العيد المقاصد التربوية والسياسة

مقدمة:

يقول الإمام الشاطبي – رحمه الله -: “إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا”. 1

فما من أمر فرضا كان أو ندبا ولا نهي حظرا كان أو كراهة إلا والقصد مصلحة تجلب أو مفسدة تدفع. قد يدركها العباد وقد تقصر عقولهم عن إدراكها بيد أن الإيمان بالله رب العالمين والتسليم المطلق له يجعل المؤمن يتلقى أمره ونهيه بمنتهى الثقة والرضا.

ومن أعظم شعائر الدين شعيرة العيد التي رتب الشارع عنها مصالح عظيمة تتعلق بالفرد في خاصية نفسه في دنياه وأخراه وبالأمة في عمومها. أو فلنقل هي مقاصد تربوية وأخرى سياسية.

المحور الأول: المقاصد التربوية للعيد:

أولا: التعبد لله رب العالمين

يذكر الشاطبي رحمه الله أن المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله اختيارا، كما هو عبد لله اضطرارا. 

هذا المقصد ترومه كل أحكام الشريعة ويظهر جليا في العيد فبعد أن تعبد المسلم لله بالإمساك عن المفطرات في أيام رمضان هاهو يتعبد له بالفطر فيحرم عليه الصوم يوم العيد ويسن له الإفطار قبل الذهاب إلى المصلى في الفطر وتأخيره في الأضحى. إن الإسلام يربينا على أن تكون أعمالنا عبادة لله تعالى لا بل عاداتنا بل غرائزنا أكلنا وإمساكنا فرحنا وحزننا هزلنا وجدنا ” وفي بضع أحدكم صدقة “2، قال الله تعالى: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

ثانيا: الفطام عن المألوف

العيد خرق للمألوف: صلاة في غير الوقت المعتاد للصلاة وفي غير المكان المألوف – في المصلى – وعلى غير الكيفية المعهودة سبع تكبيرات في الأولى وخمس في الثانية. خرق للمألوف حتى في الطريق تذهب من طريق وترجع من أخرى. والمقصد الأسمى أن يتحرر المسلم من عاداته فيكون عبدا لله وحده.

ثالثا: التوافق مع عالم الغيب والشهادة

المؤمن يسير في توافق تام مع عالم الغيب والشهادة فهو في العيد يبكر للمصلى بعد أن تنظف وتطيب متشبها بالملائكة التي ستستقبله في المصلى وتسجل اسمه في لائحة الحضور. يمشى في سكينة رافعا صوته بالتكبير والتسبيح كما هي الأكوان كلها تسبح.

قال تعالى: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ الأنبياء

فإذا خطب الإمام أنصت كما هي الملائكة تنصت للذكر وتطوي الصحف ” فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ. ” 3

فإذا قضيت الصلاة عاد على غير الطريق التي أتى منها لتشهد الطريقان.

رابعا: الفرح القرآني لا القاروني

يفرح المسلم في العيد امتثالا للأمر القرآني: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) يكون فرحه قرآنيا لأنه ينسب الفضل لمولاه إذ وفقه أن صام رمضان وقامه يتبرأ من حوله وقوته فلا ينسب لنفسه شيء حذرا من فرح قارون “إنما أوتيته على علم عندي” القصص.

خامسا: السمت الحسن والزيال عن الباطل وأهله

السمت تميز في الظاهر والباطن وجمال في الشكل والمضمون.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يرى الناسُ جمالَ الإسلام وعظمته ويسره ووسطيته من خلال إظهار شعائر الله ومن خلال أعمال المسلمين وسمت المؤمنين.

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: ” كَانَ الْحَبَشُ يَأْتُونَ، فَيَلْعَبُونَ بِحِرَابٍ لَهُمْ… فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِيَعْلَمَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنْ فِي دِينِنَا فُسْحَةً ” 4.

المحور الثاني: المقاصد السياسية:

أولا: العيد إظهار لقوة المسلمين وعزتهم

في الصحيحين أنه عليه السلام أمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيدين، وأمر الحيض وربات الخدور بالخروج إليهما 5

يأمر النساء بالخروج إلى المصلى ويأمر الحيض تكثيرا لسواد المسلمين. أقول هذا كان يوم كان للمرأة دور في بناء الأمة وتحقيق عزتها قبل أن يعزلها الفقه التابع لهوى الحاكم ويجعلها عورة وعالة.

إنه لمشهد عظيم أن يجتمع المسلمون في صعيد واحد رافعين أصواتهم بالتكبير صفوفا كأنهم بنيان مرصوص. مشهد يسر الناظرين ويغيظ الماكرين. يبعث على المحبة والتقدير للمسلمين في نفوس الناظرين من خارج أسوار الأمة ويقذف الرهبة في قلوب المتربصين. لعله يكون رادعا لكل من سولت له نفسه أن يمس الأمة بسوء.

وإن في التكبير لعبرة. التكبير هو رمز للجهاد ولقوة المسلمين وإن زعم الزاعمون وان اختطفه من أساؤوا فهم الجهاد فجعلوه نقمة على المسلمين وغيرهم.

قال تعالى: “وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

ذكر البخاري أن عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، « كان يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المَسْجِدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا» وَكُنَّ«النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ في عهد عمر بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي المَسْجِدِ. 6

ثانيا: العيد سلام في غير ضعف

عقد البخاري رحمه الله في صحيحه بابا ترجم له بقوله: “باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم”.

وأورد فيه حديثا: عن ابن عمر وكان قد أصيب في رجله برمح فجاء الحجاج الثقفي يزوره فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: ” أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلاَحِ فِي يَوْمٍ لاَ يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ ” يَعْنِي الحَجَّاجَ.

يريد الإسلام أن يكون العيد باعثا على الأمن في نفوس الناس ويريد الطغاة أن يرهبوا الناس لتثبت عروشهم وأنى لهم أقول هذا بمناسبة فض اعتصام السودانيين في الخرطوم يوما واحدا قبل العيد أسوة بعسكر مصر حين سفكوا الدماء أياما قبل عيد النحر في رابعة . يحادون الله ورسوله فلا يهنؤون إلا بإراقة مزيد من دماء العباد في العيد فينفذون الإعدامات فيه كلهم مقتد بالحَجّاج.

مشهد اجتماع المسلمين في المصلى يرمز إلى قوة المسلمين كما أن كراهة حمل السلاح في العيد تدل على أن الإسلام دين سلام للناس أجمعين ولخلق الله كلهم.

الهوامش:

1- الموافقات (ج 1 ص 334)

2- صحيح ابن حبان

3- متفق عليه

4 – أَخَرَجَهُ مُسْلِمُ.

5 – متفق عليه

6 – أخرجه البخاري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: