ثلاثة أطفال ركبوا البحر، في ليل دامس شديد القر، من غير وجهة ولا هدف. كل همهم اختراق الحجب، وإرضاء الفضول، وتحدي هدير الأمواج الصاخبة ،المتلاطمة عبر السنين، واكتشاف المجهول الرابض في ما وراء الظلمات والذي يشع نورا وجاذبية.
المركب يجري لمستقر له، مخترقا جدار الصمت الرهيب، المخيم على الوجوه، والذي ينذر برحلة عذاب طويلة ما لها من قرار، والريح تشتهي ما لا يحاط بعلمه وما لا تقره السنون.
إلى أين تمضي، أيتها الريح الصرصر العاتية، الغاضبة من جور الجبروت ونقمة الطغيان. رويدك، إن الحمل ثقيل والهم تنوء بحمله الجمال، والأمل الحاني ذو البريق الساحر، سراب يخدع الظمآن، والقلب الكسير يحن للحضن الدافئ الذي فقده منذ سنين .
وعند الفجر تلوح في الأفق أنوار خافتة، تعطي إشارة الخلاص وبزوغ بوادر الانتصار، وتحقيق المراد.
على باب الجزيرة، كتبت بأحرف بارزة عبارة يهتز لها الجنان ، ويخر راكعا من جلالها البيان:
” ليست بأول الأقدام”
تقدم الفرسان نحو الساحة بلا استعداد، وخاضوا معارك دونكيشوتية، أسقطوا خلالها كل الطواحين، ثم استتب لهم الأمان وطاب لهم المقام، واتخذوا من الجبال بيوتا، وبأفنان الشجر بنوا عرائش، وشدوا البنيان، ونالوا من الطيب ما يعجز عن وصفه اللسان.
وبينما هم في خوض يلعبون، لمحوا على الصخر بيانا يشيب لوقعه الغلمان:
“ليست بدار مقام”
هنا، افترق الفكر، واختلفت الرواية، وتشعبت الوديان، واتخذ كل لسبيله مورد أمان.
أما الأول، فاغتر بالطيب والأمان ورغد العيش، وجود البستان، فلزم الدار، ومتع الأنظار، وجال في الجزيرة من بعد ما لاحت له الأنوار، يلهث خلف الأنهار والأشجار، وغاب عن الأنظار.
وأما الثاني فتعب من كد الليل والنهار، وافتن بما جمع من نفائس وأحجار، ونسي الأهل والديار، وما قاسى من متاعب الأسفارفي غرائب الأمصار، وغاب عن الأنظار.
وأما الثالث ، فأدرك أن الجزيرة ليست بدار قرار، وأن الأمان ورغد العيش ليسا من تحف النظار، وأن العودة للديار، مسلمة في ثقافة الأسفار. فانشغل بما يصلح به الروضة، واهتم بالجودة، وجمع من النفائس والدخائر ما ينفعه يوم العودة ، ثم غاب عن الأنظار.
ثم حكمت الأقدار، فاختفت الجزيرة عن الأنظار، وتنادت الأصوات بالبدار، والعودة للأهل والديار، واكتال كل فارس من مكتشفات الأسفار، ومدخرات الأعمار.
وقد خاب من افتن بما لفظته الأقدار، وأبعدته عن الديار