في التحذير من إضاعة الوقت وإتلافه

بسم الله الرحمن الرحيم

 مـقدمــة:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وبعد؛

الزمان من نعم الله عز وجل التي ينبغي أن نحافظ علها، وأن نؤدي شكر الله عليها، وقد أقسم الله في كتابه العزيز بأجزاء من الوقت لبيان قيمته وخطورته ولبيان عظيم قدره: فأقسم بالفجر؛ “وَالْفَجْرِ. وَلَيَالٍ عَشْرٍ”. وأقسم بالليل والنهار؛ “واللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى“. وأقسم بالضحى: “”وَالضُّحَى. وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى“.

وفي آيات أخرى يبين سبحانه أن الزمان نعمة عظيمة منه لعباده ومنة يمتن بها عليهم، يقول سبحانه: (الله الذي خلق السموات والأرض، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)[1].

1_ الحفاظ على الوقت:

عمر الإنسان هو وقته، هو دنياه وآخرته، فكيف يطيب لبعض الناس إضاعة أوقاتهم، وإتلافها فيما لا ينفع، قال عبد الفتاح أبو غدة: (وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، ومادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم. وهو يمر أسرع من السحاب، فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه طويلا، فهو يعيش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة: فموت هذا خير له من حياته، وإذا كان العبد وهو في الصلاة: ليس له من الصلاة إلا ما عقل منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله تعالى)[2].

قال أحد الصالحين:

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه  … وأراه أسهل ما عليك يضيع!

وحذر ابن القيم رحمه الله من عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها، وهي: (علم لا يعمل به، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء، ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جمعه في الدنيا، ولا يقدمه أمامه إلى الآخرة، وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، وبدن معطل من طاعته وخدمته، ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب، وامتثال أوامره، ووقت معطل). اعتبر رحمه الله أن من أعظم هذه الإضاعات؛ إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته)[3].

كما حذر السلف رحمهم الله تضييع أوقات الناس بالزيارات الطويلة، قال الفضيل بن عياض: (أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة. ودخلوا على رجل من السلف، فقالوا: لعلنا شغلناك؟ فقال: أصدقكم، كنت أقرأ فتركت القراءة لأجلكم! وجاء عابد إلى السري السقطي، فرأى عنده جماعة، فقال: صرت مناخ البطالين! ثم مضى ولم يجلس. ومتى لان المزور طمع فيه الزائر فأطال الجلوس، فلم يسلم من أذى. وقد كان جماعة قعدوا عند معروف الكرخي، فأطالوا، فقال: إن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها، فمتى تريدون القيام؟)[4].

2_ الزمان عند العلماء:

كان سلفنا الصالح رحمهم الله يحذرون من تضييع الزمان، فهم نعم المذكر والمشجع قصص سلفنا الصالح. لأن الله تعالى جعل هذه النفس البشرية تتأثر بتأمل الأمثال من جنسنا ما لا تتأثر بالوعظ المجرد، فعسى أن نقرأ سيرة رجل من الصالحين أو سيرة عالم من المجاهدين فنقول لأنفسنا نوبخها ونستنهضها.

قال سيدنا عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي). وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما”.

وقال الحسن البصري رضي الله عنه: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك”. وقال أيضا: “أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم”. وروي أن الإمام أبا يوسف -صاحب الإمام أبي حنيفة- كان يناقش بعض عواده في مسألة فقهية، وهو في النزع والذماء: النفس الأخير من الحياة، رجاء النفع بها لمستفيد أو متعلم)[5].

وقال ابن قيم الجوزية: (الوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل تصرمت أوقاته، وعظم فواته، واشتدت حسراته).

3- من العادة إلى العبادة:

ينبغي أن ننتقل من زمن اللهو والغفلة عن الله إلى زمان الحضور والذكر والعبادة. وأن نغتنم كل أوقاتنا فيما ينفعنا في الدنيا والآخرة، وفيما يرضي الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (اغتنم خمسا قبل خمـس: شبابك قبل هرمك، وصحتـك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).

في هذا الحديث حث النبي صلى الله عليه وسلم الشباب على الحرص على استغلال أوقاتهم في الطاعات، لأن عمر الشباب فيه القوة والنشاط وخفة الحركة وسرعة الإنجاز، وحذرهم من التكاسل والتسويف حتى لا يندموا في الكبر فيقولوا في حسرة وندامة:

ألا ليت الشباب يعود يوما × فأخبره بما فعل المشيب.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (إن يوم المومن وليلته يعني أن ننتقل من زمن العادة والتشتت في الدنيا وهمومها وهموم الزوجة وهموم الأطفال وهموم الشارع، أن يجمع المرء اهتمامه على الله عز وجل…فعندما يبدأ الإنسان في الفجر بالصلاة، وعندما يستيقظ، وهذا المطلوب قبيل الفجر بساعة أو نحو ساعة، فإنه بذلك يقول للشيطان، ولشياطين الدنيا: أف ثم أف ثم أف، هذا زمان العبادة، وذلك بترتيب أيامه ولياليه وعمره كله ترتيبا يعبد فيه الله ربه بنية صالحة، بنية التقرب إلى الله، هذا سير إلى الله، والسير يبتدئ بترتيب المرء يومه وليلته)[6].

خـاتمــة:

إن الليل والنهار ضيفان يحلان عندنا ويرحلان إما راضيين وإما حزينين؛ بما أجرمت يداك واقترفتا في حق نفسك وحق الغير، وبما ضيعت من سويعاتهما في غير ذكر أو دعوة وقرب أو بر، فما أكثر غفلاتنا.

فالعاقل الموفق من أدرك حقيقة الوقت واستفاد منه فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، فقد وصف عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، الدنيا ، ووجوب التزود فيها للآخرة، فقال: (إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله عليها الفناء، وكتب الله على أهلها الظعن. فكم من عامر موثق عن قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا ـ رحمكم الله ـ منها الرحلة، بأحسن ما بحضرتكم من النقلة).

وليسأل كل واحد منا:

كيف أكون بوقتي شحيحا فلا أصرفه في الغفلة وفيما لا يرضي الله تعالى؟

كيف أقتصد في أوقاتي ولا أضيع أوقات غيري بالزيارات وعدم ضبط المواعيد؟

كيف أشغل أوقاتي بذكر الله تعالى، فيكفيني همومي والنفس والشيطان؟

كيف أنتقل من حالة التشتت في الوقت إلى حال الانجماع عليه؟

ما العمل ليكون لي حظ وافر من عمل اليوم والليلة؟

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – إبراهيم . 32 – 34.

[2] – قيمة الزمن عند العلماء، للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، الصفحة: 26.

[3] – الفوائد، لابن القيم، الصفحة: 112.

[4] – قيمة الزمن عند العلماء، للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، الصفحة: 59.

[5] – الإمام عبد السلام ياسين، مجلة الجماعة، العدد الخامس، ص: 51.

[6] – أنظر؛ “فقه التربية عند الأستاذ عبد السلام ياسين”، كتاب جماعي، الصفحة 104.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: