رحلة إلى بيت النبوة

الإسلام سلام فينا، الإسلام رحمة ومودة، الإسلام جهاد بناء أمة عريقة على يد المؤمنين والمؤمنات، إلى مقعد الصدق وطهارة القلوب وسمو الخلق الكريم والقرب من الله عز وجل؛ هي الغاية الكبرى من هذا الوجود. لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة حيث لم يميز الله تعالى بينهما في أصل وجودهما وفي سعيهما إلى بلوغ مراتب الكمال، قال تعالى: إِنَّ اَ۬لۡمُسۡلِمِينَ وَاَلۡمُسۡلِمَٰتِ وَاَلۡمُؤۡمِنِينَ وَاَلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَاَلۡقَٰنِتِينَ وَاَلۡقَٰنِتَٰتِ وَاَلصَّٰدِقِينَ وَاَلصَّٰدِقَٰتِ وَاَلصَّٰبِرِينَ وَاَلصَّٰبِرَٰتِ وَاَلۡخَٰشِعِينَ وَاَلۡخَٰشِعَٰتِ وَاَلۡمُتَصَدِّقِينَ وَاَلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَاَلصَّٰٓئِمِينَ وَاَلصَّٰٓئِمَٰتِ وَاَلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَاَلۡحَٰفِظَٰتِ وَاَلذَّٰكِرِينَ اَ۬للَّهَ كَثِيرٗا وَاَلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ اَ۬للَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا[1].

 نحو هذا الكمال والى الأكملين المرسلين يزدهر نور المؤمنات، نتعلم منهم ونكتسب شرفا تعز به الأمة ويقدر به الصالحون، نحو النبع الصافي من أمهات المؤمنين والمؤمنات رضي الله عنهن فهن من قاتلن جاهدن من صبرن ونصرن الإسلام وجُعلن لنا أسوة وقدوة إلى يوم الدين، كيف لا وهن من شاركن الرسول صلى الله عيه وسلم، في ضرائه وسرائه، وصبرن معه على شظف العيش وكلب الزمان، وتحملن معه ظروف الأذى وخففن عنه ما يجد من آلام في سبيل الدعوة إلى الله.

ظلت بيوتهن مهبطاٌ للوحي والرحمة والهدى مدة حياته صلى الله عليه وسلم، فلما انتقل إلى جوار ربه، بقيت هذه البيوت مثابة للناس يقصدونها متعلمين مستفتين، أو ملتجئين مستغيثين، فكانت تهدي الحائر، وتعلم الجاهل، وتحمي الملتجئ، وتنجد المستغيث، ولبث الناس جميعا على اختلاف طبقاتهم: حيث خضع الخلفاء لأزواج الرسول خضوع الأبرار لأمهاتهم.

ولننظر إلى هذا الحوار الذي دار بين أم سلمة أم المؤمنين والمؤمنات والخليفة عثمان رضي الله عنه. قالت أم سلمة : يا بني مالي أرى رعيتك عنك نافرين، لا تعف طريقا كان رسول الله لحبها، ولا تقتدح زندا كان أكباها، توخّ حيث توخّ صاحباك، هذه حق بنوتي قضيتها إليك ولي عليك حق الطاعة[2].

وكان من رحمة الله بهذه الأمة أن طال عمرهن بعده صلى الله عليه وسلم، فنقلن لأمته كثيرا من سنته وخاصة في ما لا يطلع عليه إلا النساء، فعن طريقهن عرف المسلمون أحواله المنزلية، وعنهن رووا كثيرا من السنة التي لولاهن لضاعت ، وكانت بيوتهن بمنزلة مدارس مفتحة الأبواب يتعلم فيها النساء والرجال دينهم على السواء… فزن وسعدن ألحقنا الله بهن صالحات .

من هذا النبع تشربت الصحابيات وتربين وتعلمن حتى تحصلن على بناء مستقر لأحكام ديننا الحنيف، فأولئك السابقات سلوكا وعلما واعتصاما بحبل المولى، الأوليات من المهاجرات والأنصاريات، فقد أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم عن جهاد و خدمة أمنا عائشة، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، التي كان لها رأي وفكر واجتهاد، قائدة بعلمها وبالقران، آدابها نور على نور، وحضورها القوي مع كبار العلماء من الصحابة، هي التي حملت هم الإسلام وهي لا تزال في مقتبل عمرها، بهمة عالية وإرادة قوية، و كذلك فعلت حفصة رضي الله عنها، فقد كن ذوات شخصية قوية فاعلة مستقلة ومؤثرة.

هن قدوة كل نساء الدنيا؛ بكرمهن، وجهادهن، وبخصالهن النبيلة، وغنى أنفسهن عن سفاسف الأمور، لأن همهن هم أمة، و جهادهن جهاد رسالة، هن من حملن في داخلهن ضميرا حيا،  وشعورا بالجوهر النير، فكانت المرأة الناصحة الواعظة، والزوجة الحبيبة، والموجهة والمستشارة، فهذا ما يميز بيت رسولنا الكريم، والرعيل الأول من الصحابة، تلك العلاقة المليئة بالمودة الاحسان و الرحمة و العلم، … سعادة رحلتهم الى لآخرة .

فما نحتاجه في زمن العبث هذا ليس مجرد كتابة ولا شرح، بل ذلك الاتزان في المعاني والتفكير؛ فالعيب ليس في التفكير الخطأ، ولا في شعور يدعوك إلى السقوط مرة لننهض بكل ما أوتينا من قوة، إنما يكون العيب عندما نسمح لهذا الخطأ بالاستمرار، ولا نعطي لأنفسنا فرصة عيش معاني ربانية إيمانية، فقوة المرأة عندما تخطئ تندم وتتوب، وهذا ما أشرنا إليه  من نماذج أمهات المؤمنات ونساء الإسلام لاستيحاء المثال.

وما نحتاجه أيضا الكف عن التفكير السلبي السطحي، وأن نتخذ قراراتنا بعد دراسة وتخطيط رصين، كما أننا لسنا صورة نمطية، فلكل منا طبعه الخاص، ومحيطه الخاص، وظروفه الخاصة، فلنعيش حياتنا بتحدياتها وصراعاتها الكبرى، فهي التي تصنع منا نساء قويات.

كما ينبغي أن لا ننسى أولوياتنا تجاه ذواتنا ، فلا نضيع وسط زوبعة الحياة المجنونة؛ ادرسي ناضلي، اعملي اقرئي، اعتني بنفسك وجمالك،  أنت الشخص الوحيد القادر على تغيير حياتك من حسن إلى أحسن .. كوني امرأة

نسأل الله تعالى أن يجعل قلبنا معلقا به، ولا نتيه بين الخطأ والصواب، وكل مرة نتخبط هنا وهناك نجد أنفسنا نستبشر القبول، فالحياة وجدت للعبادة والعمل والدعاء، فمن فقد الله فماذا وجد ؟ ويبقى السؤال كم مرة استغفرنا الله تعالى … فإن الله لا يمل من الغفران.

فلنعمل على تطوير ذواتنا، وحجبها عن كل مثالية كاذبة، ولنعش طموحنا ولا نلتفت لمن يعيشون في عالم مرضهم، فمني لكن نصيحة رغم أني لست اهلا لإسداء النصائح والإرشادات؛ لا تقتصرن فقط على العيش وسط جدران وهمية، فكثير ما نجد ان العديد من الشابات يرمون اللوم على الواقع الذي أصبحن حبيسه دون تحدٍ، لكني على يقين أن من يمتلكن الإرادة لا يلمن شيئا، ما عدى أنفسهم ليمنحنها ثباتا على الصبر … لا أقل ولا أكثر.

فحياتك أختي لا تستقيم على عيشك الدائم، على نظريات من حولك حتى الموت، فتجدين نفسك مع أناس مهووسين بتفاصيلك وشؤونك الخاصة ، تتبع خطواتك وأخطائك فلا يتبقى منك شيء .. ضاعت نفسك.

كوني الفخر نفسه وتعلمي أن لا تستسلمي، أكملي الطريق دون الالتفات وابعثي كل يوم لمن هم مثلك، رسالة تحفيزية عنوانها .. رحلة إلى بيت النبوة.

 

 

 

 

[1]  – سورة الأحزاب الاية 35.

[2]  – الإسلام والمرأة – سعيد الأفغاني، ص- 100.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: