حكم المعاملة المسماة بـ(دارت)

من المسائل التي يكثر السؤال عنها في عصرنا الحاضر، ماتفعله بعض جمعيات المجتمع المدني وهوأن يتفق عدد من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال متساوياً عند نهاية كل شهر يأخذه أحدهم، وهي المعروفة عندنا في المغرب بدارت، فما هي صورة هذه المعاملة؟ وما هو الحكم الشرعي فيها؟

أولا: صورتها:

أن يتفق مجموعة من الأشخاص على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال متساوياً عند نهاية كل شهر، يأخذه أحدهم حسب الاتفاق بينهم، وغالب من يتعامل بهذه المعاملة هم الموظفون، وبخاصة رجال التعليم، لأن الموظف يتحصَّل على مرتَّب شهري مطرد. وقد تكون بين التجار أو الصُنَّاع ونحو ذلك.

ثانيا: حكمها:

لقد اختلف العلماء في هذه المعاملة على قولين:

القول الأول: أنها معاملة جائزة ولا بأس بها، وبهذا قال أكثر العلماء المتأخرين، منهم: الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ محمد بن عثيمين وغيرهم كثير.

القول الثاني: أنها محرمة، ومن أشهر من قال بهذا الشيخ صالح الفوزان، وكذلك الشيخ عبد العزيز آل الشيخ.

أدلة المجيزين:

  • قالوا: إن هذا العقد من العقود التي جاءت الشريعة بجوازه، لأن حقيقة هذا العقد هو: قرض فيه إرفاق بالمقترض[1]، حيث إن المقترض يأخذ القرض ويرد مثله ولا زيادة عليه، فهو مثلاً إذا أخذ عشرة آلاف فإنه يرد المبلغ نفسه من غير زيادة ولا نقصان، فهذا قرض لا يخرج عن القرض المعتاد إلا أن الفرق بينه وبين القرض المعتاد، أن الإقراض في الجمعية يشترك فيه أكثر من شخص والقرض المعتاد يكون بين شخص وآخر. وما يفعله الموظفون في جمعيتهم إنما هو تسهيل أمورهم، بأن يأخذ كل واحد منهم مجموع المبالغ التي يدفعها الجميع شهرياً فيأخذه كل منهم في كل مرة حسب مدة الجمعية وهذا العمل من باب التعاون على الخير وفيه ابتعاد عن القروض المحرمة شرعاً.
  • كذلك استدلوا بالأصل، إذ الأصل في المعاملات الحل، ما لم يرد دليل على المنع، والقرض المحرم في الشريعة الإسلامية هو القرض المشروط بالزيادة عند السداد، كما هو الحال في قروض البنوك الربوية التي تفرض فيها الفوائد الربوية وهو ذات الربا المحرم في كتاب الله وسنة رسوله، قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ([1]. وقال تعالى: }يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ{[2].

وأما في جمعية الموظفين، فلا يوجد زيادة على القرض، حيث إن كل واحد من المشاركين في الجمعية يسترد المبالغ التي دفعها بدون زيادة، فهو قرض غير مشروط بزيادة نفع ولا ينطبق عليها ما ورد في الحديث: ( كل قرض جر نفعاً فهو ربا )[3] وذلك لأن المنفعة التي فيها الربا أو شبهته ويجب خلو القرض منها: هي الزيادة المشترطة للمقرض على مبلغ القرض في القدر أو الصفة، وكذا المنفعة المشترطة له التي يبرز فيها ما يشبه العلاوة المالية، كشرط المقرض على المقترض أن يحمل له مجاناً بضاعة يبذل عليها في العادة أجر أو أن يعيره شيئاً ليستعمله المقرض ونحو ذلك. أما منفعة إقراضه نفس المبلغ ولذات المدة مقابل قرضه، فليست بزيادة في قدر ولا صفة، وليست من جنس المنفعة التي فيها شبهة الربا أو حقيقته وإنما هي من قبيل النفع المشترك الذي لا يخص المقرض وحده بل يعم المقرض والمقترض على السواء ويحقق مصلحة عادلة للطرفين فهذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا هو في معنى المنصوص فلزم إبقاؤه على الإباحة[4].

  • وكذلك أيضاً قالوا: في هذا تعاون على البر والتقوى؛ فهذه مثلاً هذه الجمعية طريق لسد حاجة المحتاجين، وإعانة لهم على البعد عن البنوك الربوية والمعاملات المحرمة كالربا ونحو ذلك.

أدلة القول الثاني: وهو التحريم:

  • قالوا: القرض في هذه الجمعية، قرض مشروط فيه القرض من الآخر، فهو قرض جرَّ نفعاً، وكل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا، كأن يقرض عبد العزيزعمراً بشرط أن يقرضه هو كذلك، فهذا قرض جرَّ نفعاً.

ويجاب عن ذلك بأنه لا مانع شرعاً من أن ينتفع المقرض والمقترض منفعة متبادلة، وهذا يشبه تبادل المنافع في مسألة السفتجة المعروفة عند الفقهاء. قال الإمام النووي: [ قوله في باب القرض اقترض على أن يكتب له سفتجة…وهو كتاب يكتبه المستقرض للمقرض إلى نائبه ببلد آخر ليعطيه ما أقرضه ][5]. وتعتبر السُفَتْجَة عند جمهور الفقهاء من باب القرض وهي جائزة عند جماعة من أهل العلم، مع أن المقرض قد أمن خطر الطريق. قال الإمام ابن قدامة المقدسي: [ وروي عنه – أي عن الإمام أحمد – جوازها لكونها مصلحة لهم جميعاً وقال عطاء كان ابن الزبير يأخذ من قوم بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها إلى مصعب بن الزبير بالعراق، فيأخذونها منه فسئل عن ذلك ابن عباس، فلم ير به بأساً. وروي عن علي أنه سئل عن مثل هذا، فلم ير فيه بأساً وممن لم ير به بأساً: ابن سيرين والنخعي رواه كله سعيد. وذكر القاضي أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد ليوفيه في بلد أخرى ليربح خطر الطريق. والصحيح جوازه لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها بل بمشروعيتها ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة ][6].

والسُفَتْجَة فيها نفع للطرفين المقرض والمقترض ولا مانع يمنع من انتفاعهما قال شيخ الإسلام ابن تيمية مرجحاً جواز السفتجة: [ والصحيح الجواز لأن المقرض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد وقد انتفع المقترض أيضاً بالوفاء في ذلك البلد وأمن خطر الطريق فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم وإنما ينهى عما يضرهم ][7].

وكذلك أيضاً أجاز العلماء بعض المنافع للمقرض فقالوا: لا بأس أن يقرض الشخص فلاحه دراهم لكي يقوم الفلاح بشراء الآلات والبذور ويعمل في أرض المقرض، فأنت مثلاً ساقيت زيداً من الناس أو زارعته على أن يعمل في أرضك ولم يكن معه دراهم فلا بأس أن تقرضه ويقوم بالعمل في أرضك مع أنك تستفيد الآن أو مثلاً تقرضه ويقوم بالعمل في بيتك فأنت الآن تستفيد، فهذا القرض أجازه العلماء رحمهم الله.

وأيضاً قال شيخ الإسلام: لا بأس أن يقول للفلاح: اعمل معي وأعمل معك، اعمل معي اليوم في حصاد الزرع أو جذاذ النخل وأنا أعمل معك غداً في حصاد الزرع أو جذاذ النخل.

  • قالوا: هذا من قبيل بيعتان في بيعة، وقد نهى عنه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم[8].

واختلف شُرَّاح الحديث كثيراً في بيان المراد بالبيعتين في بيعة على أقوال، وذكر بعضهم ما يقرب من ثمانية أقوال؛ وأبرزها:

أ – الحلول والأجل: يعني أن يقول: بعتك السلعة حالَّة بكذا وكذا أو مؤجلة بكذا.

ب – الأجلان: بأن يقول: بعتك السلعة بكذا مؤجلة إلى شهر مثلاً أو بكذا مؤجلة إلى شهرين

جـ- اشتراط عقد في عقد: وهذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد؛ بأن يقول: بعتك السيارة بشرط أن تؤجرني بيتك أو بشرط أن تبيعني بيتك ونحو هذا.

د – ما ذهب إليه ابن القيِّم أنه بيع العينة وأن السنة يفسر بعضها بعضاً، فقول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: ” لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ” المراد بذلك بيع العينة.

وكذلك أيضاً قول النَّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم: ” نهى عن بيعتين في بيعة ” المراد بذلك بيع العينة وهو: أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل من ثمنها نقداً؛ فيبيع السيارة مثلاً بمائة ألف درهم مؤجلة ثم بعد ذلك يشتريها بأقل من ثمنها نقداً.

وهذا القول هو الأقرب، وعلى هذا فالتفاسير السابقة لا تكون داخلة تحت حديث: ” ولا شرطان في بيع “، وكذلك أيضاً لا تكون داخلة تحت حديث: ” ولا بيعتان في بيعة “.

  • قالوا: هذه الجمعية فيها شيء من المخاطر، فقد يموت أحد أعضاء هذه الجمعية وقد يفصل من عمله وقد ينقل إلى بلد آخر، فيضيع على أصحاب الحقوق حقوقهم فينهى عنها من أجل هذه المخاطر.

والجواب عن هذا سهل؛ فيُقال: إن المصالح المترتبة على هذه الجمعية أكثر من المخاطر.

وكذلك مثل هذه المخاطر توجد في المعاملات المباحة؛ فما من معاملة من المعاملات المباحة إلا وفيها شيء من المخاطر؛ فالقرض المعتاد فيه شيء من المخاطر؛ فعمرو المقترض قد يموت وقد يعسر ولا يتمكن زيد من حقه، فهذه المخاطر المنغمرة في المصالح الأخرى المرتبة على المعاملة هذه لا تعلق عليها الأحكام ولا ينظر إليها الشارع.

هذه هي جملة الأدلة التي استدل بها كل فريق على ما ذهب إليه، ويظهر والله أعلم أن القول الراجح في هذه المعاملة هو الجواز، وهو مذهب أكثر العلماء في العصر الحاضر، بل أذهب إلى أكثر من هذا وأقول إنها من الأعمال المندوبة، لأنها تفك حاجات المحتاجين وتغني كثيراً من الناس عن الالتجاء إلى البنوك الربوية وغير ذلك ولما فيها من التعاون على البر والتقوى والله أعلم.

ثالثا: زكاة جمعية الموظفين:

وهذه المسألة يسأل عنها كثير من الناس.

الداخل في هذه الجمعية لا يخلو من ثلاث حالات:

الأولى: أن يكون في أول القائمة، فيأخذ المبلغ المالي من الجمعية في أولها، فهذا لا زكاة عليه إلا إذا ترك هذه الدراهم حتى حال عليها الحول، فلو فرضنا أن محمداً هو الأول ثم أخذ هذه الدراهم وتركها عنده حتى يحول عليها الحول، جب عليه أن يخرج الزكاة عند حولان الحول، فإذا استهلكها فإنه لا شيء عليه.

الثانية: أن يكون ترتيبه في وسط الجمعية، كما لو كان السابع وقبض المبلغ من الجمعية فهذا لا شيء عليه إذا استهلكها، وإذا لو بقيت عنده حتى مضى عليها الحول من الشهر الذي بدأ فيه الدفع، يعني الآن مضى سبعة أشهر فإذا مضى خمسة أشهر والدراهم عنده أخرج عنها الزكاة.

الثالثة: أن يكون ترتيبه في آخر الجمعية، وحال على ماله الحول وهو عند أحد الأعضاء، فالخلاف فيه هو الخلاف في زكاة الدين. وفيها نحو خمسة أقوال: قيل: لا زكاة فيه مطلقاً، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن أحمد. وقيل: فيه الزكاة مطلقاً. وقيل: فيه الزكاة إن كان عند مليء. وقيل: يزكيه إذا قبضه لما مضى. وقيل: يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة. والراجح من هذه الأقوال، مذهب مالك: أنه يزكي الدين إذا قبضه لسنة واحدة. وبهذا يتضح أن المشترك في الجمعية يزكي المال إذا قبضه، وقد حال عليه الحول مرة واحدة، والله أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 33/11.

[1] – سورة البقرة الآية 275

[2]– سورة البقرة الآية 278

[3] – أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده 1/500(437) عن علي رضي الله عنه رفعه، قال في التمييز ص 124: وإسناده ساقط اه. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدراية 2/164(813): حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرض جر نفعا رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث على بلفظ كل قرض جر منفعة فهو ربا وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء كانوا يكرهون كل قرض جر منفعة وروى ابن عدي من حديث جابر بن سمرة رفعه السفتجات حرام وفي إسناده عمرو بن موسى الوجيهي وهو في عداد من يضع الحديث.

[4] – قضايا فقهية معاصرة في المال والاقتصاد لنزيه حماد ص 229-230. دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع – دمشق.

[5] – تهذيب الأسماء واللغات 3/149

[6] – المغني 4/240-241

[7] – مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 29/530.

[8] – أخرجه أحمد في المسند(6591)، وأبوداود(3504)في كتاب البيوع، والترمذي(1234)في كتاب البيوع، والنسائي(4611)في كتاب البيوع، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة وعن بيع وسلف وعن ربح ما لم يضمن وعن بيع ما ليس عندك. قال أبو عيسى وهذا حديث حسن صحيح قال إسحق بن منصور قلت لأحمد ما معنى نهى عن سلف وبيع قال أن يكون يقرضه قرضا ثم يبايعه عليه بيعا يزداد عليه ويحتمل أن يكون يسلف إليه في شيء فيقول إن لم يتهيأ عندك فهو بيع عليك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: