مصير المدمن التائب في المجتمع الغافل المفتون.

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: ( ربما تكون نائما فتقرع أبواب السماء عشرات الدعوات لك، من فقير أعنته، أو جائع أطعمته،…أو حزين أسعدته، أو عابر ابتسمت له، أو مكروب نفست عنه…) فلا تستهن بفعل الخير أبدا.

في مدينة خنيفرة بالمغرب الأقصى اشتُهر شخص، قلما يجهله أحد على الساحة، حتى إن الغريب إذا نزل بالبلد، وذكر مواصفاته لأي أحد كان كبيرا أو صغيرا ذكرا أو أنثى دلوه عليه وعلى مكانه، وشهرة هذا الرجل تنحصر في كونه مدمنا على الخمر والكحول والماحيا، ونادرا الرُّوج بدل أنواع الخمور الأخرى التي ليس له القدرة المالية الكافية لشرائها، ومن المعاصرين والمحتكين بهذا الشخص، من يشهد أنه كان من الأوائل الذين خرجوا إلى أوربا للعمل، وكان صاحب ثروة مالية لا يستهان بها، وعندما يجتمع المال والجهل عند الإنسان، فإنهما يفعلان فيه ما لا يفعله العدو في عدوه، ولا شيء أشد خطرا وسوءا من الجهل، فالجهل وحده كاف لإسقاط الحصون المنيعة والقلاع المرتفعة، فالرجل الجاهل يدمر بجهله كل شيء من القيم والمفاهيم، بحيث يقود صاحبه إلى كل الأفعال السيئة، ومن الجهل المركب، ألا يعلم الجاهل أنه جاهل، فإذا ملك الجاهل المال اشتد طغيانه، وسيطر الجهل عليه، وأديا به إلى السفه، وغالبا ما يقود السفه صاحبه إلى سلوكيات خاطئة وطرق مظلمة، ومن خصائص الجاهل السفيه أنه إذا غرق فلن يجد من ينقذه أو يحزن عليه، فلا بواكي للسفهاء، لأنهم أبكوا الأبرياء والضعفاء كثيرا، والله لا يحب السفهاء الذين يدفعهم جهلهم إلى تحدي الآخرين؛ وتحديهم للمشاعر الإنسانية؛ واستفزازهم لكرامة الإنسان.

وما أحوج الإنسان الجاهل إلى من يقوده ويأخذ بيده لكي ينقذه من جهله، ويحذّره من غضب الله عليه إذا ظلم أو تجاوز أو طغى في الأرض، ومن مظاهر سفه هذا الشخص أنه كان يمسح حذاءه بلباب الخبز عند رجوعه من أوربا إلى المغرب،كتعبير على ترفه واستغنائه عن الغير، قال تعالى في سورة العلق: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى *إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)[1] ، وكل من لم يشكر الله على نعمة أنعم الله عليه بها، ولم يصرفها في طاعة الله ومرضاته، عوقب بحرمانها.

وأول لقاء لي بهذا الشخص، كان في فصل الصيف، بعدما أفلس وتشرد وأصبح مدمنا ومنبوذا في الوسط الخنيفري، وكان لأخي الشقيق؛ دكان في الشارع يبيع فيه الأكلات الخفيفة، وبجانبه صاحب مقهى، هنالك وجدته جالسا ففاتحته الكلام في إمكانية التوبة والرجوع إلى الله والإقلاع عن شرب الكحول والخمر والماحيا، فوجدته على أتم استعداد للاستجابة، ودعوته إلى الصلاة التي هي صلة العبد بربه، وفي ركعتين منها يتم إعلان التوبة لله، إذ فيها يكون العبد في الحضرة الربانية يناجي خالقه الذي يفرح بتوبة عبده ورجوعه بعد الإباق، وقد جاء في توبة العبد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ( إِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ بَاعًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً).[2].

لم يرفض هذا الشخص الدعوة، وتوجهنا إلى مسجد البئر، والذي يوجد في شارع محمد الخامس، وبه الإمام السي الحاج الغالي – رحمه الله – والذي اشتهر بالتمكين الطويل بين الأذان والإقامة حتى يحضر أكبر عدد من جيران المسجد، فدخلنا بيت الله، وهي أحب البقاع إلى الله، فيها يعبد سبحانه. و فيها يُذكر اسمه، وإنّ من شأن الكريم أن يكرم من زاره في بيته، وإنّ المساجد في الأرض مزار الملائكة في السماء، منها تصعد الأعمال، وإليها تنزل الرحمات، تبنى المساجد لإقامة الشعائر وإظهار أعلام الدين، تبنى المساجد فيفرح ببنائها أهل السماء والأرض، ويجعلها الله مهبط الرحمة والرضوان، فهنيئا لمن شيدها، وهنيئا لمن تعبّد فيها، وويل لمن منع ذكر اسم الله فيها، وويل لمن سعى في خرابها، وتشهد المساجد يوم القيامة لمن بناها وأحياها بالذّكر والطاعة، كما تشهد على كل من ألحق الضرر بها بأي نوع من أنواع الأضرار، حسية كانت أو معنوية، جاء في الحديث القدسيّ عن ربّ العزّة والجبروت: (إنّ بيوتي في الأرض المساجدُ، وإنّ زُوّاري فيها عمّارُها، فطوبى لمن تطهّر في بيته وزارني في بيتي، وحقٌّ على المَزُورِ أن يكرم زائره)[3]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً) [4]، وصعدنا الطابق العلوي الذي توجد به المراحيض ومكان الوضوء، وبعدما توضأنا نزلنا إلى الطابق الذي يليه، وصلينا به العصر جماعة، وسبحان الله، لاحظت وجه هذا الشخص المدمن المنبوذ أصبح يتلألأ نورا بسبب الوضوء والصلاة، بعد أن كان على وجهه غبش، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: (الصلاة: مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، طاردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن).

وبعد الصلاة خرجنا من المسجد، وفي الطريق سألته عن سبب إدمانه للخمر والكحول، فأخبرني بصراحة أنه كان من الأوائل الذين عملوا بأوروبا، ونظرا لمشاكل وقعت له؛ دخل المغرب، وكان كلما رآى أصحاب المهجر يتقلبون في أنواع السيارات، يحز ذلك في نفسه ويؤلمه ويريد نسيان العالم المحيط به والمستفز له، فيتعاطى لما يفقد به عقله وينسى ما حوله، ولما وصلنا إلى دكان أخي، بدأت أسأله لأتعرف مباشرة على أحواله المادية والمعنوية، وكان أول سؤال وجهته له، هو معرفة محل سكناه، فأجابني أنه ينام قرب باب مسجد تيعلالين المغطى، وقلت له: هذا المكان يصلح للنوم فقط في فصل الصيف، ولكن أين تسكن في فصل الشتاء، فأجابني بعقيدة راسخة، نحن أبناء اليوم وغدا سيسهل الله تعالى في المكان، وأهديته بعض الثياب ليستر جسمه، وأردت أن أنقله من رجل صالح إلى مصلح، فسألته عن إمكانية التعاون على البر، وذلك بالتوسط للالتقاء بالرجل الأول في الإدمان في مدينة خنيفرة، ودعْوَتِه إلى التوبة إلى الله تعالى، فقبل الفكرة ورحّب بها، وفي فجر اليوم الموالي أُخبرت من قبل بعض المصلين أنهم رأوه في مسجد يبعد عن الذي صلينا فيه العصر بكوليمتر تقريبا، وهو مسجد حي بام، وقرأ معهم الحزب القرآني جماعة بعد المغرب، وبقي هذا الشخص محافظا على صلواته الخمس بمساجد خنيفرة، وقراءته للحزب القرآني جماعة في المسجد، إلا أن هذه الحالة لم تستمر طويلا، لكون المساجد في المغرب، لا تؤدي دور الاحتضان التربوي، وإنما هي مساجد مؤممة تفتح قبل الأذان بنصف ساعة، وتغلق بربع ساعة بعد كل صلاة إلا صلاة المغرب لقرب الوقت بينها وبين صلاة العشاء، وذلك بمذكرة وزارية.

وبقي هذا الشخص التائب في صراع داخلي بين الحق والباطل، وفي قصة من تراث هنود الشيروكي، والذين هم أبناء واحدة من أكبر ثلاث قبائل من سكان أميركا الأصليين[5]. تصوير لهذا الصراع، إذ تتحدث القصة عن “شيخ هندي كبير كان جالسا مع حفيده، فقال له: هناك صراع في داخلي يا بني. صراع رهيب بين ذئبين. أحدهما ذئب شرّير، هو ذئب الغضب والحسد والحسرة والغيرة والندامة والجشع والغرور والدناءة والكذب والتعالي والشعور بالمرارة… والذئب الآخر ذئب طيب، هو ذئب السعادة والسلام والحب والاطمئنان وراحة البال وهدوء النفس والأمل والتواضع والعطف والكرم والصدق والإيمان والإحسان… وهذا الصراع الدائر المستمر بين هاذين الذئبين يدور في داخلك أنت أيضا يا بني، وفي داخل كل إنسان آخر. صمت الحفيد لبعض من الوقت، وهو يفكر فيما قاله جده، ثم قال: وأي الذئبين هو الذي سينتصر يا جدي؟ فنظر إليه الجد الحكيم، وقال: سينتصر الذئب الذي تطعمه أكثر!”، فإن كنت تمد ذئب الخير بأنواع الخيرات من الأعمال الصالحات ومصاحبة الصالحين قوي وانتصر، وإن كنت تمد ذئب الشر بالذنوب والمعاصي ومجالسة الأشرار فسيتقوى ذئب الشر وينتصر. والبيئة التي يعيش فيها هذا الشخص حديث العهد بالتوبة كانت تغذي ذئب الشر وتقويه، وبالتالي ازداد في الإدمان حتى أفقد بصره، بل حتى المشي أصبح عاجزا عنه.

والذي ينظر الآن إلى هذا الشخص الذين كان من عُمّار المساجد، والمحافظين على تلاوة الحزب القرآني جماعة، وإلى حالته المزرية، وهو لا يستطيع المشي ولا يرى ما حوله، رآى بعينيه النتيجة المزرية التي يحب الشيطان اللعين أن نكون عليها في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)،[6]. ويقول سبحانه: ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ).[7]

فاللهم يا رب، لا تقبض روح هذا الشخص إلا وقد عسّلته، وقد يتساءل المتسائل وما المقصود بالتعسيل، الجواب نجده في الحديث المروي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خيرا عسّله، قيل: وكيف يعسّله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته فيقبضه عليه).[8].

 الهوامش

[1] [سورة العلق، الآيات 6 – 8].

[2] [ البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، (المتوفى : 458هـ)، الْأَرْبَعُوْنَ الصُّغْرَى، تحقيق: أَبُوْ إِسْحَاق الْحُوَيْنِيُّ الْأَثَرِيُّ، دَارُ الْكِتَاب الْعَرَبِيِّ بَيْرُوْت، الطَّبْعَةُ الْأُوْلَى: 1408هـ ، 1/87].

[3] [رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه].

[4] [رواه مسلم].

[5][ الشيروكي (بالإنجليزية: Cherokee) قبيلة من قبائل الهنود الحمر كانت تستوطن جنوب شرق الولايات المتحدة (تركزت تجمعاتهم في ولايات جورجيا وكارولينا الشمالية وكارولينا الجنوبية والجزء الشرقي من ولاية تينيسي). تحكي التقاليد الشفاهية التي تناقلتها قبائل الشيروكي وسجلها بعض المؤرخين وعلماء السلالات في القرن التاسع عشر أن القبيلة هاجرت في العصور الغابرة من منطقة البحيرات العظمى باتجاه الجنوب. في القرن التاسع عشر أطلق المستوطنون البيض للولايات المتحدة على خمس من قبائل السكان الأصليين اسم “القبائل الخمس المتحضرة” وكانت قبيلة الشيروكي من ضمن هذه القبائل. ووفقاً لإحصاء عام 2000 في الولايات المتحدة، بلغ عدد أفراد أمة الشيروكي أكثر من 300 ألف شخص، وهي بذلك هي الأكبر من بين 563 قبيلة معترف بها فيدرالياً في الولايات المتحدة. وقد تم إبادة جزء كبير من شعب الشيروكي عن طريق الغزاة الإسبان ثم المستوطنين الأوروبيين وذلك سواء عن طريق القتل أو التشريد أو بسبب أن الأوروبيين جلبوا بعض الأمراض معهم التي لم يكن شعب الشيروكي يكتسب مناعة ضدها].

[6][سورة فاطر، الآية 6].

[7][سورة يس، الآيات 60- 62].

[8] [أخرجه الطبراني في الأوسط، (5/55 ، رقم 4656) . قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ، غير يونس بن عثمان، وهو ثقة،  (7/215)].

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: