النفوس الكبار

إن النفوس الكبار تتعب في مرادها الأجسام، وبالتالي تصاب بالأسقام، فكلما عظمت الهمة وكبرت النفس تعب الجسم في تحصيل مرادها؛ لأنها تروم طلب معالي الأمور، وتكره دنيها وسفسافها.

إنَّ عَلياتِ الأمورِ مَشوبةٌ … بِمستودَعَاتٍ في بُطونِ الأساوِدِ

وإذا كانت النفوس كبارا … تعبت في مرادها الأجسام

وقول الخاسر:

من راقب الناس مات غماً … وفاز باللذة الجسور

أخذه من قول بشار:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته … وفاز بالطيبات الفاتك اللهج

من رزق همة عالية يعذب بمقدار علوها كما قال الشاعر:

وإذا كانت النفوس كباراً … تعبت في مرادها الأجسام

وقال الآخر:

ولكل جسم في النّحول بليةٌ … وبلاء جسمي من تفاوت همتي

والدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي، فينبغي لذي الهمة أن لا يقصر في شوطه.

فإن سبق فهو المقصود. وإن كبا جواده مع اجتهاده لم يلم.

وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ : وَالْحَمْدُ شَهْدٌ لَا يُرَى مُشْتَارَهُ يَجْنِيهِ إلَّا مِنْ نَقِيعِ الْحَنْظَلِ غُلٌّ لِحَامِلِهِ وَيَحْسَبُهُ الَّذِي لَمْ يُوهِ عَاتِقَهُ خَفِيفَ الْمَحْمَلِ وَقَدْ لَحَظَ الْمُتَنَبِّي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : لَوْلَا الْمَشَقَّةُ سَادَ النَّاسُ كُلُّهُمْ الْجُودُ يُفْقِرُ وَالْإِقْدَامُ قَتَّالُ وَلَهُ أَيْضًا :

وَإِذَا كَانَتْ النُّفُوسُ كِبَارًا تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ وَالدَّاعِي

إلَى اسْتِسْهَالِ ذَلِكَ شَيْئَانِ : أَحَدُهُمَا : عُلُوُّ الْهِمَّةِ .وَالثَّانِي شَرَفُ النَّفْسِ .

أَمَّا عُلُوُّ الْهِمَّةِ فَلِأَنَّهُ بَاعِثٌ عَلَى التَّقَدُّمِ وَدَاعٍ إلَى التَّخْصِيصِ أَنَفَةً مِنْ خُمُولِ الضَّعَةِ ، وَاسْتِنْكَارًا لِمَهَانَةِ النَّقْصِ .

وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا ، وَيَكْرَهُ دَنِيَّهَا وَسَفْسَافَهَا } .

عَنْ فَاطِمَةَ بنتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ حُسَيْنِ بن عَلِيٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وأَشْرَافَهَا ، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا “المعجم الكبير للطبراني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: