التصوف في إفريقيا، خريطته ووظائفه السياسية

معلوم أن الفتح الإسلامي قد وصل إلى إفريقيا في أوائل القرن السابع الميلادي، انطلاقا من مصر ثم دول شمال أفريقيا كتونس والمغرب، حيث حصل تمازج بين العرب والأمازيغ بفضل الديانة الإسلامية.

ثم اجتاحها الأوربيون أواخر القرن التاسع عشر و”استعمروا” معظم دولها ونهبوا كثيرا من ثرواتها وكنوزها، وعاثوا فيها فسادا ودمار، واتخذوا كثيرا من أبنائها رقيقا يباع ويشترى..

وقد سبقت الطرق الصوفية نشأة الدولة الحديثة وواكبتها بعد ولادتها، ومن ثم كانت ثابتا من ثوابت المشهد السياسي الإفريقي المعاصر، وطال ظلها مختلف مناحي الحياة: سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.

فما هي خارطة التصوف بإفريقيا؟ وما هي الأدوار السياسية بالأساس، التي تلعبها الطرق الصوفية بهذه القارة؟

1ـ خارطة التصوف في غرب إفريقيا:

أـ الطريقة القادرية:

هي إحدى أعرق وأقدم وأوسع الطرق الصوفية انتشارا في العالم الإسلامي، وهي أيضا أولى الطرق الصوفية وصولا إلى الغرب الإفريقي ، وتنتشر في إفريقيا طبعات متعددة من القادرية أبرزها:

– البكائية: نسبة إلى الشيخ سيدي أحمد البكاي الكنتي (كان حيًّا 1514). ومن أبناء البكاي وتلاميذه، تمددت الطريقة القادرية وترسخت في أصقاع عديدة من غرب إفريقيا، وكانت منطقة أزواد بمالي وكذلك الشرق الموريتاني مركز البكائية الأول إلا أنها امتدت إلى نيجيريا عبر الشيخ عثمان دان فوديو (توفي حوالي 1817)[1] الذي كان من أبرز تلاميذ الشيخ سيدي المختار الكنتي (توفي 6 يونيو 1811)[2] أحد أبرز أعلام وأحفاد مؤسس البكائية، بل يمكن اعتبارها المؤسس الثاني للطريقة البكائية في الغرب الإفريقي. وللقادرية في طبعتها الكنتية تأثير قوي جدًّا في مالي حيث ينتمي عشرات الآلاف من البمبارة إلى الورد البكائي، ولها في السنغال أيضًا مكانة كبيرة، حيث تمثل مدينة أنجاسان مركز ثقل القادرية البكائية، وتعتبر أسرة أهل بونعامه الموريتانية الأصل بيت الخلافة القادرية الكنتية في السنغال

 الفاضلية: نسبة إلى مؤسسها الشيخ، محمد فاضل بن مامينا (توفي 23 أبريل1869)[3] الذي سلَّم رايتها إلى أبنائها الذين توزعوا في إفريقيا والمغرب، وامتد صيتهم الرُّوحي إلى أصقاع عديدة، حيث كان الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل (توفي 25 أكتوبر 1910) مؤسس رباط وجهاد وحراك سياسي وفكري ورُوحي عميق في صحراء المملكة المغربية، فيما كان أخوه الشيخ سعد بوه بن الشيخ محمد فاضل (توفي 12 يوليوز 1917) على موعد مع ثورة روحية وانتشار واسع في الصيت والتأثير في غرب موريتانيا ومناطق واسعة من السنغال، وإذا كان الشيخان الأخوان قد تباينا في دائرتي المكان والأتباع فقد تباينا أيضًا في الموقف من الاستعمار الفرنسي، فكان الشيخ ماء العينين وأبناؤه وتلاميذه أبرز رموز المقاومة ضد الفرنسيين، وكان الشيخ سعد بوه -على الضفة الأخرى- من أبرز رموز المهادنة ومسالمة الفرنسيين[4]

وللفاضلية تأثير قوي في السنغال عبر مشربين صوفيين، هما: مشرب الشيخ المحفوظ بن الطالب أخيار (توفي في نوفمبر1919) في مدينة دار السلام، ومشرب الطريقة السعدية، نسبة للشيخ سعد بوه، التي جعلت من قرية النمجاط الموريتانية محجة يفد إليها آلاف المريدين في نهاية رمضان من كل عام، حيث يقيمون شعائر الاحتفاء والتقديس حول ضريح الشيخ سعد بوه بن الشيخ محمد فاضل، وللفاضلية أيضًا حضور قوي في غامبيا وساحل العاج ودولة غينيا.

والقادرية أم الطرق الصوفية في إفريقيا، وأبرز بوابات الإسلام إلى إفريقيا، بل إن الغالبية العظمى من الأفارقة ما عرفوا الإسلام إلا من خلال القادرية وعلمائها ودعاتها وزواياها والتجار المنتمين إليها، ويصف بعض الباحثين علماء ودعاة الطريقة القادرية بأنهم “من أحسن مبشِّري الدين الإسلامي في غرب إفريقيا من السنغال إلى بنين وهم ينشرون الإسلام بطريقة سلمية بعيدة عن القتل والضرب”[5]

ب ـ الطريقة التجانية 

مثَّل الغرب الإفريقي الحاضنة المثلى والمنشأ الثاني والمستقر الأبرز للطريقة التجانية بعد منطلقها الأول في الجزائر ومستقرها بعد ذلك في فاس المغربية، ودخلت التجانية إلى إفريقيا الغربية عبر بوابات ورموز ومشايخ متعددين، أبرزهم الشيخ محمد الحافظ بن حبيب الله العلوي الشنقيطي (توفي 1831) الذي كلَّفه الشيخ سيدي أحمد التجاني (توفي في شتنبر 1815) بنشر الطريقة في الغرب الإفريقي، وصار سنده في الطريقة التجانية معروفًا بالسند الحافظي، وعن العلوي الشنقيطي أخذ جُلُّ علماء ومقدمي الطبقة الأولى من أشياخ التجانية في الغرب الإفريقي.

ومن أبرز رموز الطريقة أيضًا الحاج عمر الفوتي (توفي في 12 فبراير 1864) الذي أخذها عن الشيخ مولود فال اليعقوبي الشنقيطي (توفي في يناير 1851)، وكذلك الحاج مالك سي (توفي في 17 يونيو1922) الذي أسس أحد أهم مراكز الصوفية في غرب إفريقيا، وجعل من مدينة تيواون السنغالية مركز إشعاع تيجاني طويل المدى.

ولقد بلغت التجانية أوج انتشارها مع الشيخ إبراهيم انياس (توفي 27 يوليوز 1975)[6] الذي نقل السند الحافظي للطريقة التجانية إلى مرحلة عميقة من الانتشار والتمدد، وكان لمريده الموريتاني، الشيخ الهادي بن السيد بن الشيخ بن سيدي مولود فال (توفي ماي 1982)، دور عميق في نشر التجانية في نيجيريا، وما جاورها من بلاد إفريقيا، كما امتدت التجانية إلى مختلف دول غرب إفريقيا وكانت أحد أهم منافذ الهوية الروحية لشعوب إفريقيا الغربية.

الحموية: وهي فرع من الطريقة التجانية نافس الطريقة الأم وأعاد تحوير بعض أورادها، وقد أسس الطريقة الشيخ الموريتاني، أحمد حماه الله بن سيدينا عمر التيشيتي (توفي 16 يناير1943)، واستطاعت في زمن قياسي مد ظلالها على أصقاع كبيرة من إفريقيا الغربية وخصوصًا في مالي وساحل العاج والغينيتين.

وقد كان أن ارتبطت الحموية بشيخها المؤسس، الشيخ حماه الله، الذي توفي منفيًّا في فرنسا بعد فترات نفي أخرى في دول إفريقية متعددة، وقد أسهمت تلك المنافي في نشر الإسلام والطريقة الحموية في دول عديدة من الغرب الإفريقي، وكان المنفى الأخير بداية إشعاع روحي ربط سيرة الشيخ حماه الله بفكرة الغيبة والانتظار التي تتقاطع بشكل كبير مع بعض الأدبيات الشيعية.

وتتخذ الطريقة الحموية من مدينة انيور المالية مستقرًّا لها حيث يقيم خليفتها الحالي، الشيخ محمدو بن الشيخ حماه الله، وهو أحد رموز السياسة والتأثير الروحي القوي في مالي بشكل عام وفي شرق موريتانيا بشكل قوي وفعال [7].

وقد توسعت التجانية في غرب إفريقيا عبر شيوخ وعلماء ومدارس متعددة، وكان للشيخ، الحاج عمر الفوتي، السبق في نشر الطريقة التجانية في المنطقة، وتوزع تلاميذه من بعده في أقطار متعددة من إفريقيا، حيث كان للشيخ محمد المختار بن أحمد بيللي سال (1860 – 1930) دور مهم “في تقديم الطريقة التجانية إلى المناطق الساحلية، مثل: الغابون وغانا وتوغو، وساحل العاج، وسيراليون”. وفي بوركينافاسو كان للشيخين، أبوبكر ميغا وعبد الله دوكري دور مهم في مد ظلال التجانية بين السكان، وقد مارس عليهما الاستعمار الفرنسي اضطهادًا سياسيًّا عزَّز من مكانتهما الاجتماعية [8]

والتجانية في الغرب الإفريقي متغلغلة في دوائر النفوذ بشكل كبير جدًّا وإليها تنتمي نخب كبيرة من مختلف قطاعات المجتمعات الإفريقية وفي كل مفاصل الدول ومجالات التأثير الفعال في المجتمعات. وإلى جانب ذلك، فإن للطريقة التجانية أيضًا سندًا كبيرًا وهو المغرب الذي يحتضن الخلافة العامة للتجانية. ويمكن اعتبار التجانية إحدى أوراق التأثير القوية للمملكة المغربية في مختلف دول إفريقيا.

ج ـ المريدية: وهي طريقة أسسها الشيخ، أحمدو بمبا بن حبيب الله السنغالي (ت19يوليوز1927)، وأنهى بتأسيسها فترته القادرية التي أخذ أورادها على يد الشيخ الموريتاني، بابا بن الشيخ سيديا الأبييري (توفي 12 يناير 1924)، وتنتهي أوراد المريدية عند الشيخ أحمدو بمبا ثم ترتفع بعد ذلك إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، كما تقول التعاليم والأدبيات المريدية الشائعة [9]

وللمريدية انتشار مذهل في السنغال وفي غرب إفريقيا بشكل خاص، وقد عانى مؤسسها من النفي والاضطهاد من قبل الفرنسيين؛ حيث تعرض للنفي في موريتانيا والكاميرون.

ومقر الطريقة المريدية الآن هو مدينة طوبى التي أسسها الشيخ أحمدو بمبا مستلهمًا اسمها من الآية القرآنية “طوبى لهم وحسن مآب” ويجتمع في طوبى سنويًّا موسم للطريقة يصل حضوره السنوي إلى خمسة ملايين زائر[10]. والخليفة العام للمريدية الآن هو الشيخ سيدي المختار امباكي وهو إضافةً إلى رتبته الروحية، أحد الشخصيات العلمية المرموقة في السنغال وقد افتتح خلافته بإيلاء التعليم اهتمامًا خاصًّا.

2ـ الأدوار السياسية للتصوف:

أ ـ بين النظرية والواقع:

بالرجوع للكتب المرجعية في علم التصوف، مثل كتب الحارث المحاسبي (ت243ه/ 857م) وأبو القاسم القشيري (ت465ه/ 1072م) وأبو إسماعيل الهروي (ت481هـ/ 1088م) وأبو حامد الغزالي (ت505ه/ 1111م) نجد أن هذه الكتب لا تكاد تتحدث عن السياسة بوصفها علمًا من العلوم، بل إنها تجعل الاهتمام بأمور الدنيا بشكل عام من الأمور التي تعيق النفس عن السير إلى الله. بل نجد هذه المراجع تصرف معنى السياسة إلى “سياسة النفس »[11]

إلا أنه يمكننا أن نلاحظ مفارقة بين الموقف النظري والموقف العملي لدى الطرق الصوفية من السياسة، فبالرغم من أن الأدبيات السياسية للطرق الصوفية نادرة، والشائع هو القول: إن الفكر الصوفي في جوهره يقوم على قيم تنبذ المشاركة السياسية، بحكم الطبيعة التربوية الأصلية للتصوف وخياراته الفردية وتوجهات بعض طرائقه نحو الانعزالية التي تُفضي إلى عدم الاهتمام بالشأن العام وأمور الحكم، ولكن تحول التصوف إلى حالة شعبية وظهور الطرق حوَّل التصوف من ممارسة نخبوية لمجموعة من الزهاد والنساك إلى حالة شعبية عبرت عن نفسها في علاقة ظاهرها التربية والصحبة في الله، وحقيقتها تشكيلات اجتماعية دينية متضامنة تمارس طقوسًا موحدة.  والحقيقة أن العلاقة بين المريدين والشيخ هي علاقة تنظيمية تمثل في جوهرها بعدًا سياسيًّا، والطرقية بقيامها على الاستقطاب والطاعة المطلقة للشيخ تؤكد هذا البعد السياسي القوي القائم على تنظيم من نوع خاص يقوم على التسليم الغيبي بأوامر الشيخ وآرائه.[12]

ب ـ الأدوار السياسية التاريخية :

الفاحص في نشوء الطرق الصوفية في غرب إفريقيا وفي ممارساتها الأولى يجد أن هناك أدوارًا تاريخية لعبها التصوف في المجتمعات الإسلامية في هذه المناطق، سواء تعلق الأمر بالجهاد لطرد المحتل أو لنشر الإسلام وحماية الأقليات المسلمة في المناطق التي شهدت جور الإمارات الوثنية، كما هو الحال في الجزائر ومناطق السودان (مالي والنيجر حاليا) وبلاد فولتا وما حولها؛ إذ أسَّس الشيخ عثمان دان فودي إمارة إسلامية في سوكوتو بشمال نيجيريا، “وهي دولة ضمت مساحات شاسعة من النيجر حاليًّا ومن نيجيريا، واستمر حكمها ما يقرب من قرن”[13]. وفي سنة 1818 أسَّس شيخو أحمدُ دولة ماسينا الإسلامية في شرق السودان (مالي حاليًّا) وحكمها نجله من بعده أحمدُ الثاني لتنتهي مع حفيده أحمدُ الثالث، وهذه الدول قامت بالنفوذ الروحي للشيخ سيد المختار الكنتي المؤسس الثاني للطريقة القادرية في الصحراء الكبرى والسودان القديم.

وفي منطقة فوتا في السنغال قاد الحاج عمر تال الفوتي (1796-1864) الفوتيين لإقامة دولة إسلامية في إفريقيا الغربية، وقد حقق نجاحات عسكرية كبرى قبل أن تسهم عوامل ضعف التأهيل السياسي والصراع مع القادريين والمعارك في بلاد ماسينا في هزيمة جيشه وتراجع مشروعه السياسي. يقول الحاج عمر تال موضحا هدفه: “قتال الكفار أمر لا أنفك عنه حتى يمحق الله الكفر بدولة الإسلام…”[14]

وبتأثير من الحاج عمر سعيد الفوتي قاد تلميذه ومريده المعلم القرآني الشاب بمباه جاخو (ت 1867)، الأهالي في منطقة ريب (Rip) المتاخمة للحدود السنغالية الغامبية لتأسيس دولة خاصة بهم بعد طغيان وظلم الوثنيين، “وأخذ بمباه يضع دعائم دولته، وقام بعدة غزوات ضد الوثنيين، كما صد هجومًا خطيرًا شنته القوات المسلحة الفرنسية بقيادة الحاكم الفرنسي بالسنغال أميب بيني لابراد (Émile Pinet-Laprade) وكبَّده خسائر فادحة »[15].

ج ـ الأدوار السياسية للصوفية خلال فترة الاستعمار:

مواصلة لتتبع التاريخ الطرقي لتلمس الموقف العملي من السياسة فإن جهاد الأمير عبد القادر الجزائري للفرنسيين الذي انتهى بنفيه ومحاولة ابنه محيي الدين استئناف الجهاد من بعده، هو تأكيد على هذا البعد العملي في ممارسة السياسة. 

وفي موريتانيا نجد مؤسس الطريقة الحموية التجانية الشيخ أحمدَ حماه الله يتزعَّم ثورة على الفرنسيين في المناطق الشرقية من البلاد أدت بهم إلى نفيه حيث مات في منفاه بمدينة مونتلصون بفرنسا في 16 يناير 1943.

كما شكل ما عرف بالمقاومة الثقافية موقفًا سياسيًّا قويًّا ضد الاستعمار الفرنسي قادته الطرق الصوفية في موريتانيا، وكان مؤداه مقاطعة المدارس الفرنسية باعتبارها “مدارس النصارى”. وضايقت السلطات الفرنسية الشيخ أحمدو بمبا مؤسس الطريقة المريدية في السنغال ونفته مرتين إلى الغابون ثم موريتانيا بعد توجسها من سرعة تزايد أنصاره.

ولا تقتصر الجوانب السياسية في تاريخ الطرق الصوفية في غرب إفريقيا على هذا النموذج الجهادي الساعي لإقامة دول إسلامية أو المقاوم للاستعمار، بل نجد نموذجًا سياسيًّا آخر يؤكد اختيار المشاركة السياسية وإن كان موقفه مهادنًا للسلطات وللمستعمر، يمثل هذا النموذج مواقف الشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل (توفي في 12 يوليو1917)، والشيخ سيديا بابا (توفي في 8 يناير1924) وكلاهما في جنوب غرب موريتانيا، والحاج مالك سي (1855-1922) في السنغال الذي أقام علاقات مع الإدارة الاستعمارية، وتعبِّر إحدى الوثائق التي هي عبارة عن مقال في شكل بلاغ للناس عن هذه الفلسفة: “…(أوصيكم) أن توافقوا الدولة الفرنساوية لأن الله تعالى خصهم بنصر وفضل ومزية وجعلهم سببًا في صون دمائنا وأموالنا، ولذلك وجب علينا أن نتأدب معهم.. ولا تضجروا من ما يأخذونه منكم لأن ذلك عند من استعمل العقل إعانة لا غرامة!”[16]. والمشايخ الطرقيون من التجانيين في الجزائر الذين “خذلوا” جمعية العلماء المسلمين في جهدها الإصلاحي والمقاوم قاموا بذلك انطلاقًا من تقدير سياسي.

د ـ الأدوار السياسية للصوفية خلال العصر الحالي:

في الزمن المعاصر ومع وصول المريدين الصوفيين بإفريقيا إلى أكثر من 100 مليون حسب بعض الإحصاءات فإن سياسات الدول تسعى إلى الاستعانة بالطرق الصوفية فى خلق ظهير دينى لسلطانها يدعمها في المحطات الانتخابية والتحالفات السياسية، مقابل امتيازات ومصالح “وقد اشتدت حاجة الدول للطرق الصوفية مع تنامى الحركات الإسلامية، لا سيما تلك العنيفة المتطرفة، فأصبح البعض ينادى بالاستعانة بالتصوف فى مواجهة التطرف.

الحضور القوي للصوفية ببعض الدول الأفريقية في المشهد السياسي يشكل أحد أبرز الملامح السياسية بهذه الدول، خصوصا دولة نيجيريا والسنغال والكاميرون، حيث أن الصوفية أدت على مدار السنوات الأخيرة دورًا حاسمًا فى توجيه البوصلة السياسية بأفريقيا، وقد عملت الأنظمة على استغلالها فى حل الكثير من العقد والتجاذبات السياسية المحلية.

وتُراهن الأحزاب السياسية فى بعض الدول الأفريقية، على تأييد زعماء الطرق الصوفية بالنظر إلى دورهم المؤثر والحاسم فى رسم ملامح المشهد السياسي مؤخرًا، وهو ما أدى بدول مثل السينغال إلى التنصيص في الدستور على مبدأ “ملائكية الدولة » في محاولة لحصر هذا التأثير، وقد أثبتت الانتخابات الرئاسية بالسنغال، التى جرت خلال الفترة الماضية، انحسار تأثير القوى الصوفية فى المشهد السياسى، ورفضت أكبر الطرق حضورًا دعم أي مرشح رئاسي، مكتفية بإعلان حيادها فى العملية الانتخابية.

 

 

وفي الختام، نقول أن إحدى المقولات التأسيسية المتعلقة بدور التصوف السياسي تذهب إلى أن التصوف الذي يمثل إسلامًا منفتحًا معتدلًا هو وحده القادر على الوقوف أمام حركات التطرف والإرهاب، في حين تتهمه مقولات أخرى بهلامية المبادئ وتشبعه بقيم التسامح المطلق المتجاوز لحدود العقيدة والثوابت الإسلامية، واعتماد الأنظمة الحالية عليه لضرب الحركات السياسية الإسلامية؛ والذي يؤكده الاستقراء أن الدور الممانع للتصوف إبان الاستعمار لم يعد له وجود منذ قيام الدولة الحديثة، وأن الدور السياسي للتصوف أصبح منحصرًا في الدعم غير المحدود للسلط الحاكمة.

[1] الشيخ عثمان دان فوديو عالم ومصلح نيجيري (1754-1817) أسس دعوة تجديدية واسعة في نيجيريا وكان له دور أساسي في النهضة الإسلامية في النيجر.

[2] الشيخ سيدي المختار بن أحمد الكنتي، عالم موريتاني جليل وقائد حركة إصلاحية واسعة في مناطق موريتانيا وشمال مالي امتد صيتها إلى مناطق كثيرة من غرب إفريقيا.

[3]  محمد فاضل بن مامين القلقمي الموريتاني ينتمي إلى أسرة من الأشراف الحسنيين وهو أب لعدد كبير من المشايخ المشهورين في موريتانيا وغرب إفريقيا.

[4] جاء ذلك ضمن حالة تباين واسعة طبعت المشهد العلمي والروحي في موريتانيا تجاه المستعمر الفرنسي بين من رآه غازيًا كافرًا تتوجب مقاومته، ومن رآه حلًّا لأزمة الأمن والفوضى التي كانت تعصف بالمجال الموريتاني عمومًا.

[5] ابن الشيخ إبراهيم، جوهر، الصوفية والدعوة الإسلامية، (دار الهجرة الأولى، د.ت)، ص 17.

[6] الشيخ إبراهيم بن عبد الله انياس السنغالي (1900-1975) عالم وشيخ كبير له الفضل في النقلة النوعية التي شهدتها الطريقة التجانية في إفريقيا بشكل عام.

[7] “من الحافظية إلى الحموية”، مركز الدراسات الولاتية، 4 مارس/آذار 2011، (تاريخ الدخول: 12 أكتوبر/تشرين الأول 2013)

[8] غانمي، عمر سعيد، “الطريقة التجانية ودورها في نشر الإسلام بغرب إفريقيا”، موقع المدى، 4 مارس/آذار 2011، (تاريخ الدخول: 28 أغسطس/آب2018):http://elmeda.net/spip.php?article39

[9] للتوسع في دراسة شخصية الشيخ أحمدو بمبا، يمكن مراجعة كتاب: إرواء النديم في سيرة الشيخ الخديم للشيخ محمد الأمين جوب السنغالي.

[10] “طوبى تحكم السنغال بالمال والأتباع”، الجزيرة نت، 13 مايو/أيار 2010، (تاريخ الدخول: 30 أغسطس/آب 2018):https://goo.gl/qJCofm

[11] الحارث المحاسبي، آداب النفوس، ص 40

[12] دراسة الطرق الصوفية في غرب إفريقيا والإسلام السياسي http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/03/190314140838046.html

[13] قاسم جاخاتي، الوحدة والتضامن في الطرق الصوفية، مجلة المغرب الإفريقي، العدد 7، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، الرباط، 2006

[14] l’islam et l’histoire du Sénégal نقلًا عن خديم محمد سعيد مباكي، ص 57

[15] قاسم جاخاتي، المرجع نفسه، ص 24- 25

[16] صحيفة السعادة المغربية، 6 سبتمبر/أيلول 1913، نقلًا عن خديم محمد سعيد مباكي، مرجع سبق ذكره، ص 68-69

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: