الحب والمحبة والمحبوبية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحب في الله مرتبة، وحب الله منزلة، وحب الله للعبد مقام، هي دائرة ليست بالمفرغة، محيطها الحب في الله، وقطرها وشعاعها محبة الله، ومساحتها محبوبية الله لك.

الحُبُّ لله والحب في الله، رزق يرْزقه الله من يشاء، فضل منه سبحانه ومنة، ودعاء من العبد وتوسل وإلحاح، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول في دعائه: “اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك. اللهم ما رزقتني مما أحبُّ فاجعله قوة لي فيما تحب. وما زَوَيْتَ عني مما أحِبُّ فاجعله فراغا لي فيما تُحب[1]. والحب في الله من الإيمان، بل هو كما يقول صلى الله عليه وسلم: ” أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله[2] ; والحب في الله رأس كل الأعمال الفاضلة كما جاء في الحديث: “أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله[3].

أن تحب أخاك في الله يعني أن تكف أذاك عنه، أن تدعو له بظهر الغيب، أن يسلم من يدك ولسانك، أن تجب دعوته، أن تنصره ظالما أو مظلوما، أن تمشي في جنازته، يقول صلى الله عليه وسلم: “ حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس.”[4] وزاد مسلم: “وإذا استنصحك فانصح له[5]، أن تذله على مجالس العلم والإيمان، أن تدله على الله تعالى، وتفك رقبته من النار.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: ” لا تحسب أن الحب في الله المقبول عند الله، الذي يتقرب به إلى الله استراحة وتبادُل وُدّي للعواطف في مجالس الرخاوة والبطالة، بل لِلْحُبِّ في الله مُقتضيات وواجبات أدناها إماطة الأذى عن طريق من تحبهم في الله، وأعلاها مواجهة الـمُبْغَضين في الله في صف الأحباب في الله حتى الاستشهاد”[6].

قمة الحب في الله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. فيشملك الحديث القدسي الذي جاء فيه: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في. المتحابون في على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون، والصديقون، والشهداء[7]. ومن شيم سلفنا الصالح أن الواحد منهم كان إذا رغب في حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، دعا لأخيه بتلك الدعوة، فيحصل له ما أراد لأن الدعوة في ظهر الغيب مستجابة، والملك يؤمن ولك مثلها.

فرباط التحاب في الله هو الطاقة التي لا تغلب، والتي لا تعرف الحدود الجغرافية ولا الانتماءات الضيقة، بل تتعالى عن النزعات والنعرات، هذا الحب الذي سيثمر مواساة وتعاونا، وبذلا وعطاء، وخدمة ورعاية، وتعاونا على البر والتقوى، وتواصلا وتزاورا وتجالسا وتراصا في صف الجهاد، وانتدابا للمشاركة في أعمال البناء الجماعي تربية وتنظيما وزحفا، وحملا لأعباء الدعوة والدولة، وتبليغا لرسالة الرحمة والمحبة للعالمين[8].

حب الله تعالى فطرة فطر الله عليها عباده، فهو مغروز في النفس البشرية، يزيد بزيادة الإيمان بقول الله عز وجل:””والذين آمنوا أشد حبا لله“”[9]. هو العروة الوثقى التي لا تنقطع، الحبل المتين الذي يجذب العبد ليرقى، لذا تفرق الذين يحبون الله مراتب، فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من نعم ومِنَن، وخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا. وكل هذه العواطف فروع لشجرة المحبة المغروزة في الفطرة الإنسانية[10].

أن تحب الله تعالى فهذا يتطلب جهدا ومجاهدة، إيثارا والتزاما، أن تؤدي جميع الأوامر وتتجنب كافة النواهي، أن تخجل أن يراك الله في موطن يكره أن يراك فيه، وأن يفتقدك في مكان يحب أن يراك فيه، أن تصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغذاة والعشي حتى يصبح لسانك رطبا بذكره عز وجل، أن تؤمن بالقدر خيره وشره، أن تخالف هواك وتضبط نفسك الأمارة بالسوء.

من المحبة إلى المحبوبية، من طلب ما عنده إلى طلب وجهه الكريم، هو مقام يصله الأولياء دائمي الصلة بالله، الذين استقر في قلوبهم حب الله ورسوله، وخرج حب الدنيا وما فيها ليصبح في كنف الله تعالى لا يشغله عنه سبحانه شاغل. “فحينئذ إذا غفل لم يُتْرَكْ، وإذا نسي ذُكِّر، وإذا نام نُبِّهَ، وإذا غفل أوقظ، وإذا ولّى أقبَل، وإذا سَكَتَ نَطَق. فلا يزال أبدا مستيقظا صافيا[11]. يقول عليه السلام مخبرا عن ربه عز وجل: “وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ“.[12]

يعدد ابن القيم الأسباب الجالبة للمحبة، والموجبة لها وهي عشرة فيقول: قراءة القرآن بالتدبر، وتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، ودوام ذكره على كل حال، وإيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، ومطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدة بره وإحسانه وآلائه، وانكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، والخلوة به وقت النزول الإلهي، و مجالسة المحبين الصادقين ومباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله”[13].

حب ومحبة ومحبوبية هي جواهر تصطف في عقد ثمين لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ولا قيمة للعقد إذا انصرمت إحدى درره.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – أخرجه الترمذي وحسنه.

[2] – رواه الطبراني عن عبد الله بن عباس مرفوعا.

[3] – أخرج أبو داود عن عمر بن الخطاب مرفوعا.

[4] – صحيح البخاري، باب اتباع الجنائز، 2/71.

[5] – صحيح مسلم باب من حقا لمسلم على المسلم، 4/1705.

[6] الإحسان، عبد السلام ياسين، 1 / 191.

[7] من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه – رواه الأمام أحمد في المسند”5/ 239″، وابن حبان في صحيحه رقم “577”. والترمذي في سننه، في الزهد رقم”2390 “، وإسناده صحيح.

[8] – ينظر عبد السلام ياسين، الإحسان 1 / 191.

[9] – البقرة: 165

[10] – عبد السلام ياسين، الإحسان 1 / 172.

[11] – عبد السلام ياسين، الإحسان 1/269 وإمامة الأمة 1 / 137.

[12] – رواه البخاري حديث:6502.

[13] – مدارج السالكين، ج3، ص18.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: