أبواب الظل يوم القيامة وسبل الظفر بها

تمهيد:

هي سبعة أبواب للظل، وليست سبعة أشخاص، بيّنها لنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كسبيل للخلاص والنجاة من وهج الشمس وحرها يوم القيامة، الذي يقدر بخمسين ألف سنة، كما قال تعالى: “تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فاصبر صبرا جميلا، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا، يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن، ولا يسأل حميم حميما”[1]. وهو يوم تدنو الشمس فيه من الخلائق وتقترب من رؤوسهم، قال تعالى: “يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد”[2] فالأرض مختلفة[3]، وكذا السماوات والشمس. فالشمس ليست كشمس الدنيا، والزمن ليس كزمن الدنيا، وأحوال الآخرة مختلفة تماما، والقوانين والنواميس الإلهية في الدنيا لا تنطبق على قوانين الدار الآخرة. تلك حقائق قرآنية أخبرنا بها الله عز وجل في كتابه العزيز، كما أخبرتنا بها السنة النبوية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “تدنى الشمس من الخلق حتى تكون منهم بمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق. فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، “قال: وأشار رسول صلى الله عليه وسلم إلى فيه”[4].

فما أسعد الذي ينجو، ويستظل بظل الله في هذا اليوم، ويشعر بالأمان من الفزع والحر؛ حيث لا أمان إلا أمانه، ولا ظل إلا ظله، ولا ملك إلا ملكه، قال القاضي عياض: “إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكله ظله وهو ملكه.”[5]

 

فضل حديث الظل:

عن أبي هريره رضي الله عنه قال: ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عباده الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته إمراه ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.”[6].

ووردت في فضل هذا الحديث أقوال كثيرة: قال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد: “هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال، وأعمها وأوضحها إن شاء الله، وحسبك به فضلا أن العلم أحيط بأن كل من كان في ظل الله يوم القيامة لم ينله هول الموقف.”.

ولفضل هذا الحديث وأهمية العظمى، أفرد له العلماء تآليف وشروح لتقريب معانيه للناس حتى تتبين لهم أبواب الاستظلال يوم القيامة فيقبلوا عليها ممتثلين لأوامر الله العزيز الغفار.

أبواب الظل التي وردت في الحديث:

الباب الأول: العدل في الإمامة والحكم والقضاء وكل مسؤولية وليها المسلم أو المسلمة، وكان فيها العدل الذي لا يتحقق إلا نادرا من طرف المسؤولين، فإن جزاءه الأوفى هو أن يستظل صاحبه بظل الله يوم القيامة.

قال ابن حجر في كتابه معرفة الخصال الموصلة إلى الظل: “وأحسن ما فسر به، الإمام العادل: أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، وقدمه في الذكر لعموم النفع به…. والمراد بالإمام العادل في هذا الحديث: هو صاحب الولاية العظمى ويلحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه “.

وقد أمر الله تعالى بالعدل في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان …”[7]، وقوله تعالى: “يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله”[8]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمان عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا.”[9].

وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، قال: صلى الله عليه وسلم: “ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله عز وجل مغلولا يوم القيامة”.

الباب الثاني: العبادة في فترة الشباب: وخص الشاب أو الشابة بالظل لغلبة الشهوة والهوى وثوران الغرائز في هذه المرحلة العمرية، خاصة في زماننا الذي كثرت فيه الفتن والمغريات وكثر فيه المروق عن الدين، والطاعنون فيه؛ فمن لازم العبادة إبان شبابه، واعتصم بحبل الله، فهو في ظل الله سبحانه وتعالى.

الباب الثالث: تعلق القلب بالمساجد: فمن تعلق قلبه ببيوت الله عز وجل وأحب الصلاة فيها وحضر إلى حلق العلم والذكر فيها يظله الله تحت عرشه. عن أبي هريرة رضي عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: “من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزله من الجنة كما غدا أو راح”[10].

الباب الرابع: رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه، لم تجمعهما مصالح دنيوية صرفه، بل أحبوا بعضهم بعضا في الله، فاستحقا الظل يوم القيامة، أو امرأتان تحابتا في الله، فتشملهما جائزة الظل يوم القيامة.

الباب الخامس: التزام العفة، فمن دعته امرأة ذات مال وجمال ومنصب؛ فمنعه خوفه من الله من تلبية رغبتها، وقال معاذ الله، كما فعل يوسف عليه السلام حتى قال: “ربّ السجن أحب إليّ مما يدعوني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين”. فياله من امتحان صعب! لا ينجح فيه إلا الصابر الخائف من الله، خصوصا وقد اجتمعت فيها كل ما يغري النفس من جمال ومال ومنصب، فيكون الجزاء عظيما: ظل الله يوم القيامة. وكذلك المرأة إذا دعاها رجل ذا منصب ومال، فقالت: إني أخاف الله، يشملها نفس الجزاء.

الباب السادس: باب الصدقة: الرجل أو المرأة اللذين يتصدقان متجنبين المن والأذى، ويخفيان صدقتهما خوفا من السمعة والرياء حتى لا تعلم شمالهما ما تصدقت به يمينهما، فيكون ظل الله يوم القيامة من نصيبهما. قال تعالى: “إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خير لكم”[11].

الباب السابع: باب الخشية والتفكر في عظمة الله: المؤمن والمؤمنة اللذين يحرصان على الخلو بنفسهما للعبادة والتفكر، وذكر الله، واستحضار جلاله وعظمته حتى تخشع قلوبهما وتدمع أعينهما، يكافئهما المولى عز وجل باستحقاق ظله يوم القيامة، جزاء إخلاصهما وخشيتهما وتجردهما في الذكر والعبادة.

ما الجامع بين هذه الخصال حتى استحق أصحابها تلك المكانة العظيمة عند الله؟

يظهر أن هؤلاء السبعة يشتركون في مجاهدة النفس، والخوف من الله تعالى.  قال ابن رجب رحمه الله: “هذه السبعة اختلفت أعمالهم في الصورة وجمعها معنى واحد وهو مجاهدتهم لأنفسهم ومخالفتهم لأهوائها، وذلك يحتاج أولا إلى رياضة شديدة وصبر على الامتناع مما يدعو إليه داعي الشهوة أو الغضب أو الطمع، وفي تجشم ذلك مشقة شديدة على النفس ويحصل لها به تألم عظيم، فإن القلب يكاد يحترق من حر نار الشهوة أو الغضب عند هيجناها إذا لم يظفر ببلوغ من ذلك فلا جرم كان ثواب الصبر على ذلك …” [12]الظل يوم القيامة.      

خاتمة:

هذا بإيجاز بيان فضل هؤلاء السبعة الذين وصلوا إلى درجة الكمال التي ذكرت في الأبواب السبعة أو الخصال السبعة.

وقد ذكر العلماء أبوابا أخرى للظل، منهم ابن حجر – رحمه الله – حيث ذكر سبعة انتقاها من الأحاديث الجيدة السند حسب قوله: ثم تتبعت الأحاديث الواردة في مثل ذلك،  فزادت على عشر خصال وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد،  ونظمتها في بيتين تذيلا على بيتي أبي شامة وهما:

وزد سبعة:

إظلال غاز وعونه وإنظار ذي عسر وتخفيف حِمْلِه *** وإرداف ذي غرم وعون مكاتب وتاجر صدق في المقال وفعله.

…. ثم تتبعت ذلك فجمعة سبعة أخرى ونظمتها في بيتين أخرين وهما:

وزد سبعة: حزن ومشي لمسجد وكره ووضوء ثم مطعم فضله *** وأخذ حق باذل ثم كافل وتاجر صادق في المقال وفعله.

[1] سورة المعارج / 4.

[2]  سورة إبراهيم / 48-49.

[3]  جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد، أرض بيضاء كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم ولم تعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا”، قال: أراه قال: قياما حتى يلجمهم العرق.

[4]  رواه مسلم.

[5]  سنن النسائي، شرح جلال الدين السيوطي وحاشية السندي، دار الكتب العلمية، بيروت، ج4.

[6]  متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، حديث: 103، وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: الحب في الله، حديث: 2391.

[7]  سورة النحل / الآية 90. 

[8]  سورة ص / الآية 26.

[9]  أخرجه الإمام مسلم.

[10]  أخرجه البخاري ومسلم.

[11]  سورة البقرة / الآية 270.

[12]  فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب الحديث 660 كتاب الآذان ص 46 دار ابن الجوزي.

اظهر المزيد

أم كلثوم أكزناي

باحثة في الدراسات الإسلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: