مرجعية الحرقة عبر قوارب الموت في المجتمع الجزائري -دراسة في المفهوم-

“الحرقة” على الاصطلاح الشّبابي، أو بتعبير لغوي أوضح “الهجرة غير الشرعية”، ظاهرة استفحلت استفحال النّار في الخشب، تفشّت في جزائرنا بين شبابنا، صارت هي الحلّ والأمل والملاذ الوحيد في نظرهم لتخطّي المشاكل والصّعاب..فلا تكاد تحاور شابّا -إن لم نقل حتّى الفتيات- إلّا وتجد لديه أملا فيها قريبا كان أو بعيدا، هروبا من مجتمعه إلى مجتمع آخر قد يجد فيه أرقى سبل العيش الكريم والمميزات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ووراء هذه الظاهرة في وطننا تظافرت عدّة عوامل وأسباب كان لها وقع في حدّتها، سنشير إليها تباعا في غضون هذه السلسلة.

وقد آثرنا بدءا في هذه الجزئية أن نسلّط الضوء على مصطلح الحرقة من منظور لغوي مفاهيمي، ندرس من خلاله ما يحمله من معاني ودلالات، مبيّنين مرجعيته التاريخية التي تردّدت بين الإثبات والنّفي، بتتبّع علمي واعتماد أسلوب سلس ميسّر علّه يكون أدعى للقبول والاستيعاب لدى شبابنا…

أولا: مفهوم الحرقة في اللّغة والاصطلاح:

الحرقة في اللّغة: من الفعل أحرق، ولها عدّة معاني منها:

– اشتعال النّار: أحرق أي أشعل النّار ومنه الحريق.

– الحَرَقُ بمعنى النّار في حدّ ذاتها: تلك التي كلّفَتكَ النَّفسُ تأمُلُها

                                                   وما تَعلَّقتَ إلّا الحِينَ والحَرَقَا. [1]

– الحَرِقُ والمُّحرَّق ما أصابته النّار: كأنّ اختلاءَ المشرفيّ رُؤوسَهُم

                                                  هَوِيُّ جَنوب في يَبَسٍ مُحرَّق. [2]

– حرقة الشّعر احتراق في أصوله فينسل: يقول الفراهيدي “الحرقة احتراق في أصول الشعر فينحَصُ” [3]

– الحرّاقة سفينة فيها مَرَاميَ نيرانٍ: قال: “الحرّاقَّات سُفُنٌ فيها مراميَ نيرانٍ يُرمى بها العدوّ في البَحر”. [4]

– لذعة الألم والحزن والوجع: مُتسّلباتٍ نُكدهنّ وقد ورى… أجوافهنّ بحُرقة وروانٍ[5]

– حرقة الجوع: قال يصف أُتنا أبعدهنّ الحمال عن مشرب به صائد جائع:

              لوّحهنّ العطش النّسيس… عن مشرَع دانٍ له النّاموس…

                           من الشّقا محترق جسوس…

-همّ القلب وحرقته: لقد صرتُ من بعده في ضنًى… وقلبي لأجل الفراق احترق[6]        

– الاحتراق الهلاك: أعلّل بالمنى نفسي ومالي… سوى اليأس الذي فيه احتراقي[7]

الحرقة في الاصطلاح المعاصر: فهي تلك للهجرة غير الشرعية من دول العالم الثالث نحو الدول الغربية وأكثرها من شمال إفريقيا إلى أوروبا، وفي غالب أحوالها تكون سرية وعبر البحر، مخالفة لما هو متعارف عليه دوليا في قانون الهجرة، بدافع الفرار من شبح البطالة والفقر وتصيّد فرص العمل وهذا هو الغالب، أو سعيا للمغامرة والاستكشاف والسيّاحة دون رجعة، وفي كثير من الحالات مؤداها الموت في عمق البحر.

بيان العلاقة بين المعنى اللّغوي والاصطلاحي لمصطلح الحرقة:

باعتبار ما ذكرناه من معاني لغوية للفظ الحرقة وترادفه من حيث الاصطلاح مع مسمى الهجرة غير الشرعية، لا نلمس أي علاقة واضحة بينهما تبيّن مرجعية إطلاق ذات اللّفظ على الهجرة غير الشرعية. وهذا ما كان دافعا للتحقيق في مرجعية المصطلح الشائع على ألسنة الشباب في واقعنا المعاصر.

المرجعية التّاريخية لمصطلح الحرقة بين النّفي والإثبات:

الحرقة أو الحرّاقة (بتشديد الرّاء ونطق القاف جيما مصرية) مصطلح شاع استعماله في الجزائر والمغرب الأقصى خصوصا، ويعني أولئك الشباب الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط باتجاه دول أوروبا في قوارب الموت مخترقين الأطر القانونية، مجازفين بحرق وثائقهم وهوياتهم بله ماضيهم طمعا في اكتساب هوية جديدة ومستقبل زاهر.

وحسب آراء الشباب فإنّ ملهمهم الوحيد هو طارق بن زياد الليثي فاتح الأندلس في عهد الخلافة الأموية، الذي عند تجاوزه للبحر وقاد جنوده للضفّة الثانية عمد إلى حرق كلّ السفن التي كانوا على متنها، موجّها رسالة بفعله لجيشه كي لا يفكّر بالتراجع عن القتال، وتعبيرا منه عن قراره الحاسم بفتح الأندلس لا غير أو الشهادة دونها. واشتهرت قولته على الألسنة “أيّها النّاس: أين المفرّ، العدوّ أمامكم والبحر وراءكم، فليس لكم النجاة إلاّ بالسيوف”.

كان تيّمن شبابنا بهذه الواقعة، وتمسّكهم بهاته المقولة، فكانت لهم قوّة وعزيمة على الهجرة (الحرقة) مهما كان الثمن.

من هنا كان لزاما علينا الوقوف على هذه المرجعية التاريخية وتحقيق القول فيها، تحكيما لها بميزان التّاريخ لمعرفة حقيقتها من وهمها وبالتالي إمّا إثباتها أو نفيها.

التّحقيق في المرجعية:

شاعت خطبة طارق بن زياد وقصة حرقه للسفن، قبيل موقعة واد برباط من أجل تحريض الجيش على القتال أما جيش مهول لا يُحصى له عدّا، لكن لا وجود لهذا الأثر في سيرة الفاتح طارق بن زياد، ولو كانت لذكرت في أمّهات المصادر المعتمدة في الفتوحات الإسلامية كفتوح مصر والأندلس لابن عبد الحكم، وفتوح البلدان للبلاذري، والكامل في التاريخ والعبر وغيرهم. وهناك من نسبها إلى أرياط الذي انتدبه النّجاشي لقتال ذو نواس ملك اليمن اليهودي الذي حفر الأخدود وأحرق المؤمنين من النصارى، فبعد وصوله لعدن أحرق السفن وقال مقولته.[8]

كما سبق وأشرنا لو صحت الحادثة ونسبتها لطارق بن زياد لذكرت في السير والمغازي والفتوحات، فلم يتم نقلها ولا حتى التعليق عليها، سوى الزركلي في الأعلام[9] الذي أشار إلى حادثة حرق السفن عند ترجمته لطارق بن زياد ثمّ اورد مصادر الترجمة مثل معجم ما استعجم للبكري وجمهرة أنساب العرب ونهاية الأرب ونفح الطيب…وبعد رجوعنا لتلكم المصادر ألفينا عدم ورود الحادثة فيها.

وعلى فرض حدوث الواقعة أصلا، لجاءت فيها تعليقات وانتقادات من علماء وفقهاء ومحلّلين، ولورد في كتب الفقه حكمها الشرعي، لكن لا شيء وارد من هذا القبيل. [10]

كما يحتمل أنّ المؤرّخون الأروبيون هم من ساقوا خبر الحادثة وأشاعوه تفسيرا لانتصار جيش ابن زياد، فقالوا لولا حرق السفن لانسحب المسلمون وفرّوا إلى بلادهم قبل المعركة.[11]

وحاصل القول بعدما ذكر أنّ مرجعية الحرق واستمدادها من حادثة حرق السفن من قِبل فاتح الأندلس لا أساس لها من الصحة بأي حال، وعليه فلا مجال للتأسي بها في تجويز الهجرة غير الشرعية أو حتّى وسمها بالحرقة..


[1] – ديوان الأعشى الكبير ميمون بن قيس، تح محمد محمد حسين، دار الآداب، القاهرة، 1950م، ج2، ص367.

[2] – ديوان سلامة بن جندل، محمد بن الحسن الأحول، تح فخر الدين قباوة، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987م، ص168.

[3] – العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تح مهدي المخزومي، دار الهلال، ج3، ص45.

[4] – العين، ج3، ص44.

[5] – ديوان مهلهل بن ربيعة، تح أنطوان القوال، بيروت، 1995م، ص87.

[6] – شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، تح بشير يموت، بيروت، 1934م، ص45.

[7] – ديوان العباس بن الأحنف، تح كرم البستاني، دار صادر، بيروت، 1978م، ص224.

[8] – نهاية الأرب في فنون الأدب، النويري، تح مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004م، ج15، ص236.

[9] – الأعلام، الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، ط13، 1998م، ج3، ص217.

[10] – الهجرة غير الشرعية (الحرقة), نبيل زياني, مجلة جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية, مجلد 29, سنة 2015م, ص201.

11ـ إحراق طارق بن زياد للسفن أسطورة لا تاريخ، عبد الحليم عويس، دار الصحوة للنّشر والتوزيع، 1995م.

اظهر المزيد

مختارية بوعلي

مختارية بوعلي/ الجزائر باحثة في طور الدكتوراه تخصص مقاصد الشريعة الإسلامية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أبدعتم في التتبع اللغوي المعجمي للمصطلح، وانقطع بكم النظر في التعريف الاصطلاحي فلم يكن لكم فيه طول نفس كسابقه، وقد نفيتم مرجعية الحرقة إلى حادثة طارق بن زيادة رحمه الله تعالى وهذا ظاهر بين ولم تردوها لشيء بل تركتموها مبهمة بلا مرجعية.
    وعلى كل جزاكم الله خيرا على عرض المسألة، وأعانكم الله على تكملة البحث من وصف للظاهر وعرض لأسبابها والتماس الحكم الشرعي لها والحلول المقترحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: