الدّعوة غاية الخلق (الحلقة 10): “بلسان قومه”

 

لا أدخل العالم الأزرق إلا حين أريد نشر فكرة ما..  استعمله للدّعوة ولا أتركه يستعملني فيستعبدني.. لا أبقى فيه كثيرا لأنه كالقمار يغري “بأرباح” صغيرة تجعلك تخسر في النهاية وقتا ثمينا.. 

أثناء دخولي، أتوقف بعض الوقت لأقرأ بعض التدوينات التي قد تفيدني في مشاريعي..

ما يثيرني أن بعض هذه التدوينات مكتوب من خارج المغرب.. لكن لا أفهم لِمَ يصرّ كاتبوها على أن يدوّنوا بالعربية دائما (فصحى ودارجة) عدا أنّ بعضها يخص الشأن العام المغربي ؟؟؟.. وكأن الناس لا قوم لهم هناك ليخاطبوهم.. حيث هم.. وكأنه لا شأن هناك يعنيهم.. وكأن لا أحد هناك ينتظر منهم دعوة.. آية.. حديثا.. نصّا مترجما من مراجعهم.. بلغته.. التي صارت لغتهم عندما هاجروا..

جاء في محكم الذّكر: )وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [1]

قال القرطبيّ “ولا حجة للعجم وغيرهم في هذه الآية، لأن كل من ترجم له ما جاء به النبي – صلى الله عليه وسلم – ترجمة يفهمها لزمته الحجة”..

يستحبّ أن يكون الدّاعي إلى الله المقيم في قومه.. “منهم”.. وأن يتكلّم لغتهم.. أي ثقافتهم.. يعرف طرائفهم.. وخصوصياتهم.. ليبيّن لهم..

 

الترجمة = حجّة..

 

وقد طلب رسول الله النبي – صلى الله عليه وسلم- من بعض الصحابة تعلّم لغات من عايشوهم من الأقوام.. فتعلّم  أحد كتاب الوحي، سيدنا زيد بن ثابث رضي الله عنه  –مثلا- السريانيّة.. إحدى لغات يهود..

 

أرجأت هذا الموضوع مرارا.. وأسررت .. ودوّنت ثمّ حذفت .. لأن الأمر لم يكن يعنيني مباشرة.. لكن حدث ما دفعني لكتابة هذا المقال..

 

منذ شهور.. قابلت أخا لي في الصحبة وهو من بلاد النيبال البعيدة.. قال لي إنه يقرأ كتبا من كتب الصّوفيّة كان آخرها ترجمة[2] لكتاب “التّنوير في إسقاط التدبير” لابن عطاء الله السكندري..

إن الطبيعة لا تحبّ الفراغ.. فلعدم وجود ترجمات لبعض كتب.. قد يرتمي طالب الإحسان في أحضان كتب القوم بلا خبرة وبلا دليلٍ خبير.. سيما وأنّه محاط بأصحاب الفتح الظـُّـلماني من أصحاب الرياضات والروحانيات التي يحبها الشيطان وإن كانت تغري أسماؤها بعض النّاس..

هذا ما أخافني وجعلني أفكر أن أولى الأولويّات هو ترجمة فكر الإمام لينهل منها محبّوه  عبر العالم مباشرة بلغاتهم.. وبلا وسائط.. ولنجنّبهم عثرات الفهم عن السّادة الصّوفية سيما ولغة القوم غير لغة العامة..

قد لا يجادل عاقل في حكمة السكندري رحمه الله.. لكن عنوان الكتاب قد يبدي غير محتواه تماما.. وقد يتعدد فهم محتوى مثل هذه الكتب بتعدد قارئيها واختلاف أحوالهم ودرجات إيمانهم..

كيف وإن أضفنا إلى ذلك أن من يترجم بعضها لا دين له أصلا وإن ادّعى الإسلامَ، دينَ الفطرة السليمة والفروسيّة والرجولة القويمة القوّامة والأنوثة الكاملة الحافظة.. دينَ الله الذي خلق الزوجين الذّكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى..

أقول يدّعي الإسلام.. لأنه في هذه الحالة بالضبط يتمسح مترجم كتاب السكندري بالإسلام.. إنّ “سكوت كوغل” الذي ترجم الكتاب إلى الانجليزية يدافع عن حق “المثلية الجنسية” ويريد -بل ويكتب الكتب[3] ويحاضر- ليحاول أن يوفّق بين هذه الفاحشة-الجهالة-الرجس وبين الإسلام النقيّ الطّاهر.. يحوّر الأحاديث المنكِرة على الفسّاق الذين لا يتطهّرون ويضعّفها.. متناسيا أن القرآن الكريم قد وثّق حكم الله في هذه الكبائر: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)..[4]

لا يهمّني سكوت بقدر ما يهمني من يقرأ ترجمة مرت بين يديه.. ولا أهتم إن كان من هؤلاء الأقلّية من يدافع عن حقّ كل الأقليات بما فيهم أقليّات المسلمين في هذا البلد أو ذاك.. لن يفيدني دعمهم.. ولا يشرّفني أن أنتصر بهم.. كيف والغد للإسلام..  بل كيف أجيب إن طالبوني بدعمهم كِفاءً..

(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)..[5]

 

أقول كيف يذوق من هذه صفتـُه ذوقَ السكندري.. وأنّى له أن يُلهم قراءةَ ما بين سطور الأولياء بله استنباطَ ما في صدورهم.. أنّى لمن أفسد فطرته أن يلبس حال الحكيم القائم الصائم الطاهر المتطهّر..   

ثم إن كتب القوم يصعب فهمها بلغتها الأم فكيف إن ترجمت ثم ترجمت ترجمتها.. كيف تتحمل لغات أرضية روح الإيمان ونوره كما تستطيعه لغة القرآن؟

 

كنت قطعت تماما صلتي بالكتب الصّوفية منذ قرأت كتاب “الإحسان” للإمام عبد السلام ياسين.. فهو يمتح من لغة القرآن مباشرة ومن لغة الحديث الشّريف ومما وضح من لغة أكابر القوم.. كتاب رائع.. متوازن.. وسط..  كما هو الإسلام.. لا غموض فيه ولا غلوّ ولا تفضيل لطريقة في التقرّب إلى الله يصعب على القارئ نسبتها –بلا تكلّف- إلى سنّة رسول الله في عمله وحاله وحلمه وبساطته وبسطته وبسطه وسلاسة وفطرية أسلوبه في تعامله مع ربّه وملائمة شرعته لكل الناس ولكل الشعوب والملل عبر العالم..

تحسّرت وخفت أن ينحرف فهم صاحبي حديثِ السنّ.. حديثِ الإسلام.. سيما وهو ميّال إلى تشوّف حال أولياء الله والبحث عن قصصهم..

في طريقنا إلى المطار حاولت أن أترجم لصاحبي -بالاعتماد على الذاكرة- مبحثا في المجلّد الثاني لكتاب “الإحسان” عنوانه “التكسّب” وهو عنوان ما كنت لأتخيّل وجوده في كتاب حول الإحسان.. لأريَه كيف يجمع الإمام المجدد بين طِلبة الرّوح وضرورة الطّين.. بين الإحسان و الاستخلاف.. بين العدل والإحسان.. بين الدّعوة والدّولة..

تذكّرت ما جاء في كتب الإمام.. من أنه لا قيام للإسلام بلا مال.. وبلا تصنيع.. وبلا تخطيط.. وبلا اقتصاد.. وبلا تدبير.. كل هذا التخطيط الحازم.. مع التسليم..

قمت بما كان متاحا لي القيام به.. وكنت أراني كمن يصب قطرات ماء قليلة على جمرة من انبهار من قرأ كتابا حديثا..

استنفذت جهدي كلّه.. لكن الطائرة لم تسعفني..

 

تساءلت أين هو الخطأ ؟ وكيف نصححه ؟

بل لمَ لم يبحث عمن يعرفون العربية في بلاده ليترجموا له؟

حتى وإن كلّف الأمر مالا..

لِمَ رضي بالنهل مما دون النبع؟

وما حال من هم على شاكلته ؟

 

ألاف عبر العالم ينتظرون ..

[1]   سورة إبراهيم  – آية 4

[2]  The Book of Illumination – (Kitab al-Tanwir fi Isqat al-Tadbir) AUTHOR: IBN ATA’ ALLAH AL-ISKANDARI TRANSLATOR: SCOTT KUGLE

[3]  Homosexuality in Islam: Islamic Reflection on Gay, Lesbian, and Transgender Muslims-  SCOTT KUGLE

[4]  سورة النّمل – آية 54-55

[5]  سورة القلم – آية 9

ملحوظة: تعمدت تغيير بعض الأسماء في المقال..

اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: