منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التخلف وسؤال الإسلام

0
اشترك في النشرة البريدية

يشكل موضوع التخلف النقطة المحورية التي تثير اهتمام الشباب عامة والباحثين والدارسين في الوطن العربي والإسلامي خاصة، وهذا الاهتمام ما هو إلا صورة ومرآة لواقع مرير ومؤلم يعيش فيه العرب والمسلمون متشربين نكباته وأحزانه ويزداد وضعهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي سوءا بعد سوء.

ولا يخالفك أحد في كون التخلف واقعا حقيقيا مظلما تعيشه المجتمعات في العالم الإسلامي، لكن يخالفك الرأي إذا ما وجهته بالقول أننا يمكن أن نخرج من العالم الثالث ونلتحق بالركب كأمريكا وأروبا.

ولا أريد أن أتحدث في هذا المقال عن كيفية معالجة هذا الواقع، وسبل مجاوزته إلى بناء حضارة مجتمعية، ووطن قوي ينعم فيه الشخص بالسعادة والأمن، لأن هذا الجانب سوف يحتاج إلى نوابغ ومتخصصين في ميدان الفكر والإدارة والاقتصاد والاجتماعي والسياسي الذين أشربوا في قلوبهم الثقافة الغربية، وأنت تلاحظ أنني لم أدخل في هذا الجانب المتخصصين في العلوم الشرعية، لأن ذلك يشكل السبب الرئيسي في تخلف العرب والمسلمين، وهي النقطة التي سوف أتناولها في هذا المقال بالبحث والتحليل لأرى مدى صحة هذه القولة التي تروج بين الشباب في العالم الإسلامي فأقول:

  • هل صحيح أن الإسلام سبب تخلف المسلمين ؟
  • وهل الإسلام مناقض للعلم باعتبار هذا الأخير أساس التقدم والنهضة؟
  • وهل حقيقة الإسلام تعكس فكرنا وشعورنا وسلوكنا في واقعنا اليوم؟
  • وهل فهمنا الإسلام على حقيقته حتى نجعله سببا رئيسيا لإيقاف عجلة التنمية ؟

إن موضوع “التخلف وسؤال الإسلام” تناوله الباحثون في مقالات عديدة نظرا لأهميته في حياة الفرد والمجتمع، لكن أغلب المقالات التي اطلعت عليها في هذا الموضوع عبر الأنترنيت (google) شق منها مفيد في هذا الجانب، غير أنه لم يستحضر الموضوع في جميع جوانبه، والشق الثاني مجانب للصواب، ولعل السبب يعود إلى أمرين:

المزيد من المشاركات
1 من 21
  • الأمر الأول: الجهل بدين الإسلام، وغياب تصور حقيقته تصورا كاملا في الذهن.
  • الأمر الثاني: خدمة مشروع إيديولوجي معادي للإسلام .

إن هذه القولة نطق بها من يصفون أنفسهم ب “دعاة الحداثة والحرية” وهم في حقيقة  الذين يخدمون المشروع الإيديولوجي الغربي المعادي للإسلام، فتلقفها الذين تأثروا بهؤلاء الدعاة، وانخدعوا بكلامهم المعسول دون البحث عن مدى صحتها، لأن “ذا التلبيس القاصد لأمر مستهجن عند من يخاطبهم لا بد أن يخفيه عنهم، ويدسه فيما يقبل لديهم من أمور، أو يصوره في شكل مقبول لديهم مموها، والمستشرقون وأذنابهم من العرب على هذا السبيل يسيرون، وإن كان هؤلاء الأذناب ذوي وقاحة فيما يبدون، فلأنهم أبواق، والبوق حاله في إيصال الصوت معروف “( مولود السريري في كتابه تجديد علم أصول الفقه ص: 47)

إن أزمة القراءة وتلقي المعرفة والأفكار الجاهزة بغض النظر عن مدى صحتها وقبولها دون تحليلها وتصورها في الذهن، ودون البحث عن حيثياتها، وتحديد مصادرها هي المشكلة العظمى والمصيبة الكبرى والمرض الفتاك الذي سرى ولازال يسري في أجساد العرب والمسلمين، ناهيك عن الأمية والجهل الذين أديا إلى استصغار كل ماله صلة بثقافتنا وهويتنا الغنية، واستعظام كل ما هو مرتبط بثقافة الغير.

إذا أخذنا بهذه القولة التي تعتبر أن الإسلام هو المعيق للتحرر والتقدم والنهضة في العالم الإسلامي كما يدعيه البعض نكون قد جعلنا دين الإسلام مناقضا للعلم، وهي فكرة غبية ولا أساس لها من الصحة، لأن المتصفح لكتاب الله عزوجل وهو القرآن الكريم، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يجد فيهما أدلة ناطقة ومستنطقة عديدة تدعو المسلم إلى العلم، وتحثه على التدبر والتفكير وإعمال العقل، والتفاني في العمل، والتحرك في مناكب الأرض، كما ترفع من درجة العلماء، وتذم التقليد والمقلدين، ومن هذا الآيات التي تحث على العلم وترفع من درجة العلماء قوله تعالى { إقرأ بسم ربك الذي خلق} (العلق 1) وقوله سبحانه { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون})الزمر 9 ( وقوله سبحانه { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}(المجادلة11) وفي المقابل فإن التقليد يذمه القرآن وينفر منه، قال تعالى حكاية عن المشركين{ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا}( البقرة 170)، والقرآن يدين هذا المنطق الخرافي القائم على أساس التقليد الأعمى لعادات الآباء والأجداد فيقول { أولو كان آباؤهم لايعقلون شيئا ولا يهتدون}( البقرة 170) .

وإذا ثبت أن القرآن الكريم حث على طلب العلم ورفع من درجة العلماء وذم التقليد والمقلدين، فإنه أي القرآن دعا إلى إعمال العقل في مجال الكون بالتفكر والتأمل فيه باعتباره فضاء فسيحا خصبا يستمد منه العقل قوته ونشاطه وحيويته، قال الله عزوجل { إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} (آل عمران 190)، وقال سبحانه داعيا الإنسان إلى التفكر في آيات الله المكنونة في نفسه وحوله { وفي أنفسكم أفلا تبصرون}(الذاريات 21)، والخبر محذوف تقديره وفي أنفسكم “آيات” أفلا تبصرون، { فلينظر الانسان إلى طعامه إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الارض شقا فأنبثنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم} (عبس 24 ــ 32)، { فلينظر الانسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب }(الطارق 5ـ7)، { صنع الله الذي أتقن كل شيئ} (النمل 88) .

أما الأيات التي تحث على العمل وطلب والرزق والتحرك في مناكب الارض كثيرة أيضا منها قوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } (الجمعة 10)، { هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}(الملك 15)، وقد ثبت في صحيح البخاري عن المقدام بن معد يكرب الكندي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده ” والأدلة في القرآن والسنة كثيرة في هذا الباب، وإنما أشرت إلى بعض منها على سبيل التمثيل لا الحصر.

وإذا ثبت هذا فإن دعوى إعاقة الإسلام للتنمية والنهضة ساقطة، لأن الإسلام دين العقل والعلم، ولم يعرقل أبدا البحث والتقدم في ميادين العلم والإبداع والاختراع، أما ما يروجه المستشرقون ومن يصفون أنفسهم بالمفكرين والتنويريين والحداثيين، ويلقنونه للشباب التائه من أن الغرب لم ينجح ولم ينهض إلا بعد أن تخلص من فكر الكنيسة بفضل الثورة التي قام بها الفلاسفة، يبقى ذلك محصورا لدى أصحاب الكنيسة، ولا صلة له بالإسلام إذ أن هؤلاء تمسكوا بالدين الذي يربيهم على الجمود، ويحجر على عقولهم، ويقيد أذهانهم، ويسد عليهم جميع الأبواب المنفتحة على العلم بسبب التحريف الذي طال هذا الدين السماوي، فلما تركوه وانقلبوا عليه كما انقلبت العصا على الساحر تقدموا ونهضوا.

أما تخلف العرب والمسلمين لم يقع بسبب دينهم الإسلامي، وإنما تأخروا بسبب عدم فهم لحقيقة الإسلام وضعفهم في أخذ دينهم بقوة، فالإسلام عبارة عن قانون، ونظام وفلسفة أخلاقية وفكر يوجه فعل الإنسان ويرشده إلى ميادين العلم والابتكار والاختراع، وما أشرت إليه آنفا من حجج وبراهين في القرآن والسنة يكفي المتبصر.

إن المسلمين في وقت من الأوقات كونوا حضارة وعاشوا نهضة قبل أن ما عرفه الغرب، أما هذا الأخير فلم يعرف التقدم والنهضة إلا في القرون الثلاثة المتأخرة، ورب سائل يطرح السؤال حول طريقة بناء المسلمين السابقين للنهضة الإسلامية، فأقول له ببساطة: إن هؤلاء تقدموا بسبب فهمهم لماهية الإسلام وحقيقته، فانعكس ذلك في أنفسهم روحا وفكرا وسلوكا وأخلاقا وعملا، أما المسلمون اليوم فقد تأخروا بسبب بعدهم عن دين الإسلام وضعفهم في التمسك به، يقول مالك ابن نبي في كتابه مشكلة الثقافة صفحة 49 ” إن المجتمع الإسلامي في عصر الفرابي كان يخلق أفكارا، وأنه كان على عهد ابن رشد يبلغها إلى أروبا ، وأنه بعد ابن خلدون لم يعد قادرا لا على الخلق ولا على التبليغ”، وما أشار إليه مالك ابن نبي حقيقة ثابتة في التاريخ .

فالمسلمون في وقت من الأوقات بدؤوا في وضع عناصر ما يسمى اليوم ب”العلوم الحقة “، فأول من اخترع الصفر الذي حل إشكلات كبيرة في الرياضيات، وأول من اخترع اللوكاريتمات في الرياضيات،  وأول من اكتشف الدورة الدموية الصغيرة، وليس ذلك إلا عمل علماء المسلمين كالخوارزمي وابن سينا وابن النفيس وابن البناء المراكشي وغيرهم كثير، ولو طور العرب والمسلمون ما أسسه هؤلاء لكانوا في مقدمة الركب.

إن أروبا لم تأخذ عناصر نهضتها إلا من حضارة المسلمين، غير أنهم يعملون ويسعون ويجدون ويكافحون ويكملون ويطورون الأفكار التي اقتبسوها من غيرهم والتي أسسوها، كما يعترفون بفشلهم إذا فشلوا، وينهضون مرة أخرى، إضافة إلى استغلالهم للدول المستعمرة وهيمنتهم على ثرواتها في سبيل بناء حضارتهم ونشر ثقافتهم وهويتهم وطمس هوية المستعمر بفتح الميم، بينما الشعوب المسلمة بعد ابن خلدون وفي العصور المتأخرة تبقى متفرجة ومستهلكة لما أنتجه الغربيون حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، والسبب الذي أشرت إليه سابقا من أن تخلف العرب والمسلمين هو بعدهم عن دين الإسلام يبقى واحدا من الأسباب المعرقلة للتقدم والتنمية والنهضة في العالم الإسلامي .

إن العوامل التي أدت إلى تخلف العالم الإسلامي وعدم قدرته على مسايرة الشعوب المتقدمة في مجال الصناعة والتكنولوجيا والهندسة والعسكر والفلاحة والإدارة والاقتصاد تعود إلى عوامل متداخلة ومتعددة، ويمكن إجمالها في عاملين رئيسيين:

  • عامل داخلي: ويتمثل في البعد عن دين الإسلام وغياب روحه وتجسيده في الفكر والسلوك، وبقاء طقوساته المجردة عن المعنى، واستبداله بتطبيق القانون الوضعي في الحياة العامة، إضافة إلى ترسيخ التخلف الداخلي وتكريسه بوضع برامج ومناهج تعليمية التي تعيد نفس الرتابة ونفس العقليات ونفس الأفكار التي في مصلحة النخبة الحاكمة المستبدة بالحكم.
  • عامل خارجي: ويتمثل في الحروب الصليبية والحالات العدوانية التي واجهها العالم الإسلامي في الحقبة المتأخرة والتي أسفرت عن دخول المستعمر الغربي فبسط قوته على الدول المتخلفة وهيمن على ثرواتهم وطمس هويتهم وثقافتهم وسطا على عقولهم، وذلك بخلق شبهات حول الإسلام كهاته، للتصدي عنه وإبعاده من الحياة العامة، وتمزيق العالم الإسلامي بخلق حدود وهمية بين الدول، وتشجيع وتمويل بعض الحركات الفكرية الداخلية لخلق قضايا وهمية كالحريات الجنسية وحقوق المرأة إلخ لاستنزاف طاقات الشعوب من جهة وتفريق شمل المسلمين من جهة أخرى، لأن في اتحادهم قوة، قال تعالى { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } (الأنفال 46)، وقمع كل حركة أرادت استراد الحضارة الإسلامية، إضافة إلى تأسيس الغرب لأنظمة دولية لتكون أداة لضمان نفوذها على باقي الشعوب المتخلفة، وكلها مخططات تصرف عليها الملايير من طرف الدول المهيمنة لتكريس الاستعمار الفكري والتخلف الداخلي وتوجيهها أي المخططات نحو الجهة التي يضمن مصالحه .

ولا غرابة إن بقي العرب والمسلمون على ما كانوا عليه اليوم من تخلف واستهلاك فقط لما أنتجه الغرب، لأنهم شعب بلا ثقافة، وكل شعب بلا ثقافة حتما سيبقى متخلفا، وهو ما أشار إليه مالك ابن نبي في كتابه مشكلة الثقافة ص: 76 ” لا يمكن لنا أن نتصور تاريخا بلا ثقافة، فالشعب الذي يفقد ثقافته يفقد حتما تاريخه”.

إن العقل الأروبي أو العقل الأمريكي يبقى عقل الأرض، شأنه كشأن العقل العربي والإسلامي، غير أن الأول يحب العمل والتحرك في الأرض، بينما الثاني يحب النوم والجلوس على الأرض، إن ” العقل المجرد متوفر في بلادنا غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه شيء يكاد يكون معدوما ” ( مالك ابن نبي في كتابه مشكلة الثقافة ص: 86)، ويستثنى من ذلك بعض الدول التي عرفت قفزة نوعية، وقطعت أشواطا كبيرة في مجال التقدم كتركيا وماليزيا وأندونيسيا، فالتقدم رهين بتغيير العقليات، وإعادة الاعتبار للهوية الإسلامية وثقافتها وحضارتها، والوفاء للمعاصرة والحداثة بمفهوميهما الصحيح ، قال الله عزوجل { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }( الرعد 11).

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.