غرور الملحدين (الحلقة 14): “اتجاه مجهول” (Destination Unknown)

في كل يوم يمرّ من حياتي على الأرض، أزداد يقينا كلما ناقشت مع ملحد أنها “موضة” تخفي وراءها أشياء كثيرة مبعثرة.. ماض ديني منحبس أو متشدد “كاثوليكيا” كان أو “يهوديا أرثدكسيا” أو “إسلاميا جغرافيا وراثيا” يهتم بمظاهر التدين لا بعمقه ورفقه وخشوعه.. أو نفور ممن ينصبون انفسهم قضاة على الناس.. أو ماض عاطفي ترك أثرا بليغا في قلب من رفض الزواج ممن كان يريد بدعوى “التزام” طارئ.. أو تصرّف بلا ذوق أو كلمة خرجت من فم “ملتح” أو “متحجبة” في لحظة استعلاء بطهرانية زائفة.. أو خيانة من قريب كنت ترى فيه رمز الصلاح والتدين..خيانة تركت جرحا غائرا في نفس باحث عن فطرته أو باحثة عن فطرتها وسط الفتنة العارمة.. فكرِهها الدّين جملة واحدة من أجل خطأ بدر ممن تقمصا جلباب الدين لا لبَّه ورحمتَه.. وإنّ منّا لمنفّرين.. كما جاء في الحديث…
تعرفت على “لويدجي”[1] الفرنسي ذي الأصول الإيطالية والتربية الكاثوليكية ذات مساء –وهو جار لنا في العمل- التقيناه أنا وصديق لي في مطعم قرب المكتب فدعوناه ليتناول طعامه على نفس المائدة فوافق.. 
كان “يعرف” “المسلمين” ودفاعهم الكلاميّ المستميت عن دينهم –عن علم وعن غير علم- فباغتنا بالقول قبل أي كلام، درءاً لكل تعصب محتمل: “أنا ملحد”.. فقلت له “أنت حرّ في ما تعتقد.. ليس لدينا أدنى تحفظ على ذلك”.. فبدأ في تعليل موقفه دون أن يطلب منه أحد ذلك.. ربما لكثرة ما واجه من انتقاد.. 
فأكدت له أن في القرآن آيات تحتم علينا تقبّل هذا الأمر واحترام حريته وأولها: “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”[2] 
نعم.. من شاء فليكفر..
غير أنني لما آنست منه طيبة عميقة وذكاء ثاقبا وحسن استماع جيّد، قلت له “سيدي أنت لست ملحدا” فضحك مستغربا.. إذ كيف يمكنني أن أعرفه أكثر من نفسه.. فعاودت قولي وأنا ابتسم “والله أنت لست ملحدا في الأصل.. لا يمكن ذلك”.. فقال “كيف ذلك لقد قلت لك إني ملحد”.. أحسست بآثار التّعليم الدّيني “النّصرانيّ” المحرّف الذي تلقاه في صغره فنفّره من الدين الأصلي: الإسلام لله.. فأردت إن أرجعه إلى ما قبل هذه الفترة من حياته.. إلى فطرته.. دون كثير نقاش فمن الواضح أنه سئم النقاشات غير المجدية..
قلت له “أن في فطرة الناس ميلا طبيعيا لاعتقاد أن هناك شيئا ما بعد الموت.. ورفضا باتاً للعدم.. لكنهم يطمرونه لسبب ما.. غالبا ما يكون السبب نفسيا.. وسأبرهن لك من نفسك على هذه الفطرة..”..
فواصل تبسمه المتهكم المتعجب قائلا “حسنا..أنا انتظر برهنتك..”..
قلت له “قال لي صديقي إنك تعمل كثيرا وتسافر لتحرز على صفقات أكبر.. وبحماس كبير”.. فردّ بالإيجاب..
هنا سألته “إن لم يكن هناك شيء بعد الموت فما هو تفسيرك لأملك المستمر اللانهائي.. ؟؟ ما الشيء الذي يدفعك للعمل ولبذل الجهد لتطوير عملك..؟؟ ” 
(S’il n’y a rien après ta mort, qu’est ce qui te fait courir alors.. sans cesse..)
لم يستطع الردّ بسرعة على سؤال غير منتظر فواصلت بسؤال يبرز جانب التوقان لعالم آخر في فطرة الإنسان وانتظاره البديهي الفطري لمستقر نهائي بعد عناء السفر :
“انظر ‘لويدجي’.. إذا كنت في سفر واعترضتك في طريق سفرك إشارة مرور مكتوب عليها (بدون اتجاه) أو (اتجاه مجهول) هل كنت ستستمر في السير..؟؟ وبحماسك هذا..؟؟ “.. 
فانتهى الكلام..
وهرب إلى المزاح.. 
لعله ينسى.. سؤاله الملح.. الذي ذكرته به فقط..

[1]  حورت الاسم قليلا لرفع أي حرج

[2]  الكهف ٢٩.

اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: