الاقتراض من البنك على أن تتكفل مؤسسة ما بدفع الفائدة يُبقي على شبهة الربا

بسم الله الرحمـن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأزواجه، وأصحابه، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لقد أجمع العلماء على منع المنفعة المشروطة في القرض إذا كانت للمقرض، وممن ذكر ذلك ابن عبد البر في الكافي . والقرطبي في تفسيره . والباجي في المنتقى . وابن المنذر في الإجماع . وابن حجر . وابن قدامة في المغني . وغيرهم. قال الإمام القرافي في الذخيرة: (وفي الجواهر: شرطُه أن لا يجُرَّ منفعةً للمُقرض، فإن شرطَ زيادةً قدراً أو صفةً فسد) .
كما اتفقوا على منع المنفعة المشروطة للمقرض، واختلفوا إذا كانت للمقترض؛ فذهب جمهور العلماء إلى جواز اشتراط منفعة زائدة في عقد القرض إذا كانت متمحّضةً للمقترض، قال الشيخ خليل رحمه الله: “إلا أن يقومَ دليلٌ على أنَّ القصدَ نفْعِ المقترِض فقطْ في الجميع” . فإن لم تكن المنفعة متمحّضةً للمقترض؛ ففيها قولان:
الأول: الجواز؛ قال به بعض المالكيّة . وهي رواية في مذهب الإمام أحمد، وقال به بعض من الحنابلة؛ كابنِ تيمية . وابن القيّم . وابن قدامة، حيث قال: (ولو أراد تنفيذ نفقة إلى عياله؛ فأقرضها رجلا ليوفيها لهم، فلا بأس؛ لأنه مصلحة لهما لا ضرر فيه، ولا يرِدُ الشرع بتحريم ذلك) .
الثاني: المنع؛ وقال به المالكيّةُ ، وبعض الشافعيّة. قال القليوبي في حاشيته: (ومثله كلّ ما جرَّ نفعاً للمقرض ولو مع المقترض، كإقراضه شيئاً بشرط أن يستأجر ملكه بأكثر من قيمته) . وجاء في فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في مؤتمره الثاني المنعقد في مايو/أيار 1965: “والفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي.. وكثير الربا في ذلك وقليله حرام… أما الفوائد على بقاء الودائع لدى المودع فأمرها جلي واضح في أنها تجمع بين نوعي الربا؛ ربا الفضل وربا النسيئة حيث يأخذ المودع زيادة على ما دفع مع التأخير”.
لكن يجب الانتباه إلى وجود أنواع خفية من ربا الديون، حيث ظهرت معاملات تشمل “حيلا ربوية” يدخلها “الربا الخفي”:
– منها الزيادة على الدين الناجم عن ثمن سلعة بأن يتأخر المشتري عن الدفع فيلزم بدفع زيادة مقابل هذا التأخير، وكذلك بعض أشكال بيع الديون أو اشتراط الحصول على منافع مادية مقابل الدين كاستخدام الدائن منزل المدين أو أرضه حتى يرد الدين.
– ومنها ما تقوم به مؤسسة اجتماعية، حيث تؤدي نسبة الفائدة عن المنخرط فيها، وذلك لتمويل شراء مسكن، أو لشراء قطعة أرضية وبنائها من طرف منخرطي المؤسسة، وهي مسألتنا في هذا المقال.
تصور المســألة:
يقوم البنك بزيادة نسبة من الفوائد (قالوا إنها قليلة) على المال الذي دفعه للمنخرط، وتقوم المؤسسة بدفع هذه الفائدة، ولا يدفع المستفيد أي شيء زائد عن مبلغ التمويل.
إن هذا القرض الذي تُشترَط فيه الزيادة – ولو كانت يسيرة – يُعتبر قرضاً ربوياً محرماً، وإن تكفل طرف ثالث بدفع تلك الزيادة. وإليكم البيان:
لا يختلف الحكم في تحريم القرض بفائدة بين أن يكون باذل الفائدة المحرمة هو المقترِض أو طرف خارجيٌ، ما دامت المنفعة مشروطة في عقد القرض، ويعود نفعها للمقرِض. وقد أجمع العلماء على أن “كل قرض جر نفعا فهو ربا”. قال ابن قدامة رحمه الله: (وكل قرض شُرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف … وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة) . وقال ابن جُزي رحمه الله: (فَإِن كَانَت الْمَنْفَعَة للدافع مُنع اتِّفَاقًا) . وقال ابن تيمية رحمه الله : (وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُقْرِضَ مَتَى اشْتَرَطَ زِيَادَةً عَلَى قَرْضِهِ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا) .
وهذا عام، لا فرق فيه بين أن يكون باذل الزيادة هو المقترض أو غيره ، ولا شك أن الصورة المذكورة قد شُرط فيها زيادة ربوية على القرض وأن البنك فيها يعتبر آكلا للربا.
وقد ذكر بعض العلماء صورا يكون باذل المنفعة فيها غير المقترض، ومع ذلك حكموا بالمنع فيها. ومن ذلك: لو أن رجلاً له على آخر عشرة دنانير حلَّ أجلها وهو معسر، فقال طرف ثالث: أخره وأنا أسلفك عشرة دنانير. قال الإمام مَالِك رحمه الله: (إنْ كَانَ الَّذِي يُعْطِي يَكُونُ لَهُ عَلَى الَّذِي لَهُ الْحَقُّ : فَلا خَيْرَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ قَضَاءً عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَلَفًا لَهُ: فَلا بَأْسَ بِهِ). ومعنى كلامه رحمه الله: أن هذا الشخص الذي طلب تأخير السداد مقابل أن يقوم هو بسداد هذه العشرة: إن كان يدفعها نيابة عن المقترض فلا بأس بذلك ، وأما إذا كان يدفعها للمقرض كقرض جديد نظير تأخيره القرض الأول، فلا يجوز.
قال ابن رشد: (هَذَا بَيَّنَ عَلَى مَا قَالَ، أَنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَضَاءً عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَلَفًا مِنْهُ لَهُ؛ لأَنَّهُ سَلَفُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ لِغَرَضٍ لَهُ فِي مَنْفَعَةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ، فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا ، إذْ لا يَحِلُّ السَّلَفُ إلا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُسْلِفُ مَنْفَعَةَ الَّذِي أَسْلَفَهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى لا لِنَفْسِهِ وَلا لِمَنْفَعَةِ مَنْ سِوَاهُ) . وقال الإمام القرافي: (كَرِهَ مَالِكٌ تَأْخِيرَ الْغَرِيمِ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّفَكَ أَجْنَبِيٌّ، قَالَ: وَفِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كُنْتَ طَلَبْتَهُ لِحَاجَتِكَ لِلدَّيْنِ: فَهُوَ خَفِيفٌ؛ لأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لِلْغَرِيمِ، وَإِنْ أَسْلَفَكَ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي لَكَ امْتَنَع) .
والمقترض، وإن افترضنا أنه ليس آكلا للربا بنفسه، إلا أنه مُعين على أكل الربا إذ لولا قرضه لما حصل البنك على الزيادة الربوية التي ستدفعها المؤسسة.
ومثل هذه النازلة وردت في الجزائر، حيث حرّم أغلب علمائها “القروض الربويّة التي تتكفل الدولة بتسديد فوائدها”، فقالوا: “إذا تكفلت الدولة بتسديد الفوائد الربوية المترتبة عن القرض الممنوح، ففي هذه الحالة يحرم هذا التعامل، لاشتماله على الربا المحرّم بالنصوص الشرعية، إذ لا يخرج القرض عن كونه ربويا في الأصل، بغض النظر عن مسدده سواء المستفيد أو غيره”. وفي المقابل أكّد الشيخ الطاهر عامر، بأنّ الخطوة الأخيرة من الدولة هي بمثابة “إسقاط شبهة الربا عن المستفيدين”، إلا أنّ “صفة الربا” لا تسقط عن العقد، ليبقى إثمه ووزره فقط على المؤسسة التي تدفعه للبنوك لا على المستفيدين.
وفي هذه المسألة استثناء، وهو:
إذا كان باذل الزيادة وآخذها له ذمة واحدة، بأن يكون البنك مملوكاً للحكومة كاملاً، والمؤسسة أو الصندوق المُقدِم للزيادة كذلك مملوك للحكومة، فلا بأس بهذا القرض في هذه الحال؛ لأن الربا لا يجري في حال كون الذمة الواحدة؛ ولهذا ذكر الحنفية أن من شرائط الربا؛ (أَنْ لَا يَكُونَ الْبَدَلَانِ مَمْلُوكَيْنِ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ) .
ومن ذلك قول الشيخ البهوتي في كشاف القناع: (مَا لَمْ يَكُنْ الرِّبَا بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ إنْسَانٍ وَبَيْنَ رَقِيقِهِ…؛ لِأَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِلسَّيِّدِ) . وقال ابن عثيمين رحمه الله: (يقول: “لا ربا بين السيد ورقيقه”، فيجوز للإنسان أن يشتري ثلاثة دراهم بدرهمين من رقيقه؛ لأن المال ماله؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: “من باع عبداً له مال فماله للذي باعه” … وحقيقة الأمر أن تعامل السيد والرقيق ليس معاملة حقيقية؛ وإنما هي صورة معاملة؛ إذ إن مال الرقيق للسيد) .
وخلاصة الأمر: إن القرض لا يفقد صفة رِبويّته إذا قام غير المقترض بتسديده، سواء كان المتكفل بالتسديد شخصا طبيعيا أو شخصا اعتباريا كإحدى المؤسسات أو الحكومة، لأن الفائدة الربوية اشتُرِطَتْ عند عقد القرض، فهي تندرج ضمن قاعدة “كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا” بغضّ النظر عن من سدّده. ولأن الحكم لا يتعلّق بالأشخاص وإنّما بالصيغة التعاقدية التي تبقى صيغة “الربا المحرّم”، فلا يجوز الإقدام عليها، ولا يمكن أن تكون هذه العملية التي قامت بها المؤسسة حيال التكفّل بفوائد القروض عن المستفيدين هي بمثابة “إلغاء للفوائد الربوية”. والله تعالى أعلم.
وفي الختام أقترح الحلول والبدائل الشرعية الآتية:
– أن تُـغيّر هذه العقود ما بين البنوك والمستفيدين من عقود “مداينة” إلى عقود “مشاركة” وفق ما يقرّه الشرع الحكيم حتى تزول عنها شبهة الربا.
– تفعيل التعامل بالأدوات والمنتجات الجائزة شرعاً، وهي كثيرة ومتنوعة.
– إنشاء بنوك استثمار تعمل على الشراكة والمرافقة للمشاريع الاقتصادية الحقيقية، بأن تكون البنوك والمؤسسات المالية شريكا ومرافقا لتمويلات الموظفين، ومشاريع الشباب.
والحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: