وصايا إلى الطلبة الجدد في العلوم الشرعية بالتعليم الجامعي (2)
الدكتور الأستاذ سعيد بن محمد حليم
وصايا إلى الطلبة الجدد في العلوم الشرعية بالتعليم الجامعي (2)
الدكتور الأستاذ سعيد بن محمد حليم
أصول الفقه: مركب إضافي، أضفنا فيه الأصول للفقه. وبما أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية، المستنبطة من أدلتها التفصيلية. فإن ما يفهم من حيث الظاهر، أن علم الأصول متعلق فقط باستنباط الأحكام الشرعية العملية.
هذا الفهم، ظل معنا عندما كنا طلبة لسنوات كثيرة. وهو فهم قاصر؛ لأن علم أصول الفقه، هو أداة لفهم النصوص الشرعية من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة في جميع العلوم الشرعية.
فقواعد علم أصول الفقه؛ يحتاجها الفقيه، والمفسر، والمحدث في فقه الحديث، والمتكلم في علم العقيدة…
لا سبيل إلى فهم الشرع عموما، دون الاستنجاد بقواعد علم أصول الفقه.
في علم أصول الفقه؛ تحدد:
1- الأدلة الشرعية، وترتيبها بحسب الحجية والقوة. وفي هذا العلم، تحدد:
2- طبيعة الأحكام الشرعية:( الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح)، وما يتعلق بذلك من أحكام وضعية؛
3- مراتب الدلالة؛
4- قواعد الترجيح عند اختلاف الأدلة والأحكام الشرعية؛
5- الاجتهاد، وشروط المجتهد والمقلد.
وألحق بها الإمام الشاطبي في كتابه:( الموافقات) المقاصد، ووسع فيها القول، وبسط فيها النظر،؛ فأبدع وجمع فأوعى. وكل من جاء بعد الإمام الشاطبي، فهو عيال على بضاعته.
ترى ما الذي دفعني إلى هذا التنبيه؟
الذي دفعني إلى هذا التنبيه؛ هو بيان قيمة علم أصول الفقه في بناء العلوم الشرعية. ولذلك من أراد فهم الدين بطريقة سليمة وصحيحة؛ فعليه بعد تحصيل الضروري من اللغة العربية، أن يهتم بشكل مستفيض بعلم أصول الفقه، ويصرف فيه وقتا طويلا .
ورغم أهمية هذا العلم في فهم الدين كله؛ فإن عدد الوحدات المخصصة لهذا العلم، قليلة جدا في سلك الإحازة، لا تفي بالتضلع من موارده بالشكل الكافي.
حق هذا العلم- وأنا مختص بعلم الحديث- أن يدرس في ستة فصول؛ حتى يحصل الطلبة على الضروري منه.
أكرر وأعيد؛ فهم الدين فهما صحيحا سليما؛ يكون من خلال قواعد علم أصول الفقه؛ لأن هذا العلم المنهجي، هو المرقاة للمدينة السليم، بعد الفهم الصحيح.
كل من حاول فهم الخطاب الشرعي، بعيدا عن علم أصول الفقه؛ فهو يخبط خبط العشواء في الظلماء. لذلك أدعو الطلبة الجدد في العلوم الشرعية؛ سواء في سلك الإحازة، أو في سلك الماستر، الاعتناء بهذا العلم، والاطلاع على مصادره ومراجعه بشكل كاف.
عرفت قيمة علم أصول الفقه؛ بعد سنوات من الطلب، ولم يكن كثير من الأساتذة ينبهوننا إلى هذا الأمر. فكل أستاذ يقدم المادة التي يدرسها على أنها محور العلوم الشرعية، وغيرها تبع. ومنهم من كان ينتقص من قيمة المواد الأخرى. وهذا خلل عظيم!!!
فمنذ أن عرفت هذه الحقيقية؛ اقتنيت أغلب مصادر علم أصول الفقه ومراجعه. وعكفت سنوات على قراءتها مرات وكرات؛ أبدا بالرسالة للإمام الشافعي، ثم أصعد في التاريخ عبر القرون، إلى أن أصل إلى كتاب:( الموافقات) للإمام الشاطبي، وكتاب:( البحر المحيط ) لبدر الدين الزركشي.