منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يامنة أختي وأمي (قصة قصيرة)

يامنة أختي وأمي (قصة قصيرة)/ مصطفى الشاح

0

يامنة أختي وأمي (قصة قصيرة)

بقلم: مصطفى الشاح

أحضرها أبي الى البيت وهي لم تتجاوز السنتين حين غلب الزمان والديها فعجزا عن رعايتها وكفالتها وحضانتها فكان والدي الحبيب كفيلها، وكانت تناديه بويا. جاء رحمه الله حاملا يامنة على كتفيه كما تحكي الروايات الشفهية العائلية فرحا متوكلا على مولاه غير ملتفت ولا عابئ  بلأواء الزمان ولا بثقل هذا الحمل. وبدأت أختي تحبو بين جدران بيت يضم ابي وأمي وحدهما وبحلول يامنة حل الخير وحلت البركة.  وبدأت أجزاء البيت تالف صوتها وحركتها وصار البيت أكثر دفءا وأكثررحابة وكانه اتسع على اهله بشرا وأنسا. وشاء الله بعد سنتين ان ترزق العائلة اول مولود وكانت أنثى وزادت البهجة والفرحة والسرور. فرحت يامنة باختها الاولى واستبشرت بها خيرا علها تكون مؤنستها وصديقتها. فبدأت تقرب منها وتلمسها وتداعبها وتقبلها وسرى مفعول الحب الفطري الطاهر بينهما وصارت تناديها أختي. ولا نبالغ إن قلنا أنها  صارت تعتني بها وترعاها وتساعد أمي في تربيتها والعناية بها. وحل عبد اللطيف المولود الثاني الطفل الجميل والنجم الساطع في  سماء الاسرة  فوجد اختين واحدة رضعت من نفس الثدي والحليب وأخرى أختا رضعت من ثدي المحبة والصفاء. واتسع البيت وفاض خيره وبركته وكثرت الحركة والصراخ ولكم أن تتخيلوا فرحة الوالد وهو يرى ثمار غرسه تنمو وتكبر. ولم يكن يفرق بين يامنة وبين ابناء الصلب حبا وتقديرا ورعاية وكسوة. ثم قدر الله أن أنضاف الى سجل الاسرة انا وأخي أحمد وصارت يامنة أمنا الثانية حقا وصدقا. تعتني بنظافتنا وأكلنا ولبسنا وحملنا على ظهرها دون كلل او ضجر. تصحب البعيد الى المدرسة وقد تنتظره لساعات كي تعيده للبيت وتحمل المريض الى مستشفى الحومة مسرعة وكأنها هي المريضة فلايهنأ لها بال حتى تنخفض درجة حرارة المريض وتعود البسمة له ولها . تلبي كل حاجات البيت وكانت اول من يستيقظ وآخر من ينام وقد لاتنام. كانت رحمها الله قليلة الكلام صافية الروح صادقة السريرة عفوية المنطق صاحبة القلب الابيض والبسمة الدائمة  لاتتكلم فيما لايعنيها ولا تسأل عما لايفيدها وكنا نحسبها بلهاء لكن للقدر فيها كلمة وأي كلمة.

وجاء يوم الشؤم حين غادرتنا كرها ودموعها تنهمر على خديها وهي تودعنا واحدا واحدا  وكأنها وردة اقتلعت من بستان أو شجرة اجثتت من فوق الارض ما لها من قرار. احتسب الجميع الامر لله فلاخيار حين يحكم القدر.

بعدت يامنة عن عيوننا وما بعدت عن قلوبنا ولا عن أحاديثنا كل مساء. نتذكر لطفها وبسمتها وصدقها وتفانيها خدمة ورعاية لنا وأنا شخصيا كنت أمني النفس أن يامنة ستعود يوما ما لتكمل معنا المشوار.

تزوجت يامنة كرها وكان لها من الولد خمسا ومن البنات زهرتان عاشت شظف العيش والقلة والحرمان  والمعاناة. لم يكن لها سند يحميها وحالت قسوة الزمان بينها وبيننا ردحا من الزمان. لكنها ظلت يامنة الخدومة الصادقة الأمينة حسب روايات نساء الحي جميعا والجيران. كانت محبوبة من الجميع وكانت موضع ثقتهم ومستودع أماناتهم وراعية أطفالهم. لم يقدر ليامنة أن تلج المدارس يوما لكنها كانت استاذة في مدرسة الحياة وبامتياز ونالت أعلى الرتب وأعلى الدرجات.

أصيبت يامنة بشلل أقعدها عن الحركة والكلام، وضعف قلبها حسا لكنه ظل قويا معنى. وظلت تلك الصابرة المحتسبة الراضية بقضاء الله وقدره. حين نزورها تتحامل على نفسها وتظهر لنا بسمتها ودموع الفرحة تساقط رطبا جنيا ولكم ان تتخيلوا جودها وكرمها وهي تومئ بما تستطيع لإبنتها ان تكرم وفادتنا. كان الحزن يعصرنا من الداخل على حالها وما آلت إليه لكن صبرها وعيناها اللتان تحكيان كل شيء يعيدان إلينا الأمل في الله والثقة بعطائه لعباده الصابرين.

 ظلت يامنة على حالها أكثر من ستة عشر سنة ما نقل عنها إلاخيرا  من جميع من زارها أوجالسها حتى اسلمت الروح إلى بارئها راضية مرضية. لم يقدر لي أن رأيتها وهي ميتة  لكن سمعت من أختي وممن غسلوها ثلاث كرامات اودع بها القارئ واترحم بها على أخت ما ولدتها أمي لكن كفلها أبي فكان نعم الكفيل.

-أسلمت الروح وهي مبتسمة

-كانت تنبعث منها ريح المسك الطيبة.

-ماتت وهي رافعة السبابة ونطقت بالشهادة

رحم الله أختي وأمي يامنة وجمعها مع كفيلها في جوار سيدنا محمد عليه اطيب وازكى الصلوات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.