الأهلية المالية للمرأة المتزوجة في الإسلام

 تتمتع المرأة في الإسلام كما هو الشأن بالنسبة للرجل بأهلية تملك الأموال وحق استثمارها بجميع أشكال التصرف عوضا كان؛ كالتجارة والصناعة والفلاحة والبيع والرهن…أو تبرعا كالهبة والصدقة… ولا حق لزوجها ولا لأبيها في التدخل في ذلك بالمنع أو التقييد ما دامت الزوجة بالغة ورشيدة.

إلا أن استعمال الزوجة لهذا الحق يتوقف في بعض الأحيان على إذن الزوج مراعاة لحقوقه وتفاديا للمضارة به.

ولهذا الغرض سأتناول في هذا المقال محورين اثنين وهما:

  1. أهلية تصرف المرأة المتزوجة في أموالها.
  2. شرط عدم الإضرار بالزوج في استعمال الزوجة لحقها المالي.

1. أهلية تصرف المرأة المتزوجة في أموالها

لقد اعترف الإسلام للمرأة منذ ظهوره بالشخصية المستقلة المتميزة في الأموال، في حين لم تتجه التشريعات الأوربية والأمريكية إلى إعطاء المرأة شخصيتها القانونية المستقلة (على نحو نسبي) إلا في العصر الحديث، وبدرجات متفاوتة[1]. أما في الإسلام فمنذ عصر الرسالة والقرآن الكريم يخاطب الأزواج )وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً[2](، وبهاتين الآيتين فإن الله تعالى حرم على الأزواج أن يأخذوا من أموال أزواجهن شيئا قل ذلك الشيء أو كثر إلا أن يكون ذلك عن رضاها وعن طيب نفسها. قال تعالى: )وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً)[3]، وسبب نزول هذه الآية هو أن الرجل كان إذا زوج ابنته أخذ صداقها فنهاهم الله تعالى عن ذلك[4]، كما ورد في الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل مال امرأ مسلم إلا بطيب نفسه)[5].

كما أن الفقهاء قديما وحديثا نصوا على هذه المسألة. جاء في مواهب الجليل: “قال المشذالي: نزلت هذه المسألة…آجرت امرأة نفسها بغير إذن زوجها ولم يعلم إلا بعد مدة فتنازعت معه لمن يكون ما أخذت في أجرة رضاعها. فوقع الحكم بأن ما مضى من المدة لها بحسابه. وله فسخ الإجارة فيما يستقبل، ولا حجة للزوج بأن ملكها منافعها فباعتها بغير إذنه، لأنه ليس له عليها إلا منافع الأشياء الباطنة”[6]. وقال الدكتور نور الدين عتر وهو بصدد الحديث عن أحكام ما تكسبه المرأة من أموال: “وللأهمية البالغة نذكر بأن ما تحصل عليه المرأة من مرتب وظيفة تقوم بها أو أجر عمل تعمله، أو ربح بعقد تعقده…كل ذلك هو ملك لها خاصة، ليس لأحد فيه أي حق، إلا حق فرضه الله تعالى، فليس لأبيها أو لزوجها أو لابنها حق في شيْ مما تكسبه، شأنها في ذلك شأن الرجل، ولا ينقص ذلك من حقها في النفقة الواجبة لها على زوجها شيئا قط”[7].

وإذا كان الفقهاء قد اتفقوا على أن للمرأة المتزوجة الأهلية الكاملة في امتلاك الأموال، إلا أنهم اختلفوا في التصرفات التي تجريها في مالها على وجه التبرع على ثلاثة أقوال:

القول الأول: للمرأة كامل الحرية في التصرف في أموالها ما دامت راشدة ولا يتوقف ذلك على إذن الزوج، كما لاحق للزوج من التدخل في ذلك ولا أن يمنعها من التبرع بمالها. وهو قول جمهور الفقهاء[8] ويستدلون لهذا القول بمجموعة من الآيات والأحاديث، من ذلك:

– قوله تعالى: )وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ[9](. إذ الآية تفيد العموم في تملك المال والتصرف للرجال والنساء فيه ولم تفرق بين الذكور والإناث في وجوب دفع أموالهم إليهم بعد إيناس الرشد[10].

– وحديث عروة ابن الزبير قال: (كان عبد الله ابن الزبير أحب البشر إلى عائشة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وكان أبر الناس بها، وكانت لا تمسك شيئا مما جاءها من رزق الله إلا تصدقت به. فقال ابن الزبير: ينبغي أن يأخذ على يديها، فقالت أيأخذ على يدي؟ علي نذر إن كلمته)[11].

القول الثاني: له منعها من التصرف في مالها: ذهب طاووس إلى منعها من التصرف في مالها مطلقا، بينما الليث قال بالمنع إلا في الشيء التافه[12] واستدل بالحديث الذي رواه عبد الله ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجوز لامرأة في مالها عطية إلا بإذن زوجها)[13].

القول الثالث: لا يجوز للمرأة المتزوجة التبرع بأكثر من ثلث مالها إلا بإذن زوجها بذلك وهو رأي الإمام مالك وأحمد ابن حنبل، واستدلا بحديث عبد الله بن عمرو الذي خصص عموم قوله تعالى: )فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ([14]؛ لأن الحديث صريح في كون المرأة المتزوجة لا تتبرع بمالها إلا بإذن زوجها.

وخص المالكية منع الزوجة من التبرع بالزائد على ثلث مالها لغير زوجها، أما إذا وهبت جميع مالها لزوجها فلا أحد يمنعها من ذلك. يقول الشيخ الدردير: “وحجر على زوجة حرة رشيدة لزوجها فقط … في تبرع زائد على ثلثها … وله أي الزوج (رد الجميع): أي جميع ما تبرعت به إن تبرعت بزائد على الثلث، لا إن تبرعت بالثلث فدون: أي وله رد ما زاد فقط أو بعضه وله إمضاء الجميع … وإذا تبرعت بالثلث ولزم (ليس لها تبرع بعد) ذلك (الثلث، إلا أن يبعد) الزمن بعد التبرع به (كنصف سنة) فأكثر … وإلا يبعد فليس لها وحينئذ (فله الرد) إن تبرعت، والله أعلم”[15].

وإلى رأي الجمهور صارت مدونة الأحوال الشخصية الملغاة. حيث جاء في الفقرة الرابعة من الفصل الخامس أن: “للمرأة حريتها الكاملة في التصرف في مالها دون رقابة الزوج، إذ لا ولاية للزوج على مال زوجته”. كما أن مدونة الأسرة الحالية عبرت ضمنيا على هذا المعنى في المادة 29 حيث تنص: “الصداق ملك للمرأة تتصرف فيه كيف شاءت، ولا حق للزوج في أن يطالبها بأثاث أو غيره، مقابل الصداق الذي أصدقها إياه”، فدل منطوق هذه المادة على أن الصداق ملك للمرأة وحق من حقوقها، ولها بذلك الحق في التصدق به للزوج أو غيره.

2. شرط عدم الإضرار بالزوج في استعمال الزوجة لحقها المالي:

لم يمنح التشريع الإسلامي للزوجة الحق المطلق في التصرف في أموالها الخاصة، وإنما قيد ذلك بقيود، وحدده بشروط وضوابط، مراعاة منه لحقوق الزوج التي له عليها من جهة، وتفاديا للمضارة به من جهة ثانية.

ومن هذه القيود:

1 – ألا يؤدي تبرعها بثلث مالها إلى الإضرار بزوجها، حيث روي عن الإمام مالك منعه للزوجة من تصرفها في ثلث مالها إذا قصدت بذلك الإضرار بزوجها وهو الرأي الذي اختاره ابن الحبيب[16].

2 – ألا يؤول تصرفها في أموالها إلى الإضرار بنفسها وبزوجها، كأن يؤدي ذلك إلى ابتذال جمالها وحسنها وضعف جسمها. يقول ابن قدامة: “وإذا دفع إليها نفقتها فلها أن تتصرف فيها بما أحبت من الصدقة والهبة والمعاوضة ما لم يعد ذلك عليها بضرر في بدنها وضعف في جسمها لأنه حق لها، فلها التصرف فيه بما شاءت كالمهر، وليس لها التصرف فيها على وجه يضر بها، لأن في تفويت حقه منها ونقصا في استمتاعه بها”[17].

جاء في رد المحتار: “فلو قترت على نفسها، فله أن يرفعها للقاضي لتأكل مما فرض لها خوفا عليها من الهزال، فإنه يضرها”[18].

كما أنها أيضا لا تملك التصرف بنفقتها فيما يخص الكسوة إذا كان ذلك يضر بها، ويضر بزوجها. يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: “وكذلك إذا تسلمت كسوتها فأرادت أن تبيعها أو تتصدق بها، وكان ذلك يضر بها أو يخل بتجملها بها، أو يسترها، لم تملك ذلك كما لو أرادت الصدقة بقوتها على وجه يضر بها. وإن لم يكن في ذلك ضرر احتمل الجواز، لأنها ملكت كسوتها فأشبهت النفقة أي نفقة الطعام”[19].

3 – ألا يترتب على استثمار الزوجة لأموالها بالتجارة والفلاحة … إضرارا بزوجها كالتفريط في شؤون البيت، أو إهمال الأبناء[20] أو الاختلاط بالأجانب…

4 – ألا تستثمر أموالها في ما يمس سمعة الدين والأخلاق، كأن تفتح بأموالها مرقصا أو خمارة أو غير ذلك، مما يجلب المعرة لزوجها ولأولادها. كما أنه من حقها – أي الزوجة – أن تتدخل بمنع زوجها من ذلك سواء بسواء[21].

خاتمة

لقد جاء التنصيص في الشريعة الإسلامية على إقرار حق الزوجة في أموالها ليؤكد على الوضع من أن الذمة المالية لكل واحد من الزوجين مستقلة عن الآخر يتصرف فيها كيف يشاء.

إلا أنه وفي إطار البعد المؤسسي التي بنيت عليه الأسرة في المنظور الإسلامي، ووفقا للمنظور الجديد الذي ابتغته بعض القوانين الأسرة – كما هو الحال في المغرب- لما يجب أن يسود العلاقات الأسرية من مودة ورحمة وتعاون من أجل النهوض بمسؤوليات كل واحد من موقعه؛ فقد منحت الإمكانية للزوجين في أن يتفقا في عقد مستقل على تدبير الأموال المكتسبة بعد الزواج فهو اتفاق اختاري ويجد سنده فيما يصطلح عليه فقها وقانونا من تصرفات تدخل في نطاق مبدأ سلطان الإرادة التي تخول لكل شخص تدبير شؤونه وإدارة أموالها، والتصرف فيها بالشكل الذي يراه ملائما من غير أيخالف القواعد الآمرة. فهذا الاتفاق يحدد فيه نصيب كل واحد في الأموال المكتسبة بعد الزواج.

 المراجع و المصادر المعتمدة:

  • القرآن للكريم
  • أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية لمحمد ابن معجوز، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء، طبعة 1418هـ/ 1998م.
  • الجامع لأحكام القران لأبي عبد الله بن احمد القرطبي الأنصاري طبعة دار الفكر بيروت.(د ط د ت)
  • حاشية العلامة أحمد بن محمد الصاوي المالكي بهامش الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك للعلامة أبي البركات محمد بن احمد الدر دير، طبعة دار المعارف (د ط)
  • رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار لخاتمة المحققين محمد أمين الشهير بابن عابدين.دراسة وتحقيق وتعليق: الشيخان عادل أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية. الطبعة الأولى: 1415هـ /1994م.
  • صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق عبد العزيز عبد الله بن باز، دار الفكر. طبعة 1414هـ/1994م.
  • عمل المرأة في سوس الحسن العبادي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية. الطبعة الأولى:1425هـ/2004م.
  • عمل المرأة واختلاطها ودورها في بناء المجتمع لنور الدين عتر، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث. الطبعة الأولى: 1422هـ/ 2001م
  • المرأة بين أحكام الفقه والدعوة إلى التغيير لعبد الكبير العلوي المد غري، مطبعة النجاح الجديدة البيضاء 2000م.
  • –      مسند أحمد بن حنبل، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى: 1993م.
  • المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل الأندلس وإفريقيا والمغرب للإمام أبي العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، تحقيق مجموعة من الأساتذة بإشراف الدكتور محمد حجي، دار الغرب الإسلامي بيروت. (د ط ت).
  • المغني والشرح الكبير على متن المقنع في فقه الإمام أحمد ابن حنبل لشمس الدين ابن قدامة المقدسي، دار الفكر. الطبعة الأولى:1404هـ/1984م،
  • المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم في الشريعة الإسلامية لعبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة. الطبعة الثانية: 1415هـ/ 1994م.
  • مواهب الجليل لشرح مختصر خليل لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمان المغربي المعروف بالحطاب، دار الرشاد الحديثة البيضاء. الطبعة الثالثة: 1412هـ/1996م.
  • نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للإمام محمد بن علي الشوكاني، دار الكتب العلمية بيروت. (د ط د ت).

[1] عمل المرأة واختلاطها ودورها في بناء المجتمع، لنور الدين عتر، ص: 65.

[2] سورة النساء الآيتان:20– 21.

[3] سورة النساء الآية :4

[4] الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي:5/24.

[5] أخرجه أحمد في المسند، من مسند البصريين، باب حديث عمرو بن يثربي عن النبي، رقم: 20577.

[6] مواهب الجليل شرح مختصر خليل ، للإمام الحطاب:5/413.

[7] عمل المرأة واختلاطها ودورها في بناء المجتمع،للنور الدين عنتر: ص:66.

[8] نيل الأوطار للإمام الشوكاني: 6/18– 19.

[9] سورة النساء الآية:6.

[10] عمل المرأة في سوس، للدكتور الحسن العبادي، ص:15.

[11] أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب مناقب قريش، رقم: 3314.

[12] نيل الأوطار: 6/18.

[13] أخرجه أحمد في المسند، من مسند عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، 2/179. والنسائي في كتاب الزكاة، باب عطية المرأة بغير إذن زوجها، رقم: 2542.

[14] سورة النساء الآية:6

[15] ينظر: الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب مالك لأبي البركات أحمد الدردير: 3/403– 404، وينظر: نفس المعنى في المعيار المعرب المعرب، للونشرسي:6/186.

[16] حاشية الصاوي بهامش الشرح الصغير، 3/402.

[17] المغني، لابن قدامة:9/242.

[18] رد المحتار، لابن عابدين: 5/297.

[19] المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم، لعبد الكريم زيدان:7/214- 215

[20] أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، لمحمد ابن معجوز:2/221.

[21] المرأة بين أحكام الفقه والدعوة إلى التغيير للدكتور عبد الكبير العلوي المد غري، ص:193- 194

اظهر المزيد

د. يوسف القسطاسي

دكتوراه الدولة في الفقه والأصول بجامعة القاضي عياض المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: