الدعوة غاية الخلق (الحلقة ٢): بين “الانسان” و”الانعام”..

في محاضرات حول التخطيط الدعوي والشخصي عنوانها “كيف تخطط لتضاعف عدد سنين عمرك أضعافا كثيرة” (vivre plusieurs vies).. أسأل سؤالا غريبا.. محرجا ومستفزا للبعض.. لكنه سؤال ليس بالسهل ولا بالبديهي حتى نغفله.. وقل من يجيب عليه..

السؤال هو بكل بساطة: “ما الفرق الوحيد بين الانسان وباقي الكائنات الحية على الأرض؟”..

ولا أفهم تحرج البعض من السؤال واستعلاءهم فالكائنات الحية أمم أمثالنا..
وكم من ولي لله تعلم من الحشرات والحيوانات دروسا.. وفي القرآن المقدس سور تحمل اسم البقرة والانعام والنمل والنحل والعنكبوت وذكر للكلب والحمير البغال والطيور وما إلى ذلك من الدواب والهوام.. (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)..

أمم أمثالنا.. فكفانا استعلاء..

المهم أنني أزيد السؤال صعوبة حين أقول لهم أنه حتى نزول الوحي لا يميز الإنسان عن الكائنات الأخرى.. (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)..

فتأتي الأجوبة بلا دليل عدا بعض الظن المزعوم بتفوق الانسان في بعض المجالات.. كالبناء والنظر إلى المستقبل واللغة والتفكير والاستنتاج وحرية القرار والضمير والوعي بالكائنات الاخرى.. بل حتى قدرة المشي على قدمين.. وما إلى ذلك من الاجوبة الخاطئة.. إذ لا دليل مع من يقولها.. بل كلما جاءتنا أمثلة نأتي بأمثلة مضادة لها.. ومنها:

– البناء: فالنمل يبني منازل أطول من ناطحات سحاب الإنسان إذا ما قيست بطوله.. وطرقه ومساكنه أشد دقة وتطورا من بعض بناياتنا وطرقنا..
– اللغة: وكل الكائنات لها لغة للتواصل وقد تكون أجدى للتبليغ كالنمل والنحل وحتى النباتات.. ناهيك عن الطيور التي بالاضافة إلى لغتها الأم تحاكي لغة الإنسان.. كالببغاءات..
– الضمير الحي: إن عدد قتلى الإنسان للإنسان بدون داع طبيعي في القرن الماضي جاوز المليار.. ولا تقتل الحيوانات بعضها بإسراف كما يفعل البشر حقدا أو هوى بل لداع طبيعي كالتغدية.. أضف إلى ذلك الاسراف في قتل حيوانات من أجل زعانفها أو قرونها أو فروها أو عاجها.. لا من أجل أكلها.. أي ضمير يميزنا.. إحصائيا..؟
بل قد تجد اللبوءة ترضع صغير البقر الوحشي إذا ما طلب ثديها.. 
– المشي على قدمين: (وهي من مخلفات النظرية التطورية التي جعلت الاميبة سمكة خرجت من الماء فدبت ثم وقفت على رجلين!).. لكن هذا لا يمثل فرقا إذ من الدواب من يقف بل يمشي على رجلين كالكنغر والبطريق وكثير من الطيور..
– الوعي بالكائنات الأخرى وبالمستقبل: في قصة النملة مع سيدنا سليمان عليه وعلى سيدنا محمد السلام.. ١- ذكر لمعرفة النملة باسم القائد ونطقها “سليمان”.. إذ اسم العلم لا يترجم والله أعلم و ٢- معرفة بصفة من معه: جنوده و ٣- تنبؤ بالمستقبل: وقوع حادثة التهيؤ لها و ٤- وعي مزدوج أي وعي بأن الجنود لا وعي لهم بوجود النمل! بل إيجاد عذر لهم و ٥- تركيب لغوي مظبوط يقدم النتائج على السبب لعجلة الظرف ربما وسلالسة بل بلاغة لغوية دقيقة وذوق واحترام راقيان (.. يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ).. وهم لا يشعرون.. من أكثر وعيا بالآخر.. الانسان أم النملة
..؟
– التفكير وحرية القرار: انظر إلى قرار الأسود أو الذئاب أو الثعالب بالصيد وتغييره حسب الظروف واختيار الوقت والتكتيكات.. وانظر إلى حيوانات أبهرت الانسان بمكرها وذكاءها..

وتتوالى الأجوبة وتتوالى من جهتي الأمثلة المضادة حتى ينتهي الحضور إلى طلب “الفرق الوحيد” بين الانسان وباقي الكائنات.. فيأتي الجواب مفاجئا لمن لم يتعود إلا المنطق الديكارتي المحدود الذي لم يسعفه بأجوبة عن سؤالي.. :
والجواب أن “الفرق الوحيد بين الانسان والانعام هو اننا نحمل رسالة ممن خلقنا علينا أن نبلغها.. ومفادها أننا مخلوقون وأن لنا ربا وأننا إليه راجعون”..

ثم أضيف.. “إن لم نقم بهاته الوظيفة.. لم يبق لنا -للأسف- شيء يمكن أن يميزنا عن الأنعام.. “..

وإن لم نستجب لهاته الدعوة فليس هناك ما يميزنا عن باقي الدواب.. 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ .وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ)..

لكن أكثر الناس يصرون على ان يعيشوا كما تعيش الانعام لا كما يجب للانسان -خليفة الله- ان يعيش..

فكلانا -نحن والانعام- يأكل ويتوالد ويعلم ابناؤه.. ويحبهم..

ولا تستفزنكم مقارنتي هذه.. فإننا نقرأ في القرآن الكريم مقارنات من هذا القبيل ولله المثل الأعلى سبحانه:

– {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (الفرقان)

– {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لهم} (الاحقاف)

– {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} (الأنفال)

– {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأنفال)

خلاصة القول: أن ما يجعل الانسان انسانا.. هو الدعوة الى الله.. والاستجابة لها..
فلندع إلى الله لنستحق إنسانيتنا..

بقلم : مصطفى شقرون

__________________
ملحوظة: سألني بعض الحاضرين أياما بعد انتهاء المحاضرة كتابة “وماذا عن هدهد سليمان؟” فكان جوابي ١. ان الهدهد لم يكلفه الله بالدعوة أولا ٢. ولا كلفه بها سيدنا سليمان ٣. وأن مهمته كانت استطلاعية فقط فما زاد على أن أخبر رئيسه الداعي إلى الله بما شاهد ٤. وأن الهدهد لم يدع أبدا قوم سبإ الى دين الله ٥. وأنى له..

 
اظهر المزيد

مصطفى شقرون

مدقق دولي ومستشار مالي واستراتيجي 27 سنة تجربة مهنية بشركات عالمية ومحلية كبرى كمدير مالي ومدير عام سافر عبر 47 بلدا في إطار العمل والسياحة الدعوية شاعر وملحن وكاتب معد ومخرج لوثائقيات في مقارنة المعتقدات "بساطة الحق" (The truth is simple)" ومعد لبرامج تلفزية أخرى اهمها "كتب قيمة" و"فقه الريادة" و "علوم أساطير"

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: