عن راية طوفان الأقصى
عبد الحليم الزوبير
ترمز راية الجيش في أي معركة إلى العقيدة القتالية التي تحركه، وتزداد الراية أهمية عندما يتعلق الأمر بالجانب الشرعي في الموضوع، ذلك أن الحرب كريهة بطبعها، والمؤمن لا يطلب لقاء العدو، ولكنه يصبر ويجالد إذا فرضت عليه، وحيث إن الحرب حالة استثنائية، يدخلها المسلمون لدفع العدوان، وإحقاق الحق الذي لا يحق بدونها، فإن وضوح الراية أمر بالغ الأهمية من الناحية الشرعية، إذ لا يجوز للمسلم –حسب الحديث الشريف- أن يقاتل تحت راية عمية، تدافع عن عصبية، أو تنصر جاهلية؛ فأين راية معركة الأقصى من الشرعية الجهادية التي تسمح للمسلم ببذل روحه أو ماله أو جاهه لنصرتها؟
عاشت الأمة الإسلامية أنواعا من الحروب الطاحنة، مختلفة الرايات، ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم قاتل المسلمون تحت راية واضحة، غرضها نشر الإسلام، ومواجهة القوى الوثنية التي حاولت وأد الدعوة الإسلامية في مهدها، ثم جاءت مرحلة الخلفاء فكانت حروب الردة التي تردد بعض الصحابة في الانخراط فيها أولا، كون العدو من المسلمين الذين أقروا بوحدانية الله، وأدوا البيعة والزكاة للنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت الراية رمادية في أدهان بعضهم بداية الأمر، حتى عزم الصديق، وأقسم يمينه المغلظ قائلا: “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة” فحسم الصحابة خيارهم، ووضحت لهم راية الحق، وخطورة أهل الردة، الذين تبين بعد ذلك أنهم طلاب دنيا، ودوا الانقضاض على دولة الخلافة الراشدة الفتية؛
واستمرت المعارك في عهد الصحابة بين راية الحق التي يعقدها الخلفاء، والرايات التي يعقدها أعداء الملة؛ إلى أن جاءت فتنة الجمل وصفين، فمالت الراية مجددا إلى السواد، واختلفت رؤى الصحابة، بين من يعتبر قتال البغاة تحت راية الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه جهادا لا ينزل عن حهاد المشركين، وبين من تردد في الأمر حتى قال سعد بن أبي وقاص: “ائتوني بسيف يفرق بين الحق والباطل أقاتل به” وكان ذلك سببا في تعقيد أمور الخلافة، وجرأة البغاة من الأمويين والخوارج” ومع ذلك فقد درج العلماء على التماس العذر لمن قاتل ولمن لم يقاتل، وما ذلك إلا لأن الراية غير واضحة؛
وامتدت المعارك تارة بين المسلمين وغير المسلمين، وتارة بين الثوار والحكام، وتارة بين أبناء العائلات الحاكمة، وفي كل معركة نجد العلماء يتقدمون الصفوف حين تكون الراية واضحة، ويحرضون على القتال، ويفتون بوجوب الخروج للجهاد ولو كان الحاكم ظالما، ما دامت الراية واضحة، ولذلك لم نجد أحدا من العلماء، ولا حتى من أهل البيت الذين عارضوا حكام بني أمية وبني العباس، يتخلون عن الجهاد حين يكون الخصم عدوا واضحا، لا يحتمل التأويل، ولا أحد منهم خذّل الناس عن الخروج في ركاب الحاكم حين يريد مقابلة عدو للدين، بينما يختلفون فيما سوى ذلك.
ولا تزال المعركة التي أشعلها الإنجليز حين أعطوا أرض فلسطين للحركة الصهيونية تقيم فيه وطنا لليهود، معركة واضحة المعالم، وإن أساء إليها بعض المقاومين في فترات من التاريخ، وأخرجوها من عباءة الإسلام الواسعة، وأدخلوها في حسابات أيديولوجية هائجة، ومتاهات قومية فارغة، لكنها اليوم استطاعت بفضل وعي المقاومة رفع رايتها البيضاء النقية من جديد، لينحاز إليها كل مسلم من أهل القبلة، بل هي نقطة جامعة لقوى الخير المدخورة في جميع المجتمعات، وما هذا المظاهرات التي تجتاح عواصم أوروبا، والاستقالات من أعلى مناصب الحكم إلا دليلا نصاعة هذه القضية، ونقاء رايتها من كل شائبة، تثقل المسلم عن الانخراط فيها.
لكل هذا ستكون هذه المعركة اختبارا لصدق الزعماء والعلماء الدعاة والحقوقيين والإعلاميين وكل من يحمل رسالة إنسانية، ولن يبقى في صف الصهاينة إلا كافر محارب، أو متصهين منافق معلوم النفاق.