جدل الحرية والانضباط أو ثنائية الفكر والفعل في سياق مشروع رسالي.

إن جدل الحرية والانضباط ناشئ عن ثنائية الفكر والفعل، وصعوبة التوفيق بينهما تكمن في كون اتساع هامش الحرية من شأنه توسيع حدود الفكر، وتوسيع هامش الانضباط من شأنه توسيع هامش الفعل؛ ولعل صعوبات التوفيق بينهما راجع إلى جملة من التحديات القائمة أساسا على خصوصية كل من الفكر و الفعل؛ ذلك أن اتساع هامش الحرية والفكر من شأنه يحقق ازدهارا هائلا على مستوى صناعة الأفكار وإنتاج الرؤى والتصورات وتراكمها لكن بشكل يتجاوز أفق الفعل وما تقتضيه مشاريع الفعل من تخطيط ممنهج وتوحيد للرؤى وانضباط لهذه الخطط والمشاريع الممنهجة. لكن توسيع هامش الفعل على حساب حرية الفكر والإبداع النظري من شأنه أن يفقد حركة الفعل ألقها ويجعلها فاقدة للمعنى وللتجدد الذي هو أساس كل فعل رسالي قاصد يروم تحقيق اختراق مشهود لحركة التاريخ.
وفي النهاية تدفع هذه الصعوبات والتحديات إلى تكريس الانفصال بين حركة الفكر القائمة على مبدإ الحرية وحركة الفعل القائمة على مبدإ العمل والانضباط، حتى شاع بين المفكرين والمثقفين أن الجمع بين الفكر والفعل متعذر لاختلاف اغراضهما ومقاصدهما وتباين مآخذهما ومداركهما، ولعجز أكثر النظار عن تحصيل الملكتين بمجموعهما، ولا يخفى ما ينطوي عليه هذا الطرح من عواقب وخيمة في تكريس الانفصال والطلاق بين ثنائيتي العلم والعمل والفعل والنظر؛ هذا التناقض يفضي في النهاية إلى تسويغ التنافر والتباعد الحاصل بين العقل النظري والعقل العملي، وعدم إتاحة أي فرصة لجسر الهوة بينهما في افق بناء مقاربة منهجية معرفية تكاملية، تمكن من تحقيق جملة من المزايا والإنجازات أهمها:

  • تحقيق التوازن بين حركة الفكر وحركة الفعل في سيرورة تطورهما التاريخي، فما أكثر المشاريع المتطورة على مستوى الفكر لكنها متخلفة على مستوى الفعل والعكس صحيح.
    -تحقيق المعادل المعرفي والفكري لحركة الفعل، فكل مشروع إنساني مهما كانت قوة الفعل والإنجاز المستمدة من عزيمة رجاله ونسائه، بدون معادل فكري ومعرفي، مآله التعثر والفشل ولو بعد حين، ولنا في مشاريع الفعل القديمة والحديثة والمعاصرة خير شاهد على ذلك.
    -يقتضي تحقيق التوازن بين مبدإ الحرية ومبدإ الانضباط أو بين حركة الفكر وحركة الفعل، الارتقاء بالممارسة الفكرية من مستوى الفكر إلى مستوى التفكر، ذلك أن التفكر أوسع من الفكر من عدة وجوه ، منها أن الفكر نظر عقلي مجرد بينما التفكر فعل عقلي مسدد، وأن الفكر يسوغ أن ينطلق في سياقات ذاتية وموضوعية، بل يمكنه ان يكون انعكاسا لدوافع غير أخلاقية واستجابة لمطالب غير إنسانية، بل وتساوقا مع أغراض نفعية تتنافى مع حرية الفكر وأخلاقيه، بينما التفكر لا يكون إلا في سياق رسالي يروم بعث الروح الأخلاقية أو رفدها وتعزيزها ضمن مشاريع الفعل، فيكون حضور الباعث الرسالي في ذهن المتفكر ووعيه وفعله حضورا ناظما للعلاقة بين مبدإ حرية الفكر والانضباط لمشاريع الفعل.
    كما يقتضي تحقيق التوازن كذلك الارتقاء بممارسة الفعل من مستوى الفعل الآلي إلى الفعل الواعي بمقتضيات المشروع الرسالي ومطالبه، وتحصينه الدائم في وجه كل العوادي التي تسري على مشاريع الفعل المنظمة من عوادي ذاتية مرتبطة بتضخم الذات الفاعلة أو تراخيها أو تقوقعها في مساحات ضيقة من زوايا الفهم والفعل، أو عوادي موضوعية راجعة لمقتضيات التطور في الواقع وفي طبيعة المشاريع نفسها، فأكثر من يستطيع استيعاب التطور في الفعل والتجدد في الفكر داخل مشاريع الفعل هم رواد الفعل والفكر.
    إن تجاوز جدلية الحرية والانضباط والفكر والفعل قي إطار مشروع رسالي منهاجي يقتضي الوعي بطبيعة وحدود الاشتغال في كلا المنزعين والتأسيس لجسور دائمة وأوراش مفتوحة تضمن اتصالا دائما بين رواد الأفكار وأرباب الإرادات، ينتج عنه تفاهم وتفهم لطبيعة الاشتغال لكل طرف وتثاقف وتفاعل بينهما يعود في النهاية بالخير العميم والفوائد الجمة على المشروع الرسالي، الذي هو في المحصلة مشروع لا يمكن أن يحقق أثره في الواقع والتاريخ إلا بإحسان الجدل بين الفكر والفعل وجسر العلاقة بين أصحاب الفكر وأرباب الإرادة.
اظهر المزيد

د. فؤاد بلمودن

دكتور باحث في الفكر الإسلامي والدراسات المستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: