منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خراب الأفراد من خراب الأسر

0
اشترك في النشرة البريدية

أذّن المؤذن لصلاة الظهر، فخرجت من المنزل متجها إلى المسجد، فوجدت شابين جالسين قرب باب المنزل المقابل لسكناي، وبجانبهما ثلاث قارورات بلاستيكية مملوءة من حجم ليتر ونصف، الأولى مملوءة بالماء الصالح للشرب، والثانية مملوءة بالفقّوس مطحونا، والثالثة مملوءة بالماحيا، وهما يتذاكران بينهما دون أن يعبآ بأحد من المارة، بل حتى بصاحب المنزل اللذان يجلسان تحت نافذته وقرب بابه، ولم يستطع أحد من المارة عموما أو سكان الحي خصوصا زجرهما أو منعهما من الجلوس بجانب بيوت الغير والمجاهرة بشرب المخدرات في واضحة النهار، مررت أمامهما وسلمت عليهما فردّا علي السلام وقال أحدهما: اعلم يا أستاذ أن أبناءك هم في منزلة إخوتي لن يستطيع أحد مسهم بأذى، وأنا على أتم الاستعداد للدفاع عنهم، فحركت رأسي له كأنني أؤيد قوله، ثم قال لي: ادع الله لي، فقلت لهما: أسأل الله العلي الأعلى الوهاب لكما العفو والعافية والتوبة النصوح والرفقة الصالحة، فقال لي: أنا لا أريد الدعاء هنا؛ بل في سجودك عند الصلاة، فقلت له: إذن عليك ألا تؤخرني عن صلاة الظهر لكي أدعو الله لكما في السجود بالهداية والتوبة النصوح، فاعتذر لي وتوجهت إلى المسجد، ووجدت الصلاة لم تُقم بعد، فصليت تحية المسجد ودعوت الله لهما بالهداية والتوبة النصوح كما وعدتهما، ثم أقيمت الصلاة، وصليت الظهر مع الجماعة، وفي السجود أخلصت لهما الدعاء مرة ثانية، لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، لذا طلب منا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالاجتهاد في الدعاء أثناء السجود، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ » [1]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (…أَلاَ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)[2]، يعني فحريّ أن يستجاب لكم، وما دام الدعاء في السجود مشروع، فينبغي الإكثار منه، وليس له حد محدود، بل يدعو العبد بما يسّر الله له بما تقتضيه حاجته.

كما أن الإسلام شجعنا أن ندعو للغير على ظهر الغيب، وأكد لنا أن هذا الدعاء مستجاب، بل أغرانا لنكثر منه بتجنيد ملَك يقول للداعي للغير: ولك بالمثل. فعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إذا دعا الرجلُ لأخيه بظهرِ الغيبِ قالت الملائكةُ: ولك بمثلِهِ)[3]، والمقصود بظهر الغيب: في غيبة المدعو له، وفي سره، لأنه أبلغ في الإخلاص. وعن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم كان يقول: (دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ).[4].

ويكفي في عظم فضل دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب أنها دعوة مستجابة بإذن الله تعالى، ويعم الفضل الداعي والمدعو له.

وهذه نماذج ممن علموا فضل الدعاء للغير لتكون نبراسا لنا في سيرنا إلى الله، فقد روى ابن الجوزي في صفة الصفوة والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد؛ أن أبا حمدون الدلال الزاهد الصالح أحد القراء، كانت له صحيفة فيها مكتوب ثلاثمائة من أصدقائه يدعو لهم كل ليلة، فتركهم ليلة فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون، لم تسرج مصابيحك الليلة، قال: فقعد وأسرج، وأخذ الصحيفة فدعا لواحد واحد حتى فرغ، قال الشعراني في العهود المحمدية: وقد سمعت سيدي علي الخواص رحمه الله يقول: إذا وقع لأحدكم تقريب في المواكب الإلهية فلا يقتصر على الدعاء في حق نفسه فيكون دنيء الهمة، وإنما يجعل معظم الدعاء لإخوانه المسلمين، وقد منّ الله تعالى عليّ بذلك ليلة من الليالي لما حججت في سبع وأربعين وتسعمائة، فمكثت في الحِجر أدعو لإخواني إلى قُريب الصباح، فأعطاني الله تعالى ببركة دعائي لهم نظير جميع ما دعوته لهم بسهولة، ولو أني دعوت ذلك الدعاء لنفسي لربما لم يحصل لي ذلك، فالحمد لله رب العالمين.

المزيد من المشاركات
1 من 64

والإنسان الذي يدعو لأخيه بظهر الغيب، هو إنسان مؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كما في الحديث عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.)[5]،

فهو يتألم لألم إخوانه، ويصيبه الأسى لمآسيهم ومصائبهم، عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ الساعدي رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لأَهْلِ الإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ)[6]، ومن لم يكن هذا حاله تجاه إخوانه؛ فليخش على إيمانه أن يكون ضعيفا.

رجعت من المسجد إلى المنزل، فوجدت الشابين لا زالا في مكانهما، وبجانبهما القارورات الثلاثة، فسلمت عليهما وقلت لهما: ها أنا قد دعوت الله لكما كما طلبتما مني، ولكن ما هذا الذي أمامكما؟ فأراد واحد منهما أن يعبر لي عن رفضه لتلك الوضعية، فأخذ قارورة الفقّوس المطحون ورمى بها بعيدا كتعبير عن الانتهاء عما هما فيه، وبقي محافظا على قارورة الماحيا، وقام الثاني- ويظهر أنه هو صاحب الكلمة والمتحكم في الشؤون – فقال لي: هل أنت هو الأستاذ بن سالم باهشام؟ فقلت له: نعم، فوضع رأسي بين يديه وقبله وقال لي : لقد اعتقلتني الشرطة في مرة من المرات بتهمة السكر العلني، وقدموني للنيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بخنيفرة، ومثلت أمام الوكيل، فقال لي: المطلوب أن أحدد لك العقوبة السجنية وأرسلك إلى السجن، ولكن، هل تعرف الأستاذ بن سالم باهشام، فقلت له كذبا: نعم، وإن كنت لم ألتق بك من قبل، فقال لي: أنا هذه المرة لن أعتقلك، وسأطلق سراحك شريطة أن تتصل بالأستاذ عاجلا، وها هي الأقدار الإلهية قد جمعتني معك اليوم، فقلت له: قبل أن نسترسل في الحديث لابد أن تريق تلك القارورة المملوءة بالماحيا أولا، فحملها دون نقاش ورماها بقوة على الأرض وأنا أنظر إليها وهي تتدحرج، وبعدها كشف الثوب عن يديه وأراني آثار شفرات الحلاقة على يديه، ويداه كلها ضربات، فأفزعني ذلك المشهد وقال لي: هذا تعبير عن سخطي على الواقع المزري الذي أعيش فيه، فأبي تزوج امرأة أخرى وولد معها، وهجرنا نحن، واستمعت لمشاكله وواسيته، ثم سألني عن كيفية الاغتسال من الجنابة. فبيّنت له أن للغسل من الجنابة صفتين:

الصفة الأولى: صفة للغسل الواجب الذي من أتى به أجزأه، وارتفع حدثه، وهو ما جمع شيئين:

الأول: النية، وهي أن يغتسل بنية رفع الحدث.

والثاني: تعميم الجسد بالماء.

إلا أنه إذا أراد الصلاة احتاج للطهارة الصغرى التي هي الوضوء.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 35

الصفة الثانية: صفة الغسل الكامل، وهو ما جمع بين الواجب والمستحب، وبين الوضوء والاغتسال، وهذا يمكن أن يصلي به، ووصفه كالآتي:

يبدأ بالاستنجاء أولا، فيغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كاملاً أو يؤخر غسل الرجلين إلى آخر الغسل، فيبدأ بغسل اليدين إلى الكعبين ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء والمضمضة ثلاثا، والاستنشاق والاستنثار ثلاثا، وغسل الوجه من وتد الأذن إلى وتد الأذن الأخرى عرضا، ومن منابت الشعر المعتاد من الرأس إلى منتهى الذقن طولا، وغسل اليدين إلى المرفقين بدءا باليد اليمنى ثم اليسرى مع تخليل الأصابع ثلاثا، ومسح الرأس من منابت الشعر المعتاد إلى منتهى القفا ثم رده من حيث ابتدأ، ومسح الأذنين، وأخيرا غسل الرجلين إلى الكعبين بدءا باليمنى مع تخليل الأصابع ثلاثا، وهكذا يكون قد أتم الوضوء، ثم بعدها يشرع في الاغتسال، فيغمس يديه في الماء دون أن يحمل فيهما ماء، فيخلّل شعر رأسه، ثم يصب بعدها الماء على رأسه ويخلل الشعر، يفعل ذلك ثلاث مرات، ثم يغسل عنقه وشقه الأيمن من جسده إلى الأسفل، مع إمرار اليد على المكان الذي يصبّ عليه الماء حتى يعمم الجسد بالماء، وهكذا يفعل مع الشق الأيسر من الجسد، ويحتاط ألا يمس ذكره بباطن كفه، لأن ذلك ينقض الوضوء، وبهذا يكون قد أتم الاغتسال، وأدخل فيه الوضوء الذي يبيح له ما كان ممنوعا وقت الجنابة.

هذا هو الغسل الأكمل والأفضل، ودليله ما في صحيحي البخاري ومسلم من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: حَدَّثَتْنِى خَالَتِى مَيْمُونَةُ قَالَتْ: (أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غُسْلَهُ[7] مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ كَفَّهُ الْيُمْنَى فِي الإِنَاءِ فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ)[8].

وهذا الغسل للرجل والمرأة على السواء، إلا أن المرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها إن وصل الماء إلى أصل الشعر. وبأحد هذين الاغتسالين السابقين يكون الرجل أو المرأة قد تطهر من الجنابة، وكذلك تُطهر المرأة من الحيض والنفاس.

فرح الشابان بحواري معهما وانصرفا منشرحي الصدر بعد المصافحة والتوديع.

فأسأل الله لهما الثبات على الأمر، وأن يرزقهما رفقة صالحة تعينهما عند الذكر، وتُذكّرهما عند النسيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1][أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود برقم 482. وبوب عليه النووي: باب ما يقال في الركوع والسجود]. [2][ أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود برقم 479.]. [3][أخرجه مسلم (4/2094، رقم 2732) . وأخرجه أيضًا : أبو داود (2/89، رقم 1534)]. [4][صحيح مسلم = الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، دار الجيل بيروت + دار الأفاق الجديدة ـ بيروت (8/ 86)]. [5][ أخرجه البخارى (1/14، رقم 13)، ومسلم (1/67، رقم 45)]. [6][رواه أحمد، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح]. [7] [قال النووي: هو بضم الغين، وهو الماء الذي يُغتسل به. صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 231.]. [8][خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى : 676هـ)، مؤسسة الرسالة – لبنان – بيروت – 1418هـ – 1997م، الطبعة الأولى، حققه وخرج أحاديثه: حسين إسماعيل الجمل، (1/ 193)].
اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.