أحكام الغسل

أولا: صفة الغسل

ورد في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم حديثان، الأول: عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم “أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله[1]“.

والثاني: عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يضرب بيده على الأرض ثم يمسحها ثم يغسلها، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفرغ على رأسه وعلى سائر جسده، ثم يتنحى فيغسل رجليه[2]“.

ثانيا: موجبات الغسل

موجبات الغسل أربعة، وهي:

1- خروج المني بلذة معتادة، في يقظة أو منام، من رجل أو امرأة، لقوله تعالى: “وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا[3]“، ولما صح عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا رأت الماء”، فغطت أم سلمة، تعني وجهها، وقالت: يا رسول الله أو تحتلم المرأة؟ قال: “نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها[4]“.

2- مغيب الحشفة، في فرج مشتها طبعا، ولو من غير إنزال، لما صح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل[5]“.

3- النفاس: وهو الدم الذي يخرج من المرأة عقب الولادة، فإذا انقطع وجب الغسل قبل فعل ما منع منه الدم، كالصلاة والجماع، فعن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “مرها فلتغتسل ثم لتهل.[6]

4- الحيض، لقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين)[7]،  ولما روي عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش، كانت تستحاض، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي[8].”

ثالثا: فرائض الغسل

فرائض الغسل التي لا يصح إلا بها خمسة، وهي:

1- النية: بأن ينوي المغتسل بقلبه رفع الحدث الأكبر، لقوله عليه السلام فيما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه [9].”

2- الفور: وهو فعل الغسل في فور واحد دون تفريق متعمد، ودليله ما جاء في صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- الدلك: وهو إمرار أي عضو من الأعضاء – يد أو رجل أو كف- على الجسد، لأن معنى الغسل في اللغة يقتضي الدلك، أما صب الماء أو الانغماس فيه فلا يسمى غسلا.

4- تعميم سائر الجسد بالماء، لقول عائشة رضي الله عنها في الحديث السابق وهي تصف غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثم يفيض الماء على جلده كله[10]“، ولما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر[11]“.

5- تخليل الشعر، لقول السيدة عائشة رضي الله عنها واصفة غسل رسول الله  صلى الله عليه وسلم: “ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره[12]“.

رابعا: سنن الغسل

أما سنن الغسل فأربعة، وهي:

1- غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، لما روته عائشة رضي الله عنها من أن النبي صلى الله عليه وسلم “كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه[13]“.

2- المضمضة، ودليلها أنها من أفعال الوضوء، وقد كان صلى الله عليه وسلم “إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة[14]“.

3- الاستنشاق والاستنثار، ودليلهما أنهما من أفعال الوضوء.

4- مسح الأذنين، ودليله أنه من أفعال الوضوء. هذا فيما يتعلق بباطنهما، أما ظاهر الأذنين فيجب غسله، مع الاحتياط حتى لا يدخل الماء لداخل الأذنين.

خامسا: فضائل الغسل

1- التسمية: بأن يقول في بداية غسله: بسم الله، لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه[15]“، والغسل يندرج فيه الوضوء، فالوضوء جزء من الغسل.

2- المكان الطاهر: بأن يغتسل في مكان طاهر، ويتجنب الغسل في الخلاء والأماكن النجسة، فعن ابن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه، أو يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه[16]“.

3- تقليل الماء، وعدم الإسراف، لأن الإسراف خصلة مذمومة شرعا، فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد، وهو يتوضأ، فقال: ” ما هذا السرف ” فقال: أفي الوضوء إسراف، قال: “نعم، وإن كنت على نهر جار[17]“.

4- البدء بإزالة النجاسة من الفرج أو من غيره، لما ورد عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان “إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يضرب بيده على الأرض ثم يمسحها ثم يغسلها[18]“.

5- تقديم أعضاء الوضوء، لما روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في غسله “يتوضأ كما يتوضأ للصلاة[19]“.

6- غسل الرأس ثلاثا، لأنه صلى الله عليه وسلم كان “يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه[20]“.

سادسا: الأغسال المستحبة

1- غسل الكافر إذا أسلم، فعن قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر[21]“.

2- غسل الجمعة: يستحب الغسل يوم الجمعة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل[22]“. كما يستحب أن يكون الاغتسال متصلا بالرواح للصلاة، فعن أبي هريرة أن عمر رضي الله عنه بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لم تحتبسون عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا أن سمعت النداء توضأت، فقال: ألم تسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل[23]“.

3- غسل العيدين: يستحب الغسل ليوم الفطر والأضحى لما روي عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم “يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى[24]“، وعن عبد الرحمن بن عقبة بن الفاكه، عن جده الفاكه بن سعد – وكانت له صحبة -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر.” قال: ” وكان الفاكه بن سعد، يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام[25]“. ورغم أن أحاديث الغسل في العيدين ضعيفة إلا أن هناك آثارا جيدة عن الصحابة، كما قال في البدر المنير[26]. ف” ثبت عن ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة، أنه كان يغتسل يوم العيد قبل خروجه[27]” فعن نافع، أن عبد الله بن عمر كان” يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى[28]“.

4- الغسل للإحرام: يستحب للمرء الاغتسال إذا أراد الإحرام بحج أو عمرة، لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك، فعن عائشة قالت: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم، غسل رأسه بخطمي[29]، وأشنان[30]، ودهنه بشيء من زيت غير كثير[31]“.

5- الغسل لدخول مكة: مكة بلد عظمه الله تعالى وجعل فيه شعائر الحج، ومن تعظيمه ألا يدخله المؤمن إلا بعد الاغتسال وقد كان ذلك ديدن الصحابة رضوان الله عليهم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن نافع، أن ابن عمر: ” كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله[32]“.

6- الغسل للوقوف بعرفة: يستحب للحاج الاغتسال إذا أراد الوقوف بعرفة، فعن مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان “يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخوله مكة، ولوقوفه عشية عرفة[33].”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 صحيح البخاري.[1]

 السنن الصغرى.[2]

 سورة المائدة الآية 6.[3]

 صحيح البخاري.[4]

 صحيح البخاري.[5]

 موطأ الإمام مالك.[6]

 سورة البقرة الآية، 222.[7]

 صحيح البخاري.[8]

 صحيح البخاري.[9]

 صحيح البخاري.[10]

 سنن أبي داود.[11]

 صحيح البخاري.[12]

 صحيح البخاري.[13]

 صحيح البخاري.[14]

 مستدرك الحاكم.[15]

 مستدرك الحاكم.[16]

 سنن ابن ماجه.[17]

 السنن الصغرى.[18]

 صحيح البخاري.[19]

 صحيح البخاري.[20]

 صحيح ابن خزيمة.[21]

 صحيح البخاري.[22]

 صحيح البخاري.[23]

 سنن ابن ماجه.[24]

 رواه أحمد في مسنده، وابن ماجه في سننه.[25]

 نيل الأوطار، ج 1، ص 283.[26]

 زاد المعاد، ج 1، ص 426.[27]

 رواه مالك في الموطأ.[28]

 نوع من النبات.[29]

 نوع من النبات.[30]

 مسند أحمد.[31]

 صحيح مسلم.[32]

 موطأ مالك.[33]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: