fbpx

الدّعوة غاية الخلق (الحلقة 11): “جهاد التّرجمة”

في حلقة “بلسان قومه” حذرنا من أن عدم وضع الترجمة كأولوية في البلدان النّاطقة بلغات غير العربية قد تؤدّي إلى أخذ شباب الصحوة من كتب معيّنة.. بسبب أنها مترجمة.. متوفّرة في السّوق..

لقد قام المستشرقون بعملهم كما فعل النصارى وكما يفعل اليهود.. فهل قمنا بدورنا؟.. ليس تماما..

 

إن كتبا من هذا النّوع (أعني بعض كتب التصوّف) مترجمة إلى لغات أوروبية ومتوفّرة.. ذلك أن المستشرقين والمستعمرين يموّلون الكتب التي قد تظهر -لمن لم يباش قلبه نور الله- أنها تدعو للدّعة والتّواكل وعدم العمل…

وماذا تريد الأنظمة المستعمرة والمستبدّة المحليّة أكثر من إسلام فيه انعزال وذكر لكنّه لا مشاركة فعّالة له في الحكم أو في المطالبة بالعدل.. كلّ العدل: قضائيا كان أو اقتصاديا-ماليّا-اجتماعيا.. أو سياسيا.. يهتمّ بأمر المسلمين والمستضعفين..

كيف.. والحديث يحذِّر من لم يهتمّ بأمر المسلمين ؟..

 

لست ممن يحبّ أن يشكوَ أو أن يُلصق أخطاءَه بالغرب جملة ً–لا لبراءة الغرب.. بل لبداهة المسألة أوّلا ثم لعدم جدوى الشكوى إن لم يتبعها عمل براغماتي بناء-

ما فعلته في حواري مع صاحبي لم يكن مجديا في نظري ليُـثـنِـيـَه عن قراءة كتب التصوّف وحدها.. نصف سويعة من الحوار ربّما كانت غير كافية في مواجهة 450 صفحة.. كتبها حكيم في زمانه لأهل زمانه (كتبه في القرن 13).. كيف وأنا لا أملك البديل.. ليس لي ترجمة لكتاب “الإحسان” أو حتى لفقرات منه تشفي غليل صاحبي..

تحسرت.. لِمَ قرأ “تنوير” السكندري ولم يصله –كاملا بعدُ- “تنوير”[1] الإمام عبد السلام ياسين (كتبه في القرن 21)..؟؟

تحسرت.. لكنّي نصحته بأن يبحث عمن يتكلّم العربية من أهل الإيمان في بلده –أة في بلد مجاور- ليبدأوا في ترجمة فقرات من كتاب “الإحسان”.. في انتظار أن يترجم الكتاب كاملا.. وأن يترجم هو هذه الدّرر من التّرجمة الإنجليزية –بتدرّج- إلى “النيبالية”.. لسان قومه.. فالترجمة جهاد..

فإن عز التطوّع.. استأجر من يترجم.. فكان الجهاد بالمال أجدى.. وأسرع..

 

فالترجمة في تلك الرّبوع حيث لا عربيّة تسمع.. جهاد..

نعم الترجمة جهاد.. قال الإمام المجدّد رحمه الله مستحثا وناصحا بل ومعطيا أسماء كتب كان يريد ترجمتها:

وعلينا أن نحارب الكفر بترجمة كتب أمثال سولجنتيسين الذي فضح النظام الستاليني القائم على الإماتة والتعذيب. وكتاب أخير أخرجه فوسلونسكي، وكان من علية القوم، بعد هروبه من «جنة» ماركس عنوانه «نؤمنكلوترا». كاف وحده لدحض مزاعم الإديولوجية أنها تحرر الإنسان.”..[2]

 

الترجمة = محاربة للكفر = جهاد..

كتب هذا في 1979..

قرأنا الوصيّة.. وكان فينا من يتقن الروسيّة والانجليزيّة.. وفينا من عنده من المال الكافي ليستأجر من يترجم الكتابين.. وكتبا أخرى.. وهو ثمن رحلة إلى بلد ما يمكن إرجاؤها.. ولو لسنة واحدة على الأقلّ.. وفي هذا الإرجاء أجر كلّ من قرأ كتابا مثل “الإحسان”[3] بلغته إلى يوم الدّين..

لا أظنّ أن أحدا نفّذ الطّلب في وقته..

لكنّ الرجل لم يتوقّف..

رجل وأيّ رجل..

نفّذ الفكرة بنفسه.. بعد عشر (10) سنين.. ترجم لقومه –بلسانهم- أحسن المقاطع من “أرخبيل الكولاج” لسولجنتسين سنة [4]1989  ..

بل سجّل الرّجل بالأمازيغية لقومه –بصوته- مدخلا حول المنهاج النّبوي..

وكتب بالفرنسيّة.. وترجم بعض أتباعه بالإيطالية والفرنسية والانجليزية والأوردو ولغات أخرى..

وما كتبت إلا للتذكير بأولوية الترجمة في الدّعوة للتسريع بها.. فمنّا من لا يعرف العربية.. فيذهب يأخذ ظاهر الإحسان مما هو متوفر من ترجمات المستشرقين لكتب المتصوفين المبهم أسلوبها، المتجاوزة طرقها.. في غياب ترجمات لمباحث كتاب الإحسان..

 

في شهر ديسمبر2012 في بهو فندق ما بإستنبول.. كان محاضرون  في انتظار الحافلة التي كانت ستقلّهم إلى المطار.. كان بقربي باحث كبير في علوم التصوّف[5].. كاتب الدراسات المشهورة التالية:

–       ” Soufisme aux premiers temps de l’islam”

–       و”Qu’est-ce que le soufisme ?”

أردت أن أحدثه عن كتاب “الإحسان” الفريد.. فبدأت النّقاش حول تخصّصه هو.. وبما أن زادي من علوم التصوّف جدّ محدود.. طلبت منه 3 دقائق من وقته فأجاب أن نعم.. وكان يتكلم الفصحى.. فقرأت عليه مقدّمة “الإحسان” وهو مطرق رأسه في تركيز بادٍ.. فلمّا انتهيتـ، رفع رأسه وقال لي بفرنسية لا زلت أذكرها:

“لو كنت مكانكم لترجمت هذه المقدّمة إلى كل لغات العالم.. إنها وافية كافية”

 

كل لغات العالم..

 

قالها الإمام  يوما.. في أحد لقاءاته التي أدارها باللغة الفرنسية[6].. أحاةل ترجمة مقتطف منها:

“إن لنا رؤية وتصوّرا للعالم ووعيا بأنفسنا مختلفا عمّا يراه الناس الذين نخاطبهم.. سواء هنا بالمغرب أو خارجه.. إن الناس الذين لم يصلهم نور الإسلام والإيمان يكدحون في مشاكل أرضية.. يثّاقلون إلى الأرض فرحين بحياة خمول لا معنى لها وبفكر لم ينتبه بعدُ إلى كونه انتهى إلى طريق مسدود.. نحاول إذا تبليغ رسالتنا باستعمال هذه اللغة الأجنبية.. أعني الفرنسية..”

“كنت أود أن أتحدث بلغات أخرى.. أن أبلّغ بلغات أخرى..

بكل لغات العالم..

لأخاطب الإنسان..”

 

كل لغات العالم..

فلنفهم..

ولننفذ..

كل حيث هو..

بلسان قومه..

ليبيّن لهم..

[1]   “تنوير المؤمنات” وقد ترجمت منه أجزاء مؤخّرا إلى الفرنسية ةالانجليزية

[2]  المنهاج النّبوي –عبد السلام ياسين  صفحة 428

[3]  كتاب الإحسان للإمام المجدّد عبد السلام ياسين

[4]   أنطر كتاب الإسلام وتحدّي الماركسية اللينينية للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

Khassim DIAKHITE et Khassim Diakhaté est enseignant à l’Université Cheikh Anta Diop de Dakar (Sénégal) [5]

le devenir de l homme part 1 2 abdessalam yassine en francais[6]

 (https://www.youtube.com/watch?v=8mMzFVDpl3g)

ملحوظة: تعمدت تغيير بعض الأسماء في المقال..

اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: