المسجد واحتضان سُـنة الاعتكاف

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

المساجد بيوت الله، أمر الله عز وجل أن تطهر ويُـرفع من شأنها، وتعمر بالذكر والعبادة وما ينفع المؤمنين في دنياهم وآخرتهم، قال تعالى: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ”[1].

والمسجد هو نسبة إسلامية لمكان العبادة، وهذه التسمية أخذت معنى الأصل الذي اشتقت منه الكلمة، وهو السجود الذي يعني الخضوع الكامل لله سبحانه، ذلك الخضوع الذي يأخذ أسمى صورة في الصلاة، وفي ذلك الركن الخاص منها الذي نقل إليه لفظ السجود فكأن الصلاة أخص ما بني له المسجد، ومن أخص وظائف المسجد احتضان الاعتكاف،

وسأتناول في هذا الموضوع النقاط الآتية:

– الشباب والمسجد

– تحرير المساجد

– سنة الاعتكاف

1- الشباب والمسجد:

يؤكد علماء النفس أن مرحلة المراهقة والشباب هي الفترة التي يكون فيها الدين بالنسبة إلى الإنسان هو المتنفس الذي يحقق الأمان والطمأنينة، والمخرج من المشكلات الانفعالية والضغوط النفسية، ونحن في هذا الزمان، وقد كثرت الملاهي والمغريات والشهوات المحرمة التي تفسد أخلاق الشباب، ينبغي توجيه الدروس والمواعظ في المساجد والتركيز في خطب الجمعة على قضايا الشباب، وتنظيم نشاطات متنوعة وبرامج هادفة تتصل بهم وبقضاياهم، وتشغل أوقاتهم بما ينفعهم.

والمسجد له تأثير بالغ في حياة الشباب، ويمكن أن يقدم لهم ما عجزت عن تقديمه المؤسسات الأخرى كالمدرسة ووسائل الإعلام، لذا يجب تحرير المساجد لتكون ملاذا للشباب، تحتضنهم وتبني شخصيتهم؛ الشخصية المؤمنة، الصادقة، الصالحة، النشيطة، المتميزة، المنتجة، المجاهدة، الواعية بمسئوليتها.

لكن أريدَ للشباب اليوم مـلء المقاهي والاشتغال بالملاهي، وصُرف عقله وجهده إلى أمور تافهة لا تنفعه في دنياه ولا تغني عنه شيئا في آخرته، ووجهت أوقاته إلى أعمال تضره وتضر أسرته ومجتمعه ومستقبله.

وقد كان شباب الصحابة رضي الله عنهم يلازمون المساجد، يقومون الليل ويتدارسون القرآن ويصلون ويذكرون الله تعالى، فكان المسجد حينئذ منبرًا لمناقشة بعض المشكلات والقضايا الخاصة بالشباب، وكيفية اغتنام أوقاتهم واستثمارها بكافة الوسائل المشروعة وجدانا وسلوكا، جدية وترويحا، علما وعملا. ومع هذا كانوا فرسانا بالنهار؛ طلبا للعلم وطلبا للرزق، وجهادا ومجاهدة، ويكفي شبابنا فخرا أن الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنه، الذي قاد جيشًا فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يبلغ عمره حينئذ العشرين سنة، وقد تربى في أحضان المسجد، هو وغيره من شباب المسلمين.

2- تحرير المساجد:

إن من آداب الإسلام وأخلاقه؛ إشاعة روح الأخوة والمحبة والمساواة بين أفراد المجتمع، وذلك لا يتسنى غالبا إلا في المسجد حيث يتلاق المسلمون يوميا ومرات متكررة؛ يعبدون الله تعالى، ويتزاورون ويتناصحون، ويقفون صفوفا متراصة بين يدي الله عز وجل، يصلون ويذكرون الله تعالى ويتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، فتنزل السكينة وتجتمع القلوب، ويتعلمون معاني المحبة والأخوة والإيثار.

لكن تقلص دور المسجد شيئا فشيئا، وغُيبت أدواره اليوم بعد أن صارـ لأسباب وأهداف معروفة ـ مكانا للصلاة فقط، دون أن يمتد دوره إلى الوظائف الكبرى.

لذلك ينبغي تحرير المسجد ليقوم بأدواره كاملة وليعود كما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح؛ مقاما لذكر الله تعالى، ولأداء الوظيفة الاجتماعية والقضائية ومكانا للتربية والتعليم والإعداد للجهاد، ومن أجل أن “يُـعاد للمسجد دفء الحياة، حرارة الحركة، من برودة الهجران، وجمود العادة. يعمر المسجد بالتلاوة والعلم، ويطهر لذكر الله، ويجمر ويُـعتنى به، وينزه عن اللغو واللغط، ويحتفل لدخوله بالزينة السنية، والنظافة والطهارة وطيب الريح، يمشي إليه في ظلم الليل وضحوة النهار، يعمره الرجال والنساء، والشباب”[2].

فمن العار أن يُغيب دور المساجد وتعطل وظائفها، وقد ظهر الأثر السلبي واضحا على مستوى الفرد والجماعة وفي كل مجالات الحياة، وللأسف لازالت الجهود حثيثة للتضييق عليها وشل وظيفتها وتحجيم دورها.

3- سنة الاعتكاف:

أصل الاعتكاف طول المكث والبقاء ولزوم المكان، وهو في الشرع: لزوم مسجد لطاعة الله عز وجل. وقيل: “الاعتكاف هو الاستقامة على الشيء، فقيل لمن لازم المسجد وأقام العبادة فيه؛ عاكف، ومعتكِف”[3].

والاعتكاف في المساجد سنة مشروعة ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فـقد واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه من بعده، عن أمنا عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده”[4]. قال أبو داود: عن الإمام أحمد لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أن الاعتكاف مسنون. ففيه “يجمع القلب على الله تعالى بالخلوة مع خلو المعدة والإقبال عليه تعالى والتنعم بذكره والإعراض عما عداه”[5].

والاعتكاف يكون في المسجد الذي تصلى فيه الفروض الخمسة، قال الله تعالى: “ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد”[6]، فـدل عموم قوله تعالى: “في المساجد” على أنه جائز في كل مسجد. ويستحب أن يكون في مسجد جامع، حتى لا يحتاج المعتكف إلى الخروج للجمعة.

لكن إذا تعذر ذلك لسبب من الأسباب، تنظم الاعتكافات في البيوت إذ تدخل في المفهوم العام للمسجد حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا”، كما في صحيح البخاري؛ عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي؛ نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأينما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تَحل لأحد من قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة)[7]. وهذا من خصائص هذه الأمة، قال القاضي عياض: لأن من كان قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته.

فالأساس أن تتحقق مقاصد الاعتكاف، ومنها:
– الانجماع على الله تعالى.

– حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات.

– التقلل من المباح، والزهد في كثير منها، مع القدرة على تناولها.

– إصلاح القلب، ولـمُّ شعثه بالإقبال على الله تعالى.

– الانقطاع إلى العبادة الصرفة من صلاة وذكر ودعاء وقراءة قرآن.

– تحري ليلة القدر.

خــاتمـة:

المسجد –كما رأينا- مؤسسة ﺇسلامية، علمية عملية، تعليمية تربوية، اجتماعية، جهادية سياسية، فيه تتصافى القلوب وتتآلف، وتزول الفوارق الطبقية، لذلك كانت له وظائف عظيمة وشاملة لكل مجالات الحياة؛ فاحتضن الشباب وأحيى الأمة، وظل ملاذا للقائمين والقانتين والمعتكفين.

لكـن المتأمل في حال مساجد المسلمين ـ اليوم ـ يدرك الهوة بين الدور المنوط بها والواقع الذي تعيشه، لذلك أصبح من الواجب على المسلمين أن يحرروا المسجد من ربقة الاستكبار والأهواء والنزوات الفردية والجماعية حتى يكون منارا للهدى والإرشاد، ويحتضن الاعتكافات، وترجع له روحه، ليعود كما كان من قبل؛ مركز حياة المسلمين الاجتماعية والسياسية، مركز حياتهم الروحية قبل كل شيء. فيه يُـذكر الله ويُلقَّى العلم بالله وبشريعة الله، فيه الصلوات الخمس جماعة. فيه الجمعة وخطبتها. فيه اللقاء الطارئ والمشورة. وإليه يعود الفضل في تربية روح الخشوع والتقوى والأخوة والتعاون والولاية بين المؤمنين والانتماء إليهم.

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – سورة النور، من الآية: 36.

[2] – المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين، الصفحة: 285.

[3] – ينظر لسان العرب لابن منظور، باب: عـكـف، ج:9/ص:255. (طبعة دار صادر، 1414هـ)

[4] – رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها، حديث رقم:2026.

[5] – ينظر: سبل السلام للصنعاني، ج:2/ص:352. (طبعة دار الفكر، 1411هـ)

[6] – سورة البقرة/ 187.

[7] – رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: التيمم، باب (دون عنوان) حديث رقم: 335.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: