معالم العلو وأسس الرؤية المستقبلية في تحرير بيت المقدس والأمة. 1- معالم العلو

 

 تقديم

كانت ولا زالت فلسطين محط اهتمام الجميع، فالكل يتحدث عنها ويدافع عن ترابها ويريد تحرير بيت المقدس، لدرجة لم يسبق لمدينة عند العرب والمسلمين وغيرهم، أن حظيت بمثل ما حظيت به مدينة القدس. بل كانت منطلقا وسببا في كثيرا من الحروب والصراعات عبر التاريخ بغية الاستيلاء والتعمير.

وفي وقتنا الراهن يرتكز الصراع العربي والاسلامي مع اليهود، أساسا على فلسطين وعلى القدس خاصة. وهو لا يزال مستمرا منذ أكثر من سبعين سنة.

بيت المقدس عرين الأمة وجوهرتها النفيسة، قاهرة الغزاة والطامعين على مر العصور، كيف لا وهي أرض الله ومدينته، اشتق الله اسمها من اسمه العظيم “القدوس”، جعلها الله مقبرة وظلمة لأعداء الأمة الاسلامية، لا تزيدها الأيام إلا نورا وضياء، هي الأرض المباركة أرض الأولياء والصالحين.

 بيت المقدس هي الاسراء والمعراج قال تعالى: “ىسُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”[1]  فقضية القدس وتحريرها قضية أجيال من المسلمين، رغم ما أصاب البلاد السلامية من فرقة وشتات ورغم ما تولد لهم من فهم خاطئ للدين، حيث أصبح عندهم مسألة فردية. بل أكثر وأمر من ذلك تلك النظرة التي أصبح الكثير من المسلمين ينظرونها للكيان الصهيوني الغاصب. والمتمثله في كون هذا الأخير كيان يعمل بغية خلق السلام والتوازن. نظرة كاذبة خاطئة. يعلمها كذلك عدد كبير من المسلمين. يعلمون مكر اليهود وما يحيكونه من خطط ومائكد تهدف إلى ضرب الأمة الاسلامية في جذورها. هو مكر وفساد حدثنا عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: “وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا”[2].

المبحث الاول: معالم العلو

لا حدود لعلو اليهود مادام يسندهم أهل الجحود من أدعياء النصرانية الذين يستبطنون الالحاد والجور. وعن هذا الجبروت اليهودي يحدثنا القران الكريم في سورة الاسراء سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)[3]. هذا الاستكبار متجدر في الشخصية اليهودية التي تلقن منذ نعومة اظافرها مبادئ العنصرية، وأنها من بني اسرائيل شعب الله المختار. اتهموا يوشع عليه السلام وقالوا عنه أنه كان دبارا متعطشا للدماء. إنها خيالات نفوس مريضة تجسد في قصص ملحمية تمجد التعذيب والابادة .

تلك كانت أول وحدة تجمع بني اسرائيل بعد ان كانوا مجرد قبائل من البدو والرحل الهائمين في الصحراء ، ليصبحوا شعبا واحدا يقوده يوشع الى ارض كنعان. لكنهم لم يمتهنوا التدمير والتقتيل الا بعد يوشع حيث كانوا يقتلون النبيين بغير حق كما ورد في القران في أكثر من موضع. يستعلن الاستكبار العنصري اليهودي وتسلط الأضواء على “التطهير العرقي” وهو يعرض بعض منجزاته على شاشات العالم كله. في سنة 1948 اجتاح الوزير الاول للإسرائيل هو وعصابته الارهابية قرية دير ياسين وذبح 254 من رجالها ونسائها وأطفالها ، تلك كانت خطته لإرهاب السكان وإجبارهم على النزوح من أراضيهم . وبعد ثلاثين سنة ، بعد ان استوت اسرائيل على سوقها ، وتكلفت عدالتها بضمان أمن المواطنين، وبعدها هاجم مجرم يهودي قرية بئر قاسم فأباد أهلها فألقي عليه القبض وحكم بتغريمه دينارا رمزيا ثم اطلق سراحه . فاذا ما سولت للمسلم نفسه الاقتصاص من يهودي واحد حين يجرف بيته او ينتزع حقله أو يحصد أطفاله ، انطلقت الأبواق الاعلامية تشنقه وتعالت صيحات الإدانة الدولية : إسلامي ؟ ارهابي ؟متطرف؟ بينما لا يجرؤ احد على نسب المذابح الرهيبة التي يرتكبها اليهود.

 كانت أروبا في حاجة ماسة الى حوض يستقبل مافاض عنها من العنصر اليهودي بالغ الذكاء ، فائق النشاط شديد المهارة في التجارة العنصر المزعج الذي تنظم وألح على الدول الأوربية السالكة سبيل الديموقراطية ان تمنحه حقوقا وتملكه أرضا تطلع عليها الشمس . وما قضية دريفوس في فرنسا إلا مثال بين لظهور اليهود في الساحة واستغلال الامكانيات التي استحدثها العصر لمكافحة الظلم والتأثير على الرأي العام بواسطة َإعلام حر تسلل إليه المال اليهودي والنخبة المثقفة اليهودية . فدولة اليهود هي البنت المدللة لأمريكا البروتستانية الهائمة بالأساطير التوراتية ، فهي لا تتردد مستقوية بجهاز دعايتها الأخطبوطي المتنفذ في أمريكا ، رافعة شعار “أرض بدون شعب لشعب بدون أرض” لتصبح فلسطين أرضا خالية، إرثا ضائعا استرده الشعب المختار . لكن الأرض الموعودة المسترجعة ليست سوى مرحلة انتقالية نحو اسرائيل الكبرى التي ترسمها الخرائط الصهيونية والتي تحتوي على جزء كبيرا من المشرق العربي. فإسرائيل تعمل معتمدة على حليفها الأساسي المتمثل في الإحساس بالذنب الذي خلفته المحرقة الهتليرية.

 من العبث ان نقرأ التاريخ بمنظار غير اسلامي إذا ما أردنا تسليم الحداثة ، لأن الحداثة هي المظهر الحديث للإبتلاء ، ولأن قصص الأنبياء لم ترد في القران الكريم للتسلية بل للاعتبار والاقتداء.

 حقا إن التحدي الصهيوني يفعل فعله في الواقع المعيش وفي نفسانية العرب المسلمين وغير المسلمين ، لكننا إذا عزلناه وضخمناه متأثرين بهمومنا وآلامنا ، أصبح عائقا يستحيل تجاوزه . أما اذا وضعناه في السياق التاريخي الإسلامي فإنه يصبح مجرد هبة ريح عابرة . لكن انتسابنا إلى البعد الرباني وإلى استمرارية تتجاوز حدود التاريخ لا يعني أبدا أننا نفر من المعركة الحاضرة. تحدٍ ومقاومة لا يميزها عن نضال الشعوب المستضعفة سوى الحافز الروحي السامي هنا ، الوطني والإيديولوجي هناك . لما نفرغ من اليهود واليهودية ، وكيف نفرغ منهم وهم اللعنة المجسدة والمثل المضروب لنا في القران الكريم وفي سنة الله ؟ “لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ”[4]

نسأل الله تعالى أن يمكن للمجاهدين العزل ” أطفال الحجارة ” في فلسطين ، يهود النسل والعقيدة القومية ويخلصوا الانسانية من قلوب يهودية اتسمت بالفساد والقساوة.

 

 

[1]  سورة الاسراء الآية 1

[2]  الاسراء الآية 4

[3]  سورة الاسراء من الآية 1 إلى 10

[4]  سورة الحشر الآية 1′

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: