منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأبعاد المقاصدية من الحوار مع غير المسلمين

0

يعتبر حوار الأديان من المواضيع التي عرفت ولاتزال نقاشا عميقا ومتواصلا من لدن المهتمين من المفكرين المسلمين وغير المسلمين ، ومما لاشك فيه نحن  معشر المسلمين ندعو للحوار – مع قلة من المخالفين – مع باقي الديانات انطلاقا من مبادئنا التي تحث عليه .

فالنصوص الشرعية واضحة في هذا الباب ، نذكر منها  قوله تعالى : ” ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ “- سورة النحل الآية 125 – ويفسر ابن كثير رحمه الله الآية  القرآنية قائلا : – ” أي من احتاج منهم إلى المناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب ” ج2ص871  – تفسير القرآن العظيم – وقوله تعالى : ” وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ”    –سورة العنكبوت الآية46– كما أن أحداث السيرة النبوية شاهدة من الناحية التطبيقية على إباحة الحوار مع غير المسلمين وفق  الضوابط المسطرة لتك الوسيلة المحققة لمبدأ التعايش ، تحت ما يصطلح عليه بالمشترك الإنساني ، والأحاديث في هذا المجال عديدة ،  من ذلك ما ورد في سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ” جاهدوا المشركين بأموالكم و أنفسكم وألسنتكم”.  قال ابن حزم في شأن هذا الحديث ” وهذا حديث غاية في الصحة ، وفيه الأمر بالمناظرة وإيجادها ، كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله “-حديث رقم 2504  كتاب الجهاد ، باب كراهية ترك الغزو- ، ومن ذلك أيضا ما ذكره مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : “ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي ، إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب ، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ” – الحديث رقم 50 ،  كتاب: ” الإيمان” ج1ص70 – .

ورغم ذلك نجد أن هناك خلطا كبيرا يقع فيه بعض المثقفين من المسلمين  ، عند التنظير أو التطبيق للحوار مع غير المسلمين ، بين من يمنع الحوار مع غيرهم  بحجة تصادمهم مع العقيدة الإسلامية التي تحرم الموالاة ومودة غير المسلمين ، وتوجب البراءة منهم ، وفي المقابل بين من يفتح الباب على مصراعيه للحوار مع غير المسلمين دون قيد ولا ضوابط ، ولوكان على حساب العقيدة الإسلامية بدعوى التعايش والتسامح مع الآخر ، فيقع في عدة مخالفات وأخطاء عقدية. ومن هنا يلحق ضرر كبير بالمسلمين وبالعلاقات الإنسانية عامة ، الأمر الذي يستدعي تصحيحا يعود بهذه المعادلة إلى وضعها الأصيل.

فماهي الأبعاد  المقاصدية وراء هذا النوع من العلاقة  ” الحوارية” مع الغير – الغرب – ؟ وكيف يمكن تفعيل الحوار  مع الآخر – الغير مسلمين – كآلية دون المساس بمبادئ عقيدتنا أو الإطاحة بأخلاقنا والذوبان في معدن الآخرين.

المزيد من المشاركات
1 من 69

الغاية من حوار المسلمين مع غيرهم يؤطرها عنوان كبير، يتحدد بالأساس في تحقيق التعارف المبني على التواصل و التعايش الذي تنشده الرؤية الإسلامية في العلاقات الخارجية مع الآخر ،  تنطلق من مبدأ احترام ذلك الآخر لونا وعرقا ، وجنسا ولغة وثقافة ، وهو ما يشكل قاعدة من قواعد السلوك الديني في الإسلام ، واحتراما لمبدأ حرية الاختيار التي تعتبر منحة إلهية ، يقول ابن خلدون في مقدمته ” فباحترام مبدأي الحرية والعدالة تعاد صياغة علاقة الإنسان بالمفاهيم والتصورات ، إذ تتحول من علاقة جامدة منغلقة إلى علاقة تفاعلية تواصلية تنسجم والمثل العليا للوجدان الإنساني ، فالإنسان محتاج إلى غيره ليقيم صرح العمران والحضارة والتمدن ، فهو يستلزم قدرا من الحرية الواعية والمسؤولة والمنظمة ، وأن خراب دروس الحضارات وانحسار الثقافات يرجع إلى تدهور الفكر الحر ، إلى شيوع التغلب والاستبداد وضياع الحرية ”  

فالحوار عند المسلمين مع غيرهم ينطلق من مبدأ احترام الآخر، وتوفر عنصر الاجتماع البشري على قاعدة التعارف الذي يحافظ على الاستقرار ، ويعمق أسباب التواصل والتعارف ، فلا تعارف ولا حوار بدون حرية .

وعليه يمكن رصد جملة من المرامي والمقاصد التي كانت وراء إباحة  الحوار مع غير المسلمين وفق ضوابط مشروعة على النحو التالي : 

-تحقيق التعايش السلمي المشترك في البلدان التي يعيش فيها المسلمون مع غيرهم ،ولمنع حدوث الفتنة ، على اعتبار أن الحوار مع غير المسلمين وسيلة فعالة لرفع معنويات المسلمين في البلاد الإسلامية التي يكثر فيها النصارى والبلاد التي تواجه الحملات التنصيرية ، وكذا دعم موقف الأقليات المسلمة في البلاد غير الإسلامية والمطالبة بحقوقهم .

-إيجاد مساحة من التفاهم يستطيع الجميع من خلالها التعامل مع المخالف والتعايش معه بسلام  .

– دعوة أهل الكتاب إلى أصل دينهم ومعتقدهم الصحيح ، وبيان ما طرأ عليه من تحريف وتبديل مصداقا لقوله عز وجل :  “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ”   سورة آل عمران آية :63.

إن المتتبع لتاريخ الحوار بين المسلمين وغيرهم من أتباع الملل في القديم والحديث يجد أنواعا ثلاثة من الحوار ، يمكن تحديدها على النحو التالي:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

أ-حوار دعوة وكشف الشبهة :

وهو حوار يهدف إلى دعوة غير المسلمين إلى اعتناق الإسلام ، حيث تتركز موضوعات هذا الحوار حول التعريف بالله تبارك وتعالى وصفاته وبالإيمان ونواقضه ، وباليوم الآخر  وسبيل النجاة والخلاص فيه. وتتمثل خصوصيات هذا النوع من الحوار – حوار الدعوة- في : 

-الدعوة إلى الإسلام والسعي إلى إقناع الآخرين بأن الإسلام هو دين الله الذي لا يقبل الله غيره.

– أخذ المسلمين بزمام المبادرة في هذا اللون من الحوار ، إذ هو استجابة لطبيعة دينهم ، ويتحقق ذلك باستضافتهم في دار المسلمين .

– تغلب العلاقات الشخصية على هذا النوع من الحوار الذي يبتعد عن الصفة الرسمية التي تغلب على حوار التعامل والتعايش .

ب-حوار تعامل وتعايش ونبذ العنف :يركز هذا النوع من الحوار على النقاط المشتركة التي يتفق عليها المتحاورون ، فيهدفون إلى تعميقها والتكاثف في سبيلها وغالبا ما تصطبغ بالصبغة الأخلاقية كالحوار حول السلام العالمي والتعايش بين الأمم ومعالجة قضايا التفكك الأسري  ، إلا أن هذا النوع من الحوار ينبغي الحذر منه ، لكون الغرب في غالب الأحيان لا يدعو إلى هذا النوع من الحوار إلا بغرض الاستيلاب وفرض الهيمنة ، باعتبار نظرته الاستعلائية والمهيمنة ، وما مؤتمر نيروبي 1975م ، ومؤتمر القاهرة 1994م، ومؤتمر بكين 1995م ، ومؤتمر استانبول 1997م ، ومؤتمر نيويورك  1999م وعام 2000م ، إلا دليل على نوايا الغرب في استغلال هذا النوع من الحوار لفرض الهيمنة الدينية ، وتمرير أفكارهم الدسيسة من زاوية ثقافتهم المادية الإباحية ، حيث كانت تطرح قضايا للنقاش من قبيل المساواة بين الرجال والنساء ، والمساواة في الميراث ونحوها …. لذلك يلزم التوافق معهم انطلاقا مما مما يجيزه  الشرع ، والدفاع عن ذلك بكل استماتة دون خنوع أو مساومة كما يفعل عدد كبير من أبناء جلدتنا وللأسف .

ت-حوار الوحدة بين الأديان

وهو الحوار الذي يهدف إلى إزالة الفروق والاختلافات العقدية والشعائرية بين المتحاورين ، وتمييع خصائص الأديان والدعوة إلى وحدة الأديان والتقريب منها  ، وهذا لاشك في حرمته ، إذ الأصل أن يخدم الحوار الأهداف التي شرعها الله في مجادلة ومحاورة أهل الكتاب ، أما أن يخدم أهدافا نهى الله عنها فهو أمر ممنوع ، ومخالف لمراد المسلمين من الحوار مع غيرهم من الغرب .

إن تحقيق غايات الحوار عند المسلمين مع غيرهم يلزمه استحضار المبادئ السامية والآداب العالية والهدايات الرفيعة التي تنظم المحاورات من جهة ، و تحقق مهمتهم الأساسية وهي الاتصال بهذا العالم وهدايته إلى الطريق القويم ، ونشر الإسلام بين أرجائه ، و من جهة أخرى إزالة ما قد يحول دون وصول دعوة الإسلام إلى الشعوب ، وهذا يدفعني إلى الوقوف على مبدأ أساسي في مسألة الحوار مع غير المسلمين ، وهو احترام حرية عقائد أهل الأديان وشعائرها  ، فباستقراء السيرة النبوية العطرة في تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام مع غير المسلمين ، يظهر موقف الإسلام حيال الأديان الأخرى ، وحيال أهلها الذي اتسم بالتسامح واحترام حرية عقائد هذه الأديان وشعائرها ، إذ على هذا الأساس أقام الإسلام جميع ما سنه من قواعد ، ووضعه من مبادئ تؤطر للعلاقات بين المسلمين وغير هم .

فالحوار يقتضي الاعتراف بالآخر – فردا كان أو جماعة –  باحترام رأيه بغض النظر عن مدى صحته ، و احترام حقه في الدفاع عن وجهة نظره  وموقفه .

يقول الدكتور عبدالمجيد النجار في هذا الصدد : ” من الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها التعريف بالدين والدعوة إليه الحوار مع المخالفين ، فليست الدعوة عرضا جافا ينبغي القبول أو الرفض في صمت ، وإنما هي دعوة حوارية ، تقبل الاستفسارات والاستبيانات ، بل الاعتراضات والتعقيبات ، ليكون الأمر تدافعا في الرأي يقوم على الحجة …… وحينما تتمايز الصفوف ويأخذ كل موقعه الذي اختاره عن حرية فإن الحوار لا ينقطع بين الطرفين ، بل هو يتواصل ولكن على صعيد آخر ، هو صعيد التعاون فيما هو مشترك من القضايا المتعلقة بمصلحة الإنسان بقطع النظر عن  دينه… ” 

نخلص إذن إلى أن الحوار عند المسلمين مع غيرهم يتحدد في كونه وسيلة موصلة للحقيقة ، تحمل في طياتها وظيفة ذات أبعاد ودلالات تنطلق من مفهوم واحد هو العبودية لله سبحانه وتعالى ، تقول الدكتورة مريم ايت أحمد في هذا الصدد : ” الإسلام يرى في فتح مجال الحوار بين البشر بدل القطيعة والتباعد هدفا ساميا للحفاظ على مفهوم التعبد .” 

فالمسلم الذي يفقد آليات التحاور مع الغير المختلف معه عقديا ، لا يستطيع على كل حال تمرير دينه الحق ، ناهيك عن قدرته على إيصال منتوجه الفكري المستوحى من عقيدته وشريعته ، فتكون النتيجة الحتمية ترك المجال ليسيح الآخر – الغرب-كيف يشاء وبما يشاء على النحو الذي يرتضيه ، ليبقى المسلمون – طوعا أوكرها – فاقدين الأهلية للدفاع عن دينهم عقيدة وشريعة ، ومن جهة فقدان سبل تطوير التعاون وفق المتطلبات التي يمليها العصر ، وهذا يطرح إشكالا آخر في إبراز التحديات التي تعوق الحوار  ، حيث الصراع الحضاري و الثقافي والديني يشكل حاجزا بارزا ، يقف عقبة في وجه تلكم المقاصد السالفة الذكر من الحوار الذي دعا إليه الإسلام قديما وحديثا ، فكيف استطاع الغرب الترويج لأفكاره في ظل ما سماه بالصراع الحضاري والديني ؟ وكيف كانت ردود المفكرين المسلمين تجاه هذا اللون من الحوار ، خاصة لحظة صدور نظرية صامويل هنتنجتون ” صراع الحضارات” ، والتي جاءت كعنوان لكتابه – The Clash of Civilizations- حيث يبرز وبقوة الرغبة في الإطاحة بالدول الإسلامية على المستوى الثقافي ، حتى تتمكن الدول الغربية من السيطرة الكلية  وعلى جميع الميادين ، هذا ما سأتناوله في مقال قادم بحول الله تعالى . يتبع…..

المصادر والمراجع :

-الإحكام في أصول الأحكام :لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت 456هـ) ، المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر ج 1 ص29 ، الناشر: دار الآفاق الجديدة، بيروت.

– المقدمة : عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ولي الدين بن خلدون، المحقق: عبد الله محمد الدرويش ص131 الفصل 25   الناشر دار يعرب ،رقم الطبعة :1 ،سنة النشر :1425ه- 2004 م.

– الحوار الإسلامي المسيحي ص463 د. عجك بسام  ، دار قتيبة للطباعة النشر والتوزيع 1418ه /1998 م .

–  الأحكام والضوابط العقدية المتعلقة بالحوار مع غير المسلمين  د . سهيل بن رفاح بن سهيل العتيبي ص 9 ، 1429 ه 2008 م.

– التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي : للدكتور ناصر محمدي محمد جاد ،ص55 ، الناشر : دار الميمان ،رقم الطبعة :  2 ، 1430 ه – 2009م  

– جدلية الحوار “قراءة الخطاب الإسلامي المعاصر ” دة. مريم ايت أحمد ص39، مطبعة النجاح الجديدة ، الدارالبيضاء الطبعة 1،  2011م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.