ثمامة ينتصر للإسلام

يقول المؤرخون، إن السرية التي كان يقودها محمد بن مسلمة قد أسرت سيدا من سادات بني حنيفة، وهو ثمامة بن آثال الحنفي، وكان قد جاء متنكرا لاغتيال النبي صلوات الله وسلامه عليه، وذلك بإيعاز من مسيلمة الكذاب، فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم عرفه فأكرمه وأحسن معاملته وخصه بلبن ناقة يأتيه كل مساء وصباح، وكان يزوره في معتقله ويلاطفه، فقال له ذات مرة: ما تقول يا ثمامة؟ قال: إن تسأل مالا تعطه، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر. قال: ” اللهم إن أكلة من لحم جزور أحب إلي من دم ثمامة“، ثم أمر به فأطلق، فذهب ثمامة إلى المصانع، فغسل ثيابه واغتسل، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد بشهادة الحق، وقال: يا رسول الله، إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فمر من يسيرني إلى الطريق. فأمر من يسيره، فخرج حتى قدم مكة، فلما سمع به المشركون جاءوه فقالوا: يا ثمامة صبوت وتركت دين آبائك، قال: لا أدري ما تقولون، إلا أني أقسمت برب هذه البنية لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنتفعون به حتى تتبعوا محمدا عن آخركم”[1].

وقد كانت اليمامة هي التي تمد مكة بالمؤونة، فأصابتهم الحاجة من جراء حبس ثمامة لما كان يأتيهم من ميرتهم ومنافعهم، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم وتحض عليها، وإن ثمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضر بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين ميرتنا فافعل، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم “أن خلي بين قومي وبين ميرتهم“.[2]

فإذا تأملنا قصة ثمامة نخلص إلى مقاصد مهمة وغايات جليلة، تحث على ضرورة حسن معاملة الأسرى وإكرامهم، كما فعل الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم، الشيء الذي نتج عنه إسلام ثمامة وانتصاره للإسلام ودفاعه عنه، وتحوله من أشد أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم بغضا له، إلى أحبه إليه، حيث قال: “يا رسول الله، والله لقد قدمت عليك وما على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، ولا دين أبغض إلي من دينك، ولا بلدا أبغض إلي من بلدك، وما أصبح على وجه الأرض وجه أحب إلي من وجهك، ولا دين أحب إلي من دينك، ولا بلد أحب إلي من بلدك.”[3]

فتعامل المصطفى صلى الله عليه وسلم يدل على سمو الأخلاق والمروءة الواجب توفرها في قائد المسلمين، مع بعد النظر في التعامل مع ذوي القدر والمروءات من الناس كما هو حال ثمامة، حيث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرفه ويعرف مكانته في قومه، فأكرمه ولم يذله وأعزه ولم يهنه، فكانت النتيجة أن قابل ثمامة، وهو سيد قومه، الإحسان بالإحسان، لأنك إن أنت أكرمت الكريم ملكته، وهذا هو التعامل المطلوب شرعا، ليحبب دين الله لعباد الله، فتنتشر الدعوة ويسود الإسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – الاستيعاب لابن عبد البر 1/132، دار الفكر بيروت لبنان، 1426هـ/2006م.

[2] – نفسه- ص: 1/133.

[3] – الاستيعاب –مرجع سابق- 1/133.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: