خذوا الحكمة من أفواه المجانين.

المحاور الأساسية

مقدمة

أ – اهتمام المغاربة بركن الصيام أكثر من الصلاة على صعيد كل الشرائح.

ب – خذوا الحكمة من أفواه المجانين

ج – مقتطف من سيرة الخراز الخنيفري

د – جهل العرافة بالطارق لبابها أكبر دليل على جهلها للغيب.

ه – الويسكي يحاكم الرُّوج.

و – حاجة المدمنين إلى دعاة صادقين ومحاضن تربوية

***

مقدمة

في كل مجال من المجالات، وفي كل شريحة من الشرائح الاجتماعية، تجد أشخاصا متفوقين ومتميزين عن غيرهم في ذلك المجال، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وفي مجال الإدمان والذي يُعرف في المغرب ب”التشمكير“، عرفت مدينة خنيفرة بالمغرب نموذجين لا يضاهيهما أحد، الأول توفي غفر الله لنا وله ورحمه رحمة واسعة، والثاني ما زال على قيد الحياة وقد تحدثنا عنه، نسأل الله أن يررزقه التوبة النصوح، والرفقة الصالحة قبل الممات، وأن يختم لنا وله بالحسنى. والمتميز بين هذين الشخصين الذائع صيته، هو الذي مات رحمه الله، والذي يتقن صناعة تقليدية يدوية نموذجية تتعلق بالأحذية الصغيرة للتزيين، وتسمى”الشرابل”، والتي تعلق في السيارات وتزين بها المنازل، وجدران الإدارات، إلا أن الإدمان لا يسعف هذا الرجل لصناعة شيء من هذه التحف، إلا عندما يقترب شهر رمضان، والسبب في ذلك، هو ما سنذكره في المحور الموالي.

أ – اهتمام المغاربة بركن الصيام أكثر من الصلاة على صعيد كل الشرائح.

من المعروف أن المغاربة عموما يتمسكون بركن الصيام أكثر من سائر الأركان الإسلامية الأخرى، بما فيها الصلاة التي هي عماد الدين، والتي من أقامها أقام الدين، ومن هدمها هدم الدين، بحيث إنك تجد الكثير ممن يملئون المقاهي وقت أذان الصلوات الخمس، بل حتى وقت أذان الجمعة، ولا أحد ينكر عليهم، في حين لا تجد أحدا يستطيع أن يتجرأ ويجاهر بالإفطار ولو كان مرخصا له لعذر المرض أو السفر أو الحيض والنفاس للمرأة، ومن مظاهر التمسك بهذا الركن في صفوف المدمنين، أنهم جعلوا لهم أحكاما فقهية لا تمت بصلة إلى كل المذاهب الموجودة في كتب الفقه، ويمكن أن نسميه “فقه المدمنين” أو “فقه الشمكارة”، هذا الفقه تجد فيه المدمنين/ “الشماكريا”، في المغرب كله، يلتزمون به التزاما دقيقا، وهو غير مدون عندهم، وإنما يتلقونه شفاهيا من مدمن/شماكري لآخر، من هذه “القواعد الفقهية” المتداولة بينهم، أنه ينبغي التوقف عن المسكرات بكل أنواعها قبل رمضان بأربعين يوما، وفي رمضان يلتزمون بالصيام ولو شكليا دون التعاطي للمشروبات الكحولية، وكذلك الماحيا، لكنهم في اليوم الأول من شهر شوال تجد الحانات مكتظة، وكذلك أماكن بيع الماحيا.

 ب – خذوا الحكمة من أفواه المجانين

مما جرى على الألسن “خذوا الحكمة من أفواه المجانين“، وأصل هذا المثل أن رجلا ثريا توفي في بلد بعيد عن بلده، ووصل خبر وفاته إلى أولاده، وحدّ ولده الأكبر يوما للعزاء، ولكن إخوته طالبوا بالميراث، فقال لهم: انتظروا حتى ننتهي من مراسم العزاء، وبعدها لكم ما أردتم، ولكنهم رفضوا، وقالوا: بل نقسم التركة اليوم، فرفض مطلبهم. وقال لهم: إنها سبة علينا. فماذا سيقول الناس إن رأونا نقسم التركة قبل انتهاء العزاء ؟! ذهب إخوته فورا إلى القاضي يشكون أخاهم، فأرسل القاضي له أمرا بالحضور، فأخذ يفكر ماذا يفعل؟ ذهب الرجل إلى أحد عقلاء البلد ليستشيره، وكان صاحب رأي سليم، فسرد عليه القصة. وقال: انظر لي مخرجا. فقال له الحكيم: اذهب إلى فلان فلن يفتيك ويعطيك الحل غيره. قال له: إن فلانا مجنون، فكيف يحل مشكلة عجز في حلها العقلاء؟! قال: اذهب إليه فلديه ما تريد، فذهب إليه وسرد عليه القصة. فقال له المجنون: قل لإخوانك: هل عندكم من يشهد بأن أبي قد مات ؟ قال الرجل:أصبت والله، كيف لم أفكر في هذا. وذهب إلى المحكمة وقال للقاضي ما قال له المجنون، فقال القاضي: إنك محق، هل عندكم شهود ؟ قالوا: إن أبانا توفي في بلد بعيد وجاءنا الخبر، ولا يوجد شاهد على ذلك، قال لهم القاضي: أأتوا بالشهود، وظلت القضية معلقة إلى سنة ونصف، وقال لهم أخوهم: لو صبرتم أسبوعا كان خيرا لكم وأعقل، وذهب قوله مثلا: “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”.

وهكذا كانت بعض أقوال هذا الشخص الخنيفري وأفعاله – والتي يكون فيها غالبيا فاقد الوعي – مضرب مثل بين الناس، يزينون بها كلامهم، وسأسوق على ذلك موقفين على سبيل المثال لا الحصر، وأترك الفرصة لبعض المهتمين بهذا المجال ليخصص موضوعا أو حتى كتابا يذكر فيه مواقف هذا الرجل الفريدة وحكمه رحمه الله.

ج – مقتطف من سيرة الخراز الخنيفري

كان هذا الرجل الخراز، هزيلا ذو سحنة سمراء، وتعود أصوله لأسرة نزحت من واحة أغريس إقليم الراشدية، ولد بخنيفرة عاصمة الأطلس المتوسط في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين، وتوفي بها مع بداية العقد التاسع من نفس القرن، أُدخل المدرسة الفرنسية لسنة أو سنتين مكّنته من تعلم ترديد بعض الجمل باللغة الفرنسية، وغادرها ليجد نفسه في سماط الخرازين، وسط “البطانة”، و”جلد الزيواني”، و”القرميل”، و”تلخفيفت”، و”الركاب”، و”ليشفى”، و”خيط الصقلي”، و”المثقاب”، و”المقص الحدادي”[1]، بالإضافة إلى الطحال، وهو العضو المستخرج من بطون الحيوانات والذي يُلصق الجلد بعضه ببعض، وهو بمثابة مادة الكولا اليوم.

ترعرع هذا الرجل وسط الحوار ونقوط “المعلمين”، إلى أن شب، فابتُلي بشرب الخمر إلى أن صار مدمنا، حيث كان يتسابق تجار البلد لمجالسته كل مساء نظرا لنوادره التي تفرّج من عناء كربهم، كان هذا الشخص الخنيفري كل مساء يؤم وحده أو مع البعض من أصدقائه الحي الأوربي بخنيفرة، والمليء بالحانات، حيث ينتقل من حانة لأخرى، ومن جماعة لغيرها، وهو معتاد على إحضار بعض الديكورات من الصناعة التقليدية، يملأ بها قُبّ جلبابه، عسى أن يجد بعض المشترين لها من رواد الحانات.

د – جهل العرافة بالطارق لبابها أكبر دليل على جهلها للغيب.

ذات ليلة من ليالي الشتاء البارد، وفجأة؛ وَجد هذا الشخص الخراز قُبّ جلبابه فارغا مما كان فيه من ديكورات، وهو وسط جموع المخمرين، فصار يبحث عن آخذها من مجموعة لأخرى، والكل يقهقه تحت تأثير الخمر، حيث وجد المدمنون ضالتهم، فحمي الوطيس، والخنيفري في حالة غضب شديد عن الكنز الضائع، فأقسم لرواد الحانة أنه قد يلجأ إلى أقسى الحلول إن لم يعيدوا له بضاعته المسروقة، ورغم التهديد لم يعترف له أحد بأخذها، فأقسم بأغلظ أيمانه أنه سيؤم بيت العرّافة لتخبره عن اسم الجاني، وسرعان ما وجد نفسه في جنح الليل وسط ظلام دامس يهرول في الطريق المحاذي لنهر أم الربيع، حيث المسافة تقدر ب 600 متر تقريبا بين الحانة وزنقة تازة التي توجد بها بيت العرافة العتيق، والمكون من طابقين: سفلي وعلوي، وصل هذا الشخص لاهثا إلى بيت العرافة، فشرع في طرق الباب، وسرعان ما فتحت العرافة نافذة من أعلى البيت وهي تصيح، من يطرق علينا الباب في هذا الليل المتأخر؟ فاندهش الخنيفري رافعا رأسه في اتجاه العرافة مستغربا وهو يردد بلغة أمازيغية (أكّ أورتسّينت عبقة ما كّيوين الشربيل؟) ومعناه بالفصيح العربي: أيتها العرافة، أنت لم تعرفي عقبة المُجسّد أمامك، وبالأحرى تعرفي سارق الشربيل في الحانة؟ وانصرف غير معقب.

وهذه القولة المأثورة لهذا الشخص الخراز الخنيفري رحمه الله، مليئة بشتى الدلالات الفلسفية، حيث يجد فيها العاقل المتأمل ما يستنتج منه:

1 – لا يعلم الغيب إلا الخالق عز وجل. قال سبحانه: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)[2].

2 – لا جدوى من إضاعة الوقت والجهد والمال في الجري وراء السراب، حيث يتحول الشخص إلى ضحية ومشروع لإثراء العرافين والمشعوذين والمنتحلين لصفة علم الغيب، وهم أعجز الناس لمعرفة أنفسهم، قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)[3]، وقال سبحانه:﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾.[4].

ه – الويسكي يحاكم الرُّوج.

مرة من المرات العديدة، قُدّم هذا الشخص للمحاكمة بجريمة السكر العلني، فلما مثل بين يدي القاضي وسأله – كما هو المعتاد في المحاكم، عن اسمه واسم أبيه واسم أمه وسكناه … للتأكد من هويته- أجاب القاضي عن كل أسئلته وهو يضحك أمام الحضور؛ وفي قاعة المحكمة التي يسودها السكون، إذ لا تسمع إلا همسا، فلما انتهره القاضي واستفسره عن سبب هذه المهزلة التي تخل بوقار المحكمة، أجاب بصوت عال كله سخرية، أضحك سيدي القاضي، لأن “الويسكي” يحاكم “الرّوجّ ، بمعنى أن هذا الشخص يلتقي في الحانة مع القاضي الذي يحاكمه، والفرق بينهما أن القاضي يطلب النوع الغالي من الخمور والذي هو “الويسكي”، بينما هذا الشخص فليس له من المال إلا ما يشتري به “الرّوج” فقط، والتي تلقب عندهم كذلك ب “الفرّاكة” لكونها تكون في قارورة بلاستيكية متدرجة مثل الفراكة، كما يلقبون هذا النوع من الخمر “دم العود”، وبدأ الكل في المحكمة يضحك، ولا أحد يجرؤ أن يقول مثل هذا الكلام الصريح للقاضي، وفي وسط المحكمة، وأمام الناس، سوى هذا الشخص رحمه الله.

و – حاجة المدمنين إلى دعاة صادقين ومحاضن تربوية

نظرا لحالة هذا الرجل الخراز المزرية، والتي يكون فيها غالبا فاقد الوعي، حاولت الاتصال بصديقه في الإدمان، والذي يعرف طبع هذا الخراز ومتى يمكن اللقاء به، فأخبرته بعد أن دعوته هو أولا للتوبة فاستجاب، وقبِل الاقتراح بعقد لقاء دعوي مع هذا الخراز المدمن الضحية، عسى أن يعلن توبته، ويصفي دمه من هذه السموم، ويلتزم بتعاليم الإسلام الذي أراد للإنسان أن يحافظ على سلامة عقله وجسمه وروحه، إلا أن الموت حالت دون أن يتم هذا اللقاء الدعوي بهذا الخراز المدمن، فرحمة الله على هذا الرجل الذي لم يجد من يحتضنه ويرعاه ويوجهه وينصحه، وغفر الله لنا وله ولسائر المسلمين. وكم من ضحايا من هذا الصنف من المدمنين في هذا المجتمع المفتون، لم يجدوا من يغشاهم ويحاورهم، ويرشدهم، ويدعوهم للتوبة، ويحتضنهم، فلقوا حتفهم، وماتوا وهم على حالتهم من الإدمان، غفر الله لنا ولهم، وتجاوز الله عنا وعنهم، وغفر الله لنا تفريطنا في حقهم آمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

 [1] [هذه أسماء لأدوات الخرازة، يمكن زيارة الخراز والسؤال عن هذه الأدوات لمعايتها، ومعرفتها عن كثب].

[2] [سورة النمل، من الآية 65].

[3] [سورة الأنعام، من الآية 59.].

[4] [سورة يونس، من الآية 20].

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: