لقاء بين مظلوم وضحية

أذكّر القارئ الكريم أني كنت أسكن بحي شعبي، وجل الأحياء الشعبية بالمغرب يكثر فيها الشباب، وجلهم عاطلون، وأكثرهم يتعاطى للمخدرات والمسكرات إلا من رحم الله، و” تعد البطالة في المغرب “قنبلة موقوتة” ومسألة “يجب أن تؤخذ على محمل الجد”، لأنها تشمل أكثر من أربعة من شبان المدن من أصل 10، في مشكلة تعتبر سببا رئيسيا للقلق الاجتماعي الذي ينمي مشاعر الإحباط والاستياء في المملكة… وبحسب المندوبية السامية للتخطيط فإن حملة الشهادات أكثر عرضة للبطالة من أولئك الذين لم ينهوا دراساتهم. وحاولت الحكومات التصدي للتوتر الاجتماعي بقطع وعود باستحداث وظائف في القطاع العام. وفي شوارع العاصمة الرباط بين المباني الإدارية والأبنية السكنية، لا يزال “حملة الشهادات الجامعية العاطلون عن العمل” يطالبون منذ سنوات بـ”حقهم” في الحصول على وظائف في القطاع العام الذي يضمن الاستمرارية. ويعاني حملة الشهادات تراجع النظام التربوي وعدم ملاءمته مع سوق العمل”[1]، وكان اسم هذا الحي الذي كنت أقطن به ” بوفولّوس”، والسلطات المحلية غيّروا اسمه فأصبح حي الفتح، والاسم الثاني بالطبع أحسن من الأول، وله معنى واضحا ومعبرا بالمقارنة مع الاسم الأول، إلا أن الاسم لا يغير من حقيقة الشيء، ولو كان ذلك كذلك، لكتبنا على قارورة الخمر العسل الحر، ولأصبح شربها حلالا وشفاء، فإذا كان اسم الحي القديم يُذكّر بالمدمنين على أنواع المحرمات، فإن تغيير الاسم، لا يكون سببا في إقلاع الشباب على تلك السموم القاتلة التي يتناولونها، بل لابد من التفكير في إيجاد عمل لهم حتى لا تكون هذه الطاقة الشبابية وبالا على نفسها وعلى المجتمع.

وكمثال حي على ذلك، هذه المدينة المنورة،  كانت تسمى في الجاهلية بيثرب، وسبب ذلك أن أول من سكنها بعد التفرق “يثرب بن قاينة” أحد العمالقة، فلما نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم سماها المدينة وطيبة وطابة… كراهية للتثريب الذي هو التغيير، أو من الثرب وهو الفساد، قال الإمام النووي رحمه الله: “إنما كره تسميتها يثرب؛ لأنه من التثريب وهو التوبيخ والملامة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح”.اهـ.

ومن فضائل المدينة المنورة  كثرة أسمائها، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولقد ذكر المؤرخون أسماء المدينة وكان أكثرهم عدداً السمهودي حيث ذكر 95 اسماً للمدينة، ويعود السبب في تعدّد أسمائها إلى علوّ قدرها وعظيم مكانتها عند المسلمين، والعرب تستدلّ على فضل الشيء وعلوّ مكانته بكثرة أسمائه.[2]، ولكن؛ متى غير الرسول صلى الله عليه وسلم اسم يثرب؟ ، لم يفعل صلى الله عليه وسلم ذلك إلا بعد أن دخل الإسلام جل بيوتاتها، وحل بها أفضل الناس من المهاجرين، وآخى بينهم وبين الأنصار الذين يفضلون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والذين يحبون من هاجر إليهم، فالتفكير في الإنسان ووضع خطط استراتيجية ليتمتع بكل حقوقه بصفته إنسانا ليتغير بعدها من الإدمان والسرقة والإجرام إلى المواطن الصالح؛ من أولى الأولويات، وهو أسبق من الاقتصار على تغيير اسم الحي، وهذا في إطار فقه الأولويات. وسأسوق هذه القصة الواقعية نموذجا من الشباب الضائع. 

بعد صلاة العشاء كنت خارجا بسيارتي من المأرب “الكراج” فإذا بي أجد بجانب البيت ما يزيد على عشرين قارورة خمر زجاجية صغيرة الحجم مصففة على الأرض، وبجانبها ثلاثة أشخاص كل واحد منهم على متن دراجة نارية كبيرة الحجم، ولم يستطع أحد من الجيران أن ينكر عليهم، فقلت لهم بلطف: لو تفضلتم ففسحتم لي المجال لكي أمُرّ بالسيارة، فنظر إليّ أحدهم ونزل من على دراجته النارية وتوجه صوبي، فخشيت أن يكون فاقدا لوعيه، وما عسى فاقد العقل أن يفعل سوى إذاية نفسه وإذاية الآخرين، فأطل عليّ من نافذة السيارة ليتحقق من المتكلم، فلما رآني توجه جهة الباب الأيمن للسيارة، وقلت في نفسي: هذا سيهجم علي وسط السيارة ولا أحد سيخلصني منه، فإذا به يفتح الباب ويجلس بجانبي ويقول لي: ألست أنت الأستاذ بن سالم باهشام؟ قلت له: أنا هو. فأخذ برأسي وقبله، وقال لي: ألم تعرفني؟ قلت له: لا. قال لي: لقد كنت معك في السجن المدني بخنيفرة لما اعتقلت ظلما وعدوانا بسبب رفضك التخلي عن خطبة الجمعة، وإصرارك على الجهر بالحق دون أن تخاف  في الله لومة لائم، فاعتقلوك وألصقوا لك تهما ملفقة، فبدأ يدعو الله لي بالنصر على الأعداء الظلمة الذين لا يريدون للبلد إلا الفساد، فتبسمت في وجهه وطلبت إليه أن يجمع تلك القوارير ويتخلص منها، وأن يحاول الالتزام بالاستقامة.

وإذا أردنا تحليل أفعال هذا الشخص، وجدنا أن تقبيله لرأسي ينم عن احترامه للدين الإسلامي ولأهله، أما افتخاره بكينونته معي في السجن رغم أني لا أعرفه ولم ألتق به في السجن، لأن ستة أيام التي قضيتها في السجن ظلما قبل صدور الحكم بالبراءة لم تكن كافية للتعرف على السجناء الذين يقارب عددهم الألف، وإنما ذاع خبر اعتقال خطيب جمعة مسجد أم الربيع الذي رفض الخنوع للظلمة، وتناقله السجناء وإن لم ألتق بمعظمهم، ثم إن الإنسان لا يفتخر بذكر السجن وكونه كان فيه، وإنما فعل ذلك وذكره لي، لأن القاسم المشترك بيني وبينه أننا ضحايا هذا النظام الظالم المستبد، فأنا مظلوم لأني جهرت بالحق، ورفضت المساومات التي عرضت علي بكل أنواعها، وهو ضحية البيئة النتنة التي أفرزت هذا النموذج المدمن، وعدم اهتمام المسئولين بشريحة الشباب الضائع، ولو وجدت بيئة صالحة، ومسئولين يُقدّرون المسؤولية حق قدرها، لكان هذا الشاب ومن معه نموذجا في الصلاح والإصلاح والمواطنة.

وهنا يطرح سؤال لابد منه، وهو أن هذه السجون التي توجد في المغرب إذا كانت فيها فائدة زجرية، ومنفعة في إعادة إصلاح السجناء، ما رأيت هذا الشخص على هذه الحالة في حي شعبي وأمام المارة ولم يستطع أحد من السكان أن يمنعه من تلك الخمور التي وضعها أمام الناس دون خوف أو وجل أو حياء، بل لم يخرج من السجن حتى نُزع الخوف منه، وتعلّم فيه من أنواع الانحرافات ما لم يكن يعرفه من قبل، وازداد تجرؤه على المحرمات، وفي هذا الشأن يقول ميشيل فوكو.[3] :”بأنه لا معنى للاكتفاء بالخطابات عن السجون، وإنما ينبغي الانتباه أيضا إلى ما هو صادر عن السجون نفسها من قرارات وأنظمة داخلية، فالتصدي المعرفي لمؤسسة السجن يستوجب تحليلا عميقا لأنظمتها وأبنيتها الداخلية، ورصدا واقعيا لما يعتمل في أعماقها من ظواهر وحالات تنأى في الغالب عن السواء بهدف قراءتها في سياقها الخاص واستخلاص دروسها العقابية، خصوصا وأن أنظمة السجون قد تقوم بدور كبير في إفساد السجين بدلا من تقويم أخلاقه، وأن هذه الأنظمة مهما قيل: إنها موضوعة على أسس علمية صحيحة، قد تزيد السجين فسادا على فساد .

فالسجون بصفة عامة، وبالرغم من كونها تنادي بالإصلاح والتهذيب والعلاج، إلا أنها لا تزال – إلى درجة كبيرة – تمثل معاقل لمرتكبي الجرائم، بهدف تحقيق هدف أو أكثر من الأهداف المتمثلة في جدوى العقاب، وهي الردع العام والخاص، وإبعاد الجاني عن المجتمع، تفاديا لمخاطره مستقبلا، أو من أجل الانتقام والتشفي. فالسجن مؤسسة اجتماعية عقابية إصلاحية في آن وفقا لإطاره المرجعي، وإن كانت – المسافة – تكون بعيدة في غالب الأحيان بين الخطاب المؤطر للعقاب السجني والممارسة اليومية لاشتغال المؤسسة”.اهـ.

وفي ظل الظروف التي يعيشها المغرب، فالسجن عاجز تماما عن إنجاز حتى ما يضعه النظام من أهداف ك “إعادة التربية “، وبالتالي خفض مستوى الجريمة. لأن هذه الأخيرة مرتبطة أولا بالوضع الاجتماعي الذي أنتجها، ولأن أجهزة النظام لا تقدم أي نموذج يحتدى ل  “إعادة التربية”.

مصائب لا تمحوها مياه البحار، ولا يحصيها الرجل الفصيح في الكلام، ولا تُنسى بمرور الزمان، أحكام بلا جريمة، وتُهَم جاهزة بلا بينة، وعدالة معطلة، وتبعية خانعة، والعري أبْكى العيون، وأنكأ القلوب، وَفَتَّ في الأعضاد، وفتت الأكباد . وتهريج في جل القنوات الفضائية، وعلماء السلاطين بلا ضمير يبيعون دينهم بدنيا غيرهم.

فاللهم رُدّ بهذا الشباب الضائع ردا جميلا ، وارزقهم رفقة صالحة، فالمرء على دين خليله كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] [فرانس 24، “المغرب: البطالة في صفوف الشباب “قنبلة موقوتة” وسبب رئيسي للقلق الاجتماعي”، نشرت في : 11/02/2018 – 13:37،آخر تحديث : 11/02/2018 – 13:58].

[2][ يثربhttp://www.al-madina.com/node/314651 ].

[3][ولد ميشال فوكو في 15 تشرين الثاني/أكتوبر من عام 1926، وتوفي في 25 حزيران/يونيو 1984) فيلسوف فرنسي عرف بدراساته الناقدة والدقيقة لمجموعة من المؤسسات الاجتماعية، منها على وجه الخصوص: المصحات النفسية، المشافي، السجون، وكذلك أعماله فيما يخص تاريخ الجنسانية. وقد لقيت دراساته وأعماله في مجال السلطة والعلاقة بينها وبين المعرفة، إضافة إلى أفكاره عن “الخطاب” وعلاقته بتاريخ الفكر الغربي، المرض العقلي وعلم النفس،  لقي كل ذلك صدى واسعاً في ساحات الفكر والنقاش. مؤلفاته: “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” (1961)، “ولادة العيادة” (1963)، “الكلمات والأشياء” (1966)، “حفريات المعرفة” (1969)، “نظام الخطاب” (1971)، “المراقبة والمعاقبة” (1975)، “تاريخ الجنسانية” في 3 أجزاء (1984)، “إرادة المعرفة”، “استعمال المتعة”، “هوس الذات”].

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: