دور المسجد في تعليم الأمة

مقدمة

إن الإنسان لا يستغنى مطلقاً عن التعلّم، والتعليم ضرورة من ضرورات حياته، فهو في حاجة إلى التعبير عما في نفسه للآخرين، كما أنه في حاجة لفهم ما في نفوس الآخرين، ووسيلتهم إلى فهم التعبير إما اللسان، ولابد أن يشتركوا في لغة التخاطب، وإما الكتابة، وهي كالتعبير باللسان لابد أن يشترك الكاتب والقارئ في لغة الكتابة، وأما الفعل، وهو الذي لا يحتاج فيها الناس إلى فهم اللغة، ولا الكتابة، ولكن نفع الإشارة والحركة، إذ لابد أن يكون المشير، والمشار له، والمشار إليه، في مكان واحد يمكن فيه للمشير والمشار له أن يرى كل منهما الآخر، وأن يريا المشار إليه، ولابد أن يكون كل منهما مبصراً كذلك.

ومن هنا كان التخاطب الفعلي والقولي، أمراً ضرورياً لا غنى عنه لأي أمة من الأمم. ويظهر ذلك في امتنان الله سبحانه وتعالى على آدم وذريته بتعليمهم أسماء الأشياء، وتعليمهم البيان الذي هو الإعراب عما في نفوسهم قال تعالى: (وَعلمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا)[1]. وقال تعالى:(الرَّحْمَنُ عَلّمَ الْقُران، خلق الانسانَ. عَلَّمَهُ الْبيَانَ)[2].

وامتن عليهم كذلك بالقراءة والكتابة، كما امتن عليهم بالتعليم فقال تعالى: (اقْرَأ بِاسْم رَبك الذي خلَقَ. خلَقَ الإنسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرأ وَرَبُّك الأكرم الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يعلم)[3].

ولعل في اقتران المنة بالخلق والمنة بالتعليم، إشارة إلى أن التعليم ضرورة مثل ضرورة الحياة، لذلك أرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم معلما ومربيا وداعيا إليه عز وجل بشرعة القرآن الكريم ومنهاج السنة، شريعة هي التي أنزلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا منجماً، سواء ما تعلق منه بالإيمان، أو ما تعلق بالأحكام، وكان أكثر ما نزل عليه قبل الهجرة آيات الإيمان لمدة ثلاثة عشر عاماً، لغرس الإيمان في النفوس، وتقويته ودحض شبهات منكريه، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رافق آيات القران المتعلقةَ بالإيمان، الآياتُ التي شرع الله فيها الأحكام، لتبين للناس ما يحل لهم وما يحرم، ولتحدد لهم سلوكهم المتعلق بحقوق الله وحقوق خلقه.

فكيف كان منهج الرسول الأكرم في تعليم أصحابه بما أتي صلى الله عليه وسلم من مجامع التعليم والبيان الرباني الذي تكون فيه لغة اللسان والفعل مؤثرة وبانية؟ وما دور المسجد في هذا التعليم باعتباره المكان الذي اجتمعت فيه لغتي اللسان والإشارة/ الفعل؟ ثم كيف انطبع في قولهم تعظيم مكان التعلم والتزكية كما انطبع في قلوبهم حب المعلم والمربي المزكي صلى الله عليه وسلم، حتى صارت روح المكان وعظمت المكان ملازمة لهم في جلواتهم وجهادهم رضي الله عنهم، فكانوا قرآنيين تغشاهم سكينة المسجد؛إذا رئي الواحد منهم ذكر الله تعالى؟ ثم ما هي سمات نظام التعليم المسجدي التي تحقق رسالته المتمثلة في العبودية للخالق سبحانه؟وما هي الفوارق الملاحظة بين التعلم في المسجد والتعلم في غيره من المؤسسات الأخرى؟

المسجد مدرسة المسلمين وجامعتهم:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يعلم أصحابه في أماكن تزكيتهم فانطبع لديهم تلازم التزكية وما تستوجبه من معاني التعبد مع النور العلم. في بداية عهد الإسلام كانت التزكية والتعليم بمكة المكرمة في بيوت بعض من الصحابة، وخُصت دار الأرقم ابن أبي الأرقم لتجمعهم، ولم يكن المسجد الحرام ينال حظه من التْعليم والتزكية، لصد المشركين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذائهم له، فكان يدعو فيه ويصبر على أذاهم، فلما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبنى مسجده الشريف، بنى حجرات نسائه بجانبه، ليكون قريباً منه، فكان ينزل عليه الوحي في المسجد أو في بيته، وهو يتلوه على أصحابه في مسجده ويعلمهم معناه، وسيلته في ذلك منهاجه صلى الله عليه وسلم، وهي السنة المطهرة، وكان تعليمه لهم بالقول وبالفعل والتقرير وفق خاصية التدرج والمرونة التي أشار الله سبحانه وتعالى إليها في الحكمة من تنزيل الوحي مفرقاً على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهى أن يعلمهم ما يلزمهم من أحكام دينهم على مَهَل وتوءدة، ليرافق العلمَ العملُ، بخلاف ما إذا نزل دفعة واحدة، فإن تكليفهم كل ما فيه من إيمان وعمل، وفروع أحكام كالجهاد، قد يشق عليهم، قال تعالى: (وقرآناً فَرقناهُ لتقرأهُ على النَّاس عَلَى مُكْثٍ، وَنزَّلْنَاهْ تنْزِيلا)[4].

ولقد بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ليتلو على الناس القرآن، ويعلمهم هديه وسنته، ليخرجهم من الظُلمات إلى النور، ويطهرهم من دنس الفواحش والآثام، كما قال تعالى: (لَقَد مَنَّ الله عَلى الْمُومِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[5].

فكان مسجده صلى الله عليه وسلم مقر تعليمه الأمة، وكان أصحابه يتحلقون حوله، ليسمعوا حديثه، روى أبو واقد الليثي رضي الله عنه قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب واحد، فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة، فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله عز وجل فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه). [6]

واتخذ صلى الله عليه وسلم لنفسه منبراً، يحدث الناس من عليه في الجمعة وغيرها، ليشاهدوه ويتعلموا منه رؤية وسماعا، كما روى أبو حازم رحمه الله، أن نفراً جاؤوا إلى سهل بن سعد رضي الله عنه، قد تماروا في المنبر، من أي عود هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أيّ عود هو، ومَنْ عَمِلَه، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول يوم جلس عليه قال: فقلت له: يا أبا عباس فحدثنا قال: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى امرأة: (انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها) فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعت هذا الموضع، فهي من طرفاء الغابة، ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليه فكبر، وكبر الناس وراءه، وهو على المنبر، ثم رفع فنزل القهقرى، حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس، فقال: (أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي[7].

فقد كان صلى الله عليه وسلم يُعلم الناسَ بكلامه، ويعلمهم بفعله ليعملوا كما يعمل. وكان صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه، وهو يعلمهم، ليشحذ أذهانهم، ويهيئهم للإصغاء لما يقول لهم، ويضرب لهم الأمثال، ليقرب لهم المعاني التي يريد أن يفهموها.

كما روى عبد الله بن عمر، رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن من الشجر شجرة، لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، حَدِثوني ما هي)؟ قال: فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ثم قالوا: حدثنا يا رسول الله، قال: (هي النخلة)[8].

وكانوا يسألونه عما أشكل عليهم في المسجد فيجيب السائل بما سأل عنه، روى عبد الله ابن عمر رضى الله عنهما، أن رجلاً قام في المسجد فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نهل؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفه، ويهل أهل نجد من قرن. . ويهل أهل اليمن من يلملم)[9]. وقد زاد صلى الله عليه وسلم في الجواب، لعلمه بأن غير السائل يحتاج إلى جوابه، ولو كان غائبا في بلد آخر، فالسائل كان يسأل في المدينة، وكان سؤاله فيما يظهر عن ميقات أهل المدينة، فلم يقتصر جوابه صلى الله عليه وسلم، على ما سأل عنه هذا الصحابي، لأنه لو أجابه بميقات أهل المدينة فقط، لظن الناس أنه ميقات أهل البلدان كلها، يمنها ونجدها، وشامها. . . وفي ذلك مشقة عظيمة.

وهذا الجواب شبيه بجواب من سأله عن الوضوء من ماء البحر،كما روى أبو هريرة قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ ممن يركب البحر، فقالوا: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونتزود شيئا من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، فهل يصلح لنا أن نتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هو الطهور ماؤه الحل ميتته)[10].

وكان أصحابه الذين آمنوا به، يفدون إليه وديارهم بعيدة عنه، فينزلون في مسجده، فيأخذون منه الفقه في الدين، ثم يعودون، كما روى مالك بن الحويرث رضي الله عنه، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، رحيماً رفيقاً، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا. فسألنا عمن تركنا من أهلنا، فأخبرناه، فقال:(ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلموهم ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم)[11].

وكان الرجل من البادية يأتيه صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد يعلم أصحابه، فيسأله عن بعض أحكام الإسلام؟ فيعلمه وينصرف، كما روى أنس رض الله عنه، وكان صغيراً، قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أجبتك) فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك، فقال: (سل عما بدا لك) فقال: أسألك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: (اللهم نعم) قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: (اللهم نعم) قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: (اللهم نعم) قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فنقسمها على فقرائنا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم نعم) فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر. [12]

وهكذا نجد أن أغلب الأحكام تعلمها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم منه في المسجد.

ومن هنا يعلم أن المسجد كان جامعة كبرى للتعلم والتعليم، وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خلفوه من بعده على أمانته، وأقاموا دولة الإسلام قوية، وكانوا أكفأ الناس لقيادة البشرية، إنما تخرجوا على يديه في مسجده الذي كانت كل تحركاتهم، للدعوة والجهاد ونشر الدين، تبدأ من ذلك المسجد العظيم، وتبعوه هم على ذلك فكانوا يعلمون الناس في المسجد، فتخرج التابعون على أيديهم في المساجد.

وما من خليفة ولا قاضٍ ولا أمير ولي أمر المسلمين في العصور الإسلامية الزاهرة إلا كان من خريجي المساجد.

ولم يكن علماء المسلمين في العصور الأولى يعرفون مقراً للعلم يجمع الناس إلا المسجد، وما زعمه بعض المؤلفين المعاصرين بأن السبب في إنشاء المسجد، يعود إلى إحساس المسلمين بأن البيوت الخاصة تضيق باجتماعاتهم، ولا تمنحهم حرية العبادة واللقاء كما يشتهون[13]، هو صحيح من جهة أن البيوت الخاصة تضيق باللقاء، وغير صحيح من جهة، أنه لو كان السبب هو الضيق لأنشأوا لهم مباني خاصة بتعليم العلم والاجتماعات العامة، ولم يكن ذلك عسيراً في أي عصر من العصور، وإنما الذي يبدو هو ما سبق من القصد إلى ارتباط التعليم الإسلامي بكل مناشط الحياة، سواء كانت دينية أو دنيوية،أو غير ذلك حتى لا يكون لمن يريد فصل الدين عن الدولة حجة في ذلك.

الفرق بين تعليم المسجد وتعليم المدارس:

“كانت مجالس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب إما بتلاوة القران، أو بما أتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة”. [14]

بهذه الطريقة استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينمي أخلاقيات المجتمع المسلم من خلال الغوص في أعماق النفس البشرية ليذكرها بخالقها مستقبلها الحياتي وما هو أفضل مكان لذلك؟ إنه بيت الخالق جل وعلا،وهذا يبين الغاية من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين لكي يكونوا دائما متصلين بالمسجد ليقوم معهم بالتربية بالأسلوب النظري،أسلوب يعتمد الوعظ باعتباره الطريقة التي تقوي الجانب الإيماني من خلال تذكير الإنسان بخالقة وما أعده هذا الخالق العظيم للإنسان في الآخرة. وعندما يرى النبي صلى الله عليه وسلم أن المخاطبين بذلك الكلام قد وصل بهم التأثر إلى درجة المطلوبة يبدأ بصب القيم والأخلاق في القوالب الذهنية، فنجد أن مجموعة القيم والأخلاق منذ فجر الإسلام ثابتة لم تتغير من حيث الطلب مثل: بر الوالدين – صلة الرحم – حسن الجوار- إحسان الصحبة – الكرم – الحلم – الرحمة – الصبر – إلى أخر منظومة القيم والأخلاق الإسلامية،قيم ثابتة لم تتغير استطاع صلى الله عليه وسلم أن يعلمها لأصحابه بفضل من الله ومنته تعالى،في مكان هو المسجد مدرسة/جامعة،رسالته مناقشة أي قضية مهما كانت شائكة فالمسجد من خلال الأسلوب النظري والتطبيقي كفيل بحلها ولنا في قصة الأعرابي الذي تبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الدرس والعبرة في ذلك.

هذه هي المدرسة النبوية التي خرجت جيلا ليس له نظير هو جيل الصحابة رضي الله عنهم جميعا. فكيف هي مدارسنا اليوم؟ وهل لها أن تؤدي دور المسجد التربوي الدي يبني كيان الإنسان وروحه قبل أن يبني فكره؟

هذه أوجه من أوجه الفرق تبين الفرق بين المدرسة والمسجد أكتفي فيها بعرض ثلاثة منها كما يلي:

الفرق الأول: أن التعليم في المسجد يكتنفه جوٌ عبادي، يشعر المعلم فيه والمتعلم والسامع، أنهم في بيت من بيوت الله، فيكونون أقرب إلى الإخلاص والتجرد والنية الحسنة، لا يقصدون ـ في الغالب ـ من التعلم والتعليم إلا وجه الله.

وأهدافهم هي التفكر في الدين، وأداء العمل على وجهه الصحيح، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، لا يرجون من وراء ذلك مغنماً ولا جاهاً ولا منصباً. ولذلك تجد غزارة العلم وحفظه وإتقانه عند كثير من علماء المسجد في أوقات قصيرة، بخلاف كثير من متعلمي المدارس والجامعات وبخاصة في عصرنا هذا فإنهم – في الغالب – لا يصلون إلى مرتبة علماء المساجد في ذلك، والواقع التاريخي يشهد بذلك.

فهل خرجت المدارس والمعاهد والجامعات أمثال الخلفاء الراشدين؟ وهل خرجت المدارس والمعاهد والجامعات أمثال الأئمة المحدثين والفقهاء والنحويين ومن شابههم؟

الفرق الثاني: أن التعليم في المساجد أشمل، حيث يدخل المسجد من شاء من العلماء المؤهلين، ليعلم الناس، كما أنه يدخله من شاء من المتعلمين أو المستمعين، فيستفيد في المسجد جمع غفير: العالم والمتعلم والمستمع، على حسب ما عنده من الاستعداد والوقت، بخلاف المدارس، فلا يدخلها إلا عدد محدود من المعلمين والمتعلمين، ولا يؤذن لمن يريد أن يتفقه في الدين بالتردد عليها، ولذلك اضطرت الدول في العصر الحديث إلى إيجاد مدارس لمحو الأمية، وهي شبيهة بالمدارس الأخرى لا يدخلها إلا عدد قليل، ولا تفي بحاجة الناس كالمساجد، فالمساجد جامعات عامة صالحة للمتعلمين على جميع المستويات.

الفرق الثالث: أن علماء المساجد وطلابها، أقرب إلى عامة الشعب من طلاب المدارس والجامعات، حيث تجد عامة الناس يقبلون إلى عالم المسجد وطلابه، ويستفيدون منهم، كما تجد عالم المسجد وطلابه يهتمون بعامة الناس، في التعليم والدعوة أكثر من غيرهم.

ولا شك أن الارتباط بين طلبة العلم وعموم الشعب، له مزاياه الكثيرة في التعليم والدعوة وبناء مجد الأمة.

“وهكذا تخرج من هذه المساجد أساطين العلم الأفاضل الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وما هم عليه من الصلاح والتقوى، وما قاموا به من جهود عظيمة، احتسبوا أجرها عند الله في الدعوة الإسلامية، ونشر الثقافة الإسلامية، هذه مؤلفاتهم في مختلف الفنون: في التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وعلوم الآلة، وغيرها، كلها تشهد لهم بما قدموا من علوم”[15].

ولم يقتصر المسلمون على علوم الشريعة وإنما أحرزوا قصب السبق في كل العلوم التي وجدت في عهدهم، وسل عنهم من أظهر شيئاً من الإنصاف من الأوربيين تر العجب العجاب، والحق ما شهدت به الأعداء[16].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– سورة البقرة الآية:31.

[2] – سورة الرحمن الآية:1-4.

– سورة العلق الآية:1-5 [3]

[4] – سورة الإسراء الآية: 106.

[5] – سورة الجمعة الآية: 2.

[6] – أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب من قعد حيث انتهى به المجلس ومن رأى فرجة (1/116). وأخرجه مسلم في كتاب السلام باب من أتى مجلسا فوجد فرجة فجلس فيها وإلا وراءهم (11/153)

[7] – أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة (1/387)

[8]– أخرجه البخاري في كتاب العلم باب الحياء في العلم (1/222). وأخرجه مسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب مثل المؤمن مثل النخلة (13/420).

[9] – أخرجه البخاري في كتاب العلم باب ذكر العلم والفتيا في المسجد(1/226)وأخرجه مسلم في كتاب الحج باب مواقيت الحج والعمرة(6/116).

[10]– أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (1/117) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

[11] – أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة (3/7). وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب من أحق بالإمامة (3/430)

[12] – أخرجه البخاري في كتاب العلم باب ما جاء في العلم وقوله تعالى{ وقل رب زدني علما } (1/23).

[13] – ينظر ما كتبه أحمد شلبي في تاريخ التربية الإسلامية، مكتبة الأنجلو المصرية،القاهرة، الطبعة الأولى 1960م،ص:102.

[14]– لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، تحقيق عبد الله بن عامر، دار الحديث القاهرة،(د ط))د ت)، ص:45

 

[15] – ينظر مجلة رسالة المسجد التي تصدرها رابطة العالم الإسلامي العدد السادس ـ السنة السادسة 1403هـ،ص 15 وما بعدها.

[16] – ينظر على سبيل المثال كتاب حضارة العرب لغوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر،نشر الهيئة العامة للكتاب،الطبعة الأولى، القاهرة 1969.

 

اظهر المزيد

د. يوسف القسطاسي

دكتوراه الدولة في الفقه والأصول بجامعة القاضي عياض المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: