منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحرقة عبر قوارب الموت في المجتمع الجزائري (2) -توصيف الظاهرة-

0
اشترك في النشرة البريدية

توطئة:

دُقّت نواقيس الخطر من طرف المنظّمات الحقوقية والجهات المعنية مُؤذنة بالتّزايد الرّهيب لظاهرة الحرقة (الهجرة غير الشرعية)، والتي أضحت حديث السّاعة بين مختلف فئات المجتمع الجزائري، ظاهرة لم يقتصر أمرها ووقعها على شباب في ريعان العمر بأعمار ومستويات متفاوتة، بل تجاوزته إلى فئة النّساء والأطفال ناهيك عن الرُّضع.

فقد ارتفعت وتيرة هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة لتشكّل مأساة حقيقة، جعلت من قوارب الصّيد قوارب موتٍ محقّق، نتيجتها جثث لموتى يلفظها البحر على ضفافه يوميا إضافة لمئات المفقودين في عرضه وآلاف المعتقلين من قِبل السّلطات. فهذه الحصيلة المدمّرة أصابت سهامها صميم الأمّة الجزائرية وصمّام أمانها وهم الشّباب، شباب استُنزفت آماله فآثر المضي نحو مصير مجهول طمعا في حياة أفضل متطلّعا لمستقبل زاهر وباحثا عن الرّفاه في بلد غير بلده.

ففي الفترة الآخيرة وفي غضون أشهر من هذه السنة، وبالرّغم من قساوة الظروف المناخية وتقلّبات الطقس الشتوية، ارتفع منحنى ظاهرة الحرقة، لتبلغ الجزائر فيه رقما قياسيا وصل حسب إحصائيات رسمية جزائرية سجلّتها وزارة الدفاع إلى 12700 حالة هجرة غير شرعية مابين مفقودين وموتى وحالات تمّ إحباطها.

المزيد من المشاركات
1 من 21

ومن خلال هذه الحصيلة العامّة نلحظ عودة الظاهرة بقوة، جالبة معها مآسي للعائلات الجزائرية بقدها لأبنائها، مشكّلة عائقا ووسمة عار في تاريخ حكومة تسيّر بلدا بحجم قارة بأكملها، تركه أبناؤه وخلّفوا خيراته ليبحثوا عنها في بلدان غربية…

أمّا عن إحصائيات الظاهرة بمختلف فئاتها فهذا ما سنحاول طرحه بتفصيل من خلال بيان مايلي:

1- ضبط أهمّ الموانئ والحدود التي تعتبر منافذ للمهاجرين غير الشرعيين.

2- نظرة عامّة حول الظاهرة بدءا من سنة 1990م بالجزائر.

3- إحصائيات الظاهرة بعد تجريمها قانونيا من طرف المشرّع الجزائري سنة 2009م.

أوّلا: أهمّ الموانئ والحدود الجزائرية التي تعتبر منافذ للمهاجرين غير الشّرعيين:

عموما فإنّ أوّل نقاط عبور الحرّاقة تمثّلت في الموانئ المتواجدة عبر السّاحل الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، وخصوصا موانئ المغرب العربي وتحديدا تونس، الجزائر والمغرب.

حيث كان الحراقة يهاجرون من الجزائر عبر البواخر التجارية وناقلات البترول سرّا لترسو بهم في موانئ أوروبية.

ومع بداية التسعينات (1990) تغيرت منافذ العبور لتتحوّل مباشرة عبر المحميات الإسبانية في المغرب (سبتة ومليلية)، حيث يتوجّه الحرّاقة إلى هذين المنفذين ليمكثوا فيهما وقتا ثمّ يتمّ تحويلهم إلى موانئ إسبانيا.

ثمّ بدأت عملية الحرقة في الجزائر بعد 2001م تتبنّى المراكب البسيطة ذات المحرّك الواحد، انطلاقا من الشواطئ الجزائرية الغربية باتجاه إسبانيا مباشرة، ومن الشواطئ الشرقية نحو جزر إيطاليا (جزيرة سردينيا).

وحسب ما كشفت عنه وزارة الدفاع الجزائرية فإنّ أهمّ المناطق التي تعتبر منافذ للشّباب الجزائري لتحقيق حلم الحرقة تمثّلت في السّواحل “محور الحرّاقة”، حيث أشارت إحصائيات أنّ أكبر موجات الحرقة كانت عبر شواطئ ولايات: الطّارف، عنّابة وسكيكدة شرقا، ومستغانم، وهران، الشلف، تلمسان وعين تموشنت غربا، وبدرجة أقّل ولايات الوسط كبومرداس وتيبازة.

وبذلك تعتبر شواطئ الولايات الغربية الجزائرية الأكثر استقطابا لعمليات الحرقة باتجاه اسبانيا، لقربها من الجزائر مقارنة بالشواطئ الإيطالية التي تبعد عنها.

واتخذّ الحرّاقة تلكم المنافذ الشرقية والغربية الجزائرية لاحتوائها على الخلجان والشواطئ الواقعة خارج نطاق الرقابة الإقليمية للدرك الوطني، ولبعدها عن أبراج المراقبة والمحطّات العملياتية لحرس السّواحل. كما يعتمدون على منافذ الصّيد البحري، حيث شكّلت نسبة عمليات الحرقة عبر قوارب الصيد 70% من مُجمل العمليات.

ثانيا: نظرة عامّة حول الظاهرة خلال التسعينات (1990م).

كانت الدولة الجزائرية محتلّة من طرف الاستدمار الفرنسي، ممّا أدّى إلى هجرة المواطنين إلى فرنسا بغية توظيفهم في الورشات والمصانع، وكون هذه الأخيرة (فرنسا) بحاجة إلى الأيدي العاملة، فكانت الهجرة في بادئ الأمر شرعية بخضوعها لقوانين ورقابة السلطات الفرنسية.

ومع بداية الستينات (1960م) تزايد عدد المهاجرين الجزائريين بطرق غير شرعية إلى فرنسا ليبلغ آنذاك 65%  من عدد المهاجرين الإجمالي.

وممّا لا يخفى أنّ الجزائر عاشت خلال فترة التسعينات أوضاع أمنية صعبة زيادة على الأوضاع الإقتصادية والسياسية  والاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك، ممّا أدّى إلى استمرار النّزوح حيث بلغ نسبة 70% نحو الدول الأوروبية.

ثالثا: إحصائيات الظاهرة بعد تجريمها قانونيا من طرف المشرّع الجزائري سنة 2009م.

مع بداية التسعينات شهدت دول الإتحاد الأوروبي إكتفاءا فتبنّت إجراءات قانونية تهدف للحدّ من الظاهرة، وكانت الانطلاقة باتفاقية “شنغن” التي دخلت حيّز التطبيق من 1985م، فكان لهذه الإجراءات القانونية آثار عكسية حيث استفحلت الظاهرة وأصبحت تلك الدول قبلة للحرّاقة من مختلف دول العالم ومنها الجزائر.

وبما أنّ الجزائر كانت تعتبر في نفس الوقت منطقة عبور وانطلاق ووصول للمهاجرين غير الشرعيين باعبار موقعها الاستراتيجي، صارت من أبرز الدول المعنية بمكافحة تلك المشكلة، وبتزايد عدد الحرّاقة عبر مختلف شواطئ الوطن بداية من سنة 2006م إلى غاية 2008م، خاصة شواطئ عنّابة التي أصبحت نقطة انطلاق لبلوغ الضفة الغربية، حيث بلغ عدد الحرّاقة سنة 2007م حوالي 1800 مهاجر غير قانوني، أمّا سنة 2008م وفي شهر أوت فقط تمّ إحباط 86 محاولة حرقة بينهم فتيات وقُصر، ومع بداية 2008م تمّ توقيف 800 حرّاق على طول السّواحل الوطنية وتمّ إنقاذ 301 حرّاق من موت محقّ. لتكون مُجمل الحصيلة ما بين 2006 إلى 2009 أكثر من 3400 مهاجر تمّ إنقاذهم و600 مهاجر تمّ ترحيلهم من إسبانيا نحو الجزائر في ذات الفترة، بغض النّظر عن الحالات التي استوطنت هناك.

     مع هذه الحصيلة وموازاة بتصاعد شبكات الإجرام المتخصّص في التّهجير متّخذة منها منفذا للكسب السّريع، أقرّ مجلس الوزراء الجزائري المنعقد في 01-09-2008 مشروع قانون جديد يجرّم الخروج غير القانوني من التّراب الوطني بعقوبة تصل إلى 06 أشهر سجنا للحرّاقة، و10 سنوات لمنظمي عملية الحرقة، وتضاعف العقوبة في حالة ارتكاب الجريمة من قِبل شخص يستفيد من تسهيلات بحكم منصبه كأعوان الأمن وحرس السّواحل والحدود. ووافق البرلمان الجزائري على هذا القانون ودخل حيّز التطبيق مع بداية 2009م.

    ولكن بالرّغم من تصدّي المشّرع الجزائري لظاهرة الحرقة عن طريق تجريمها بأحكام من قانون العقوبات، إلّا أنّ هذه الأحكام لم تؤت ثمارها ولم تكن كفيلة للحدّ من الظاهرة، ولا أدّل على ذلك من استفحالها أكثر، إذ شهدت السنوات بعد سنّ القانون انتشارا واسعا لها، حيث بلغت نسبة الحرّاقة سنة 2010م حوالي 62 شخصا أسبوعيا أي ما يفوق 1000 حرّاق في السنة أغلبهم من الشباب متّجهين نحو السواحل الإسبانية.

وسجّلت حصيلة ما بين 2011م إلى 2015م نحو 4900 مهاجر غير قانوني نحوا سواحل إيطاليا وإسبانيا وباريس.

وفي سنة 2016م أعلنت الرّابطة الجزائرية في تقرير لها أنّ خفر السّواحل سجّل إحباط محاولات 1300 حرّاق غير شرعي في فترة وجيزة لا تتعدّى شهرين.

ومن جانفي2017م إلى غاية ديسمبر2017م سجّلت قوّات حراسة السّواحل البحرية إحباط محاولات حرقة ل 3200 مهاجر غير قانوني من بينهم 186 امرأة و840 قاصر والبقية شباب وكهول.كما ذكر الأمين العامّ المكلّف بالجالية والعلاقات الخارجية للرّابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أنّ إحصائيات حرس السواحل لا يعكس العدد الحقيقي للحرّاقة الجزائريين، كون العدد أكبر بكثير وهو يفوق 17500 حرّاق تمكنّوا من الوصول للشواطئ الإسبانية والإيطالية، إضافة للآلاف من المفقودين.

– لتصل حصيلة سنة 2018 حسب ما كشفت عنه الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بتسجيلها رقما قياسيا جديدا في عدد “الحراقة” بحوالي 4000 محاولة تمَّ إحباطها، من بينهم 287 امرأة، وأزيد من 1100 قاصر، و3000 حالة وفاة وفقد، من الفاتح جانفي من ذات السنة إلى مطلع 2019.

كما أوضحت نفس البيانات فتح قرابة 200 قضية تتعلق بظاهرة الحرقة على مستوى العدالة في 2018.

خاتمة القول:

بعد عرض هذه التقارير والإحصائيات التي تؤكد أنّ الجزائريين على رأس راكبي قوارب الموت، يمكننا القول أنّ سنتي 2017 و2018 تعتبر من أسوأ السنوات من ناحية تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو ما بات يعرف شعبيا ب”الحرقة”، حسب تقارير حكومية وغير حكومية أعدتها الدّول الأوروبية التي باتت الوجهة الأولى للمهاجرين غير الشرعيين كإيطاليا، إسبانيا واليونان وباريس. وتضع الأرقام المُعبر عنها رؤساء الحكومات والمسؤولين في حرج على المستويين الداخلي والخارجي، كون الجزائر حطّمت رقما قياسيا في ظاهرة الحرقة- أكثر من 29.000 جزائري وصلوا أوروبا خلال الأشهر الأخيرة- الجماعية تشارك فيها عائلات بأكملها نساء وأطفالا وشيوخا للوصول إلى ضفة شمال المتوسّط ليعيشوا في الجنّة الأوروبية الخيالية.

  • فهل أصبحت الجزائر لا تتّسع لاحتواء أبنائها ليهجروها؟
  • على من تقع المسؤولية وما هي الأسباب والدوافع وراء هذه الظاهرة؟
  • هل من رجاحة الرّأي أن نباشر معالجة النتائج والمخلّفات ونتغاضى عن معالجة الأسباب والدّواعي؟

هذا ما سنحاول بيانه بإذن الله في الورقة القادمة فانتظرونا.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.