تأملات من دار الفناء

يبدأ العام وينتهي، ويتصرم الشهر والأسبوع واليوم مثله، فإذا بالأعمار منا تتفلت ونحن في غفلة سادرون. تتنازع أيامنا المشاغل واللهث وراء المطالب الدنيوية والاحتياجات التي لا تنقطع، فهل لنا من حظوظ الآخرة نصيب؟ هل وعينا سر العبور وحكمة المرور من دار الفناء إلى دار الخلود. تجاذبنا أمواج الجسد الخالد إلى الأرض لتجذبنا إلى حيث لا شاطئ، وتشوفات روح ترف وتهفو إلى ما عند الله الكريم.

نعجب ولا عجب من أمر الله الفعال لما يريد، كيف تستوعبنا الحياة الدنيا وتشغلنا عن هم المعاد وهو عين الحق، وكيف تكاد تغيب عن مجالسنا أحاديث الغيب وهم المصير الأخروي وهو لناظره لقريب. غفلنا عن ذكر الموت هادم اللذات وتناسينا خبره، حتى أضحى الحاذق منا يغفل عن الحديث عنه أو عما يتعلق بالغيب حتى لا يوصم بالرجعية والخرافة.

قد تسمع من محاضر حاذق اللسان أو خطيب نحرير كبير، كلاما طويلا عريضا يعرض فيه الأفكار، وينبه الأنظار إلا للخبر اليقين، وإذا ما ذُكر فلبسط التهديد والوعيد من رب يترصد عثرات العباد ويعد لهم نارا الكل واردها وإن أحسنوا وأجادوا، وليس هو بذاك، فورود المؤمن مرور من الصراط ينجيه الله من سقطته، وضمة القبر وسؤال الملكين وضحهما النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة المجتهدة في الاستعداد والطلب رضي الله تعالى عنها حين قالت: “يا رسول الله، إنك منذ يوم حدثتني بصوت منكر ونكير وضغطة القبر ليس ينفعني شيء. قال صلى الله عليه وسلم: “يا عائشة، إن أصوات منكر ونكير في أسماع المؤمنين كالإثمد في العين، وإن ضغطة القبر على المؤمن كالأم الشفيقة يشكو إليها ابنها الصداع فتغمز رأسه غمزا رفيقا، ولكن يا عائشة ويل للشاكين في الله كيف يُضغطون في قبورهم كضغطة البيضة على الصخرة[1]. هي ضمة الأم الشفيقة إذن لولد طال شوقها إليه.

ذكر الموت وصية رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: أخرج ابن حبان رحمه الله تعالى في صحيحه وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أكثروا ذكر هادم اللذات، فما ذكره عبد قط وهو في ضيق، إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعة، إلا ضيقه عليه[2]“. يهون عليه ذكر الموت الكروب لأنه عالم أنه مفارقها، وينغص عليه الملذات حتى لايركن إليها. ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة بأحوال الموتى، وأمور الآخرة[3]: “فاعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية، ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق، وسعة، ونعمة، ومحنة. فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه. أو في حال نعمة، وسعة، فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها، والسكون إليها، لقطعه عنها”.

ليس القصد التزهد الهروبي من الواقع لأنه يخالف شروط الاستخلاف ومتطلبات العمارة، وهو فساد على مستوى الفعل والتصور، لأن التهمم بالانعتاق الفردي بعيدا عن تحقيق مصالح الجماعة رعونة في الفهم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. بل القصد ما عبر عنه الأثر المشهور: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل للآخرة كأنك تموت غدا”[4]، فلا تغر العاقل الحياة الدنيا وهي معبر لابد منه لحياة سرمدية خالدة عند مليك مقتدر، إلا من حيث إنها ضرورية لأداء واجب الاستخلاف والاستعداد للآخرة وللقاء الله تعالى.

هم الآخرة والاستعداد لها لا ينفك عنهما كل عاقل، اقتداء بما كان عليه صالح السلف، فهذا سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرسم سلامة العبور حين قال: “إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”[5].

استعداد دائم وفق منهج مرسوم وخط معلوم للقاء رب رحيم لا تضيع عنده الأعمال ويجزي بها بلا عد ولا حد لمن يشاء. استعداد لبه حفظ الجوارح والمبادرة إلى العمل الصالح والانخراط في التهمم بأحوال الأمة لا يلغي التشوف إلى ما عند الله كيلا بالمكيال الأوفى. يقول أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه المدهش[6]: ” يا عجبا أما تعلم ما أمامك، فتهيأ للرحيل وأصلح خيامك، وتأهب للردى واقطع قطع المدى مدامك، واجتهد أن ينشر الإخلاص في المحل الأعلى أعلامك، وأحضر قلبك وسمعك وإن ملا من لامك، وإياك والفتور فإني أرى الدواء دوامك. اطلب ما شئت بالعزم وأنا زعيم لك بالظفر، من عزم على أمر هيأ آلاته، لما كان شغل الغراب الندب على الأحباب لبس السواد قبل النوح”.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير قدوة. كان يذكر الموت ويستعد للقاء الله تعالى ويعبد ربه حتى أتاه اليقين، لم يمنعه ذلك من إقامة التوازن المطلوب فكان صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى، ويبلغ الرسالة، ويشارك الناس حياتهم ويلاعب صبيانهم، ويضحك أحيانا حتى تظهر نواجذه، وينصت لأصحابه يتذاكرون أمور الجاهلية ويتبسم، ويمزح ولا يقول إلا حقا، ويقوم الليل حتى تتفطر قدماه وقد غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويشترك في حفر الخندق ويحمل الحجر بيديه الشريفتين… لم يمنعه كل ذلك من أن يكون عبدا لله تعالى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  رواه البيهقي في “إثبات عذاب القبر” ص/85، رقم/116، والديلمي في “مسند الفردوس” رقم/3776

[2]  رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في الأوسط، وحسنه الهيثمي والألباني.

[3]  القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، حققه، الدكتور الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، ط1، 1425 هـ

[4]  ثبت من كلام عبد الله بن عمرو بن العاص، كما في زوائد مسند الحارث للهيثمي بلفظ: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا”.

[5]  عنْ ابْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِمَنْكِبِي، وَقَالَ: “كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ”. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: إذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِمَرَضِك، وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك” رواه الإمام البخاري، رقم 6416.

[6]  ابن الجوزي أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي، المدهش، 1/198 199، تحقيق مروان قباني، سنة النشر: 1426 ه/ 2005م، المكتبة الوقفية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: