غسل المخ.. والسيارات..

غرور الملحدين (3): 

أخذ شوكته وسكينه على الطريقة الأوروبية.. وكذلك فعلت.. ثم نظر إلي وكأنه لا يريد أن يضيع وقته في مجادلات بيزنطية عقيمة فلا وقت لديه.. والدوام يبدأ بعد ساعة فقط.. خاطبني بفرنسية باريسية اللكنة وكأنه يريد مني الاختصار.. “انظر لا مشكل عندي بخصوص وجود الله.. المشكل عندي في جدوى الخلق: ما الجدوى من الخلق ما دام الموت هو النهاية او حتى الجنة والنار؟.. ان كان الله قادرا على تسيير الكون فما الداعي لخلق الدنيا والناس؟ “.. فقلت له مستعملا تعبيرا فرنسيا محضا يفيد العبث وبلكنة أضفت إليها بعض التوابل الباريسية ما برأني لبعض الوقت من “تهمة الخونجة” : “تعني لماذا كل هذا السيرك؟” (? pourquoi tout ce cirque) .. فقال مرتاحا: “بالظبط”..

“سأجيبك.. لا تخف.. وفي دقائق.. ثم تعود لعملك.. أنا كذلك أعمل قريبا من هنا .. وعلي أن أغادر بعد 45 دقيقة..
” لكن أولا..لم قلت لي أن وجود الله لا يطرح لك مشكلة؟.. هل رأيته؟ أم فقط لأنك أمام شخص ملتح؟
” لعلمك.. لا مشكلة عندي إن قلت أن الله غير موجود.. على العكس.. سيجعل هذا نقاشنا أكثر إثارة… وابتسمت…
لم يعرف بم يجيب (ما كان له أن يكذب .. لمست فيه صدقا.. والله أعلم..) وهذا كان هدفي.. أن أربك غروره و”ذكاءه” أولا وثانيا أن يعلم ان الملتحين منفتحون لا يخافون من أي نقاش “عقلي” منطقي صادق.. ولا يدافعون فقط.. لكن لأسهل الأمر عليه قلت له..
“لا يهمني اعتقادك.. سنبدأ بسؤالك عن جدوى الخلق..
– هل لديك سيارة؟
– نعم.. (مستغربا)
– تغسلها من حين لآخر؟
– نعم.. لكن..
– وبإمكانك غسلها جيدا لوحدك؟
– بالطبع..
– جيد جدا..
– هل لديك أطفال؟
– نعم..طفلة..
– ما اسمها؟
– “لينا”
– اوه اسم جميل جدا !
– كم عمرها؟
– 4 سنين..
– “الله يخليها ليك”
– …. ميرسي (merci)
– هل بإمكانها أن تغسل سيارتك إذا ما طلبت منها ذلك؟
– بالطبع لا (قالها بابتسامة من بدأ يفقد صبره)
– هل تفضل أن تغسل سيارتك لوحدك أم تفضل أن تساعدك “لينا” بدلوها الوردي الصغير وبمعطفها البلاستيكي؟


– لم أفهم.. لم يحدث هذا من قبل..
– تخيل أنكما تغسلان السيارة معا..
– .. نعم سيكون الأمر أجمل بكثير معها..
هنا قلت له:
– لقد انهيت كلامي.. هذا جوابي على سؤالك..
– لم أفهم قصدك..

قلت له شارحا:
– هكذا أمر الله معنا .. يعلم اننا لن نسير الأرض جيدا.. لكنه لحبه لنا.. يستعملنا معه..
توقف الشاب عن الأكل… تماما.. وقال مشيرا الي بسبابته:
– لم أفكر بهذا أبدا.. ولم يجبني أحد قبلها هكذا..

كانت فطرة الرجل سليمة بحسب ما أحسست به لكنه استعمل جزءا بسيطا جدا من عقله -بل من العقل الذي أعطيه- استعمالا مغرورا لما رأى من دنيا ميسرة حوله ظن أنه هو من يسرها ب”علمه”..

من كلامه فهمت أنه كان يبحث عن منطق “المنفعة” في سؤاله (أي “ما النفع من خلق البشر والحياة إذا كان الله قادرا على فعل كل شيء لوحده؟”)
ما لم يفكر فيه هو إمكان وجود منطق آخر .. منطق الحب مثلا .. أي مع أنه لا توجد “ضرورة نفعية” لتقوم “لينا” بغسل السيارة (إذ لا قيمة مضافة لعملها).. مع هذا فعملها وقربها وضحكها ولعبها ونقص عملها ونيتها لتصلح وجهدها وفرحها وحرصها على أن تفرح والدها وضعفها وصدقها .. كل ذلك جعل مساهمتها مطلوبة أكثر وأكبر… منطقيا… بل عمليا تجريبيا..

ما حدث في هذا اللقاء لا يعني أن هناك منطقين فقط.. هناك أكثر من منطقين .. اللهم علمنا من عندك.. لندعو خلقك ..

لقد “أحب” الله أن يجعل في الارض خليفة.. بكل بساطة.. هذا ما غاب عن الذي اعتمد على عقله المحدود فقط.. فكاد أن يضله “هواه”..
لقد أحب الله أن نوجد.. وقليل منا من يشكره على ذلك..
وإن الله يفعل ما يريد..

المرجو ترجمة هذه الحلقة للغة بلدكم عساها تنفع شخصا آخر ..

اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: