه المكر والخداع وعليه فإن أول مقومات فقه الواقع معرفة الكتاب والسنة على نهج سلف الأمة تطبيقا وعملا.
- ثوابت فقه الواقع: هذه الثوابت منثورة من كتاب الله وسنة رسوله مثلا قوله تعالى”وهذا صراطي مستقيما فاتبعو” ” ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” فهذه الآيات ومثلها كفيلة بأن يقيم الإنسان واقعه الذي يعيشه. ولهذا نقول بأنه لابد من الاهتمام بفقه الواقع اهتماما متزايدا، والدعوة الإسلامية اليوم تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية والبعد عن القيم والأخلاق الإسلامية فتبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول وتربية من يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة تربية إسلامية صحيحة.
- سياسة فقه الواقع: فالسياسة هذه هي رعاية شؤون الأمة وهذا ما جاء الإسلام لتحقيقه بآلياته وأحاديثه وبأوامره وأحكامه فهي السياسة الإلهية والإبانة النبوية وهنا نذر فائدة جليلة تتفتح بها العقول وتستيقظ بها على حقيقة واقعنا هي أن ما أصابنا وما يصيبنا وما سيصيبنا إنما هو بما كسبت أيدينا.
- حكم النظر في فقه الواقع: فالناظر في هذا الفقه يجب أن يكون على درجة عالية من العلم ومن الوعي ومن الحكم لا أن يكون مقلد يردد ما يسمع ددون وعي ومن غير فهم.
- فقه الواقع بين الوهم والحقيقة: بدأت المعالم بالظهور وبرزت الأمارات المنهجية بوضوح، وخفت صوت العواطف، وعلت منابر التعقل والأناة، فحقيقة فقه الواقع تطبيق أحكام الإسلام على النفس والمجتمع بعلم ودراية وبصيرة، فحقيقة فقه الواقع هي الدعوة إلى الله بعلم وبصيرة، أما الوهم الذي يعيشه البعض ظنا منهم أنهم فقهاء فقه الواقع وهم في الحقيقة دعاة فقه الواقع، هل القيام بمظاهرات ومسيرة أو اضراب يعد رمزا من رموز فقه الواقع؟ هل المشاركة في برلمان أو رئاسة بلدية يعد من فقه الواقع.
وذكر بأن النصيحة التي توجه لكل الدعاة الإسلاميين على اختلاف طرائقهم وتوجهاتهم هي أن لا تستغرقهم الأحداث الجارية.
- الغلط في فهم الواقع: أن الغلط في فهم الواقع ومعرفة حقيقته ومقوماته يولد أخطارا شنيعة ويولد أخطارا فظيعة منها:
- التصوف العصري: هو أن ينفك الواقع عن الشرع فيقول فقهاء الواقع وفقهاء الشرع وهذا التقسيم من أخطر الأمور التي أفرزتها الحزبية ودعاتها حتى يعصفوا الأمة ويعزلوها عن علمائها الحقيقيين، علماء الشريعة.
- التقليد بثوبه الجديد: هنا قال بأنه كتب له أحد الإخوة الجزائريين يذكر بعض صور الخلاف بين الدعاة هناك وما نتج عن افتراقهم. فحال هؤلاء المقلدين العصريين الذين يزعمون بألسنتهم نبذ التقليد لكن أحوالهم تنطق بأنهم غارقون فيه.
- الخلط بين الخطباء والعلماء: وهو خلط قبيح يوصل إلى قبول الأحكام الشرعية ممن هو دون أصله فينتج عن هذا الخلط تشتت يعرف بطلاقة اللسان وحلاوة البيان وحسن تحليلاته وصواب توقعاته، أما ذلك العالم وريث الأنبياء الذي بلغ من عمره سنوات طوال درس فيها الكتاب والسنة ووعى أحكامهما وعرف مدلولاتهما فإنه يصبح معزولا عن الشباب بتهمة البعد عن الواقع.
- غلبة الجانب السياسي العصري على الشرع: فهو يأخذ من الدعوة مساحة كبيرة وحجما ضخما أوسع بكثير من الحجم الذي أعطاه الإسلام لهذا الجانب المجبول بمكر الساسة وخداع النفاق العصري على جانب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بصدقها وفطرتها وصفائها ونقائها.
- واقع الفقه في فقه الواقع: وذلك قائم على أصل مهمة ومنها قاعدة الدعوة إلى الله وعدم العجلة فلابد من التمسك بالكتاب والسنة ويؤخذ السبيل من الثوابت القرآنية لا من تنظيرات المفكرين ولا من أفكار المنظرين، قال عز وجل”إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” وكذا قوله” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” إذا عرفنا قاعدة الدعوة إلى الله معرفة حقة، قائمة على دراية الشريعة مجتنبين بدعواتنا وأفعالنا العجلة والاستعجال فلاالنصر يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح.
وبهذا نقول أنه من خلال اطلاعنا على هذا الكتاب وقراءته، تأملنا واقعنا الذي نعيشه من حيث ضعف المسلمين وتشتت كلمتهم وتفرق صفوفهم وتمزق بلادهم، وديارهم وسيطرة الشهوات على قلوبهم، حيث قال الحلبي الأثري “بأن الكثير من الدعاة والشباب ينادون ويرددون إلى ضرورة الخضوع للحق لكن عند أول امتحان فعلي عملي تعرف به حقا تلك الأقوال فالعلم ينقلب جهلا وحسن الظن ينقلب تهمة والأخوة تنقلب ضدا والناظر في واقع المسلمين اليوم يرى أن الكثير منهم يسيرون على المنهج الذي يروقهم، مثلا إذا ناقشهم طالب علم فوجدوا أن ما قاله وما ذكره يوافق ما تلقوه وما عايشوه وجاء ملبيا لرغبات ما ألفوه أما إذا خالف رأيهم وفكرهم رموه بالتهم.