لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم
د. محمد السقا عيد
لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم
بقلم: د. محمد السقا عيد
إن الوقوف أمام خلق الإنسان ليس مجرد تأمّل في جسدٍ متقن أو أعضاءٍ منسّقة، بل هو عبورٌ إلى أعماق الإعجاز الإلهي الذي نُسج داخل كل خلية وفي كل نبضة. فهذا المخلوق الذي يبدأ نطفةً لا تُرى بالعين، يتحوّل بأمر الله إلى كيانٍ كامل، يحمل عقلاً يعقل، وروحاً تتسامى، ونفساً تدرك الخير والشر. وقد لخّص القرآن هذا السر الإلهي العظيم بكلمات قليلة عظيمة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ سورة التين آية 4
وهذه الآية ليست وصفاً لشكل جميل فحسب، بل شهادة ربانية على تكامل البناء البشري ظاهراً وباطناً؛ على دقة الوظائف، وروعة الانسجام الداخلي، وقدرة التفكير، وعمق الوجدان. إنها آية تُعلن أن الإنسان لم يُخلق عبثاً، بل خُلق في أكمل هيئة، وأرقى نظام، وأعظم إعداد لحمل رسالة الاستخلاف في الأرض.
معنى “أحسن تقويم” في التفاسير
اتفق كبار المفسرين – كالطبري وابن كثير والقرطبي والسعدي – على أن معنى قوله تعالى: ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو أن الله خلق الإنسان في أتمّ صورة وأعدل هيئة؛ فجعل قوامه معتدلاً، وأعضاءه متناسبة، وصورته حسنة، وقدراته العقلية والإدراكية كاملة تؤهله للفهم والتمييز. ورأى بعضهم أن أتمّ مظاهر هذا التقويم يظهر في مرحلة الشباب حيث تبلغ قوى الإنسان الجسدية والعقلية ذروتها. وأضاف آخرون أن انتصاب القامة الذي اختصّ الله به الإنسان، وامتلاكه الإرادة الحرة والتمييز بين الخير والشر، هو من تمام هذا الإحسان الإلهي في الخلق. فالمعنى الجامع للآية أن الإنسان خُلق في أكمل هيئة تجمع بين جمال الخِلقة، ودقة التكوين، وسموّ العقل، مما يجعله مخلوقاً فريداً قادراً على تحمل الأمانة والارتقاء في مدارج الكمال.
الصورة الحسنة وتناسب الخِلقة
إن اختلاف البشر في ألوانهم وملامحهم وهيئاتهم لا يغيّر من حقيقة أن الإنسان مخلوق في “أحسن تقويم”، لأن هذا الوصف القرآني لا يرتبط بالجمال الشكلي الذي يختلف من شخص لآخر، بل يتعلّق بالتناسق الدقيق بين أعضاء الجسد ووظائفه. فكل عضو مهيأ ليكون في موضعه المناسب، ويؤدي دوره بكفاءة مذهلة، فيعمل الجهاز العضلي مع العظمي، ويتكامل العصبي مع الحسي، وتنسجم الروح والعقل مع حركة الجسد لتشكّل منظومة متكاملة لا نظير لها في المخلوقات. وحتى من يولد بزيادة أو نقص في عضو من الأعضاء لا يخرج عن إطار هذا الإحسان الإلهي، لأن الآية تتحدث عن كمال خلق النوع الإنساني لا عن كل فرد بمفرده. ثم إن صاحب العيب الخِلقي يمتلك بدوره عقلاً وروحاً وقدرات تمكنه من الإيمان والسعي والعمل والارتقاء، مما يؤكد أن معيار “أحسن تقويم” أعمق بكثير من المظهر، وأن حقيقة التكريم تكمن في البنية الكاملة للإنسان وما أودعه الله فيه من طاقات وإمكانات.
الاعجاز الالهي في خلق الإنسان
يبدأ الإعجاز في خلق الإنسان من تلك الأجهزة الحسية التي بُني عليها إدراكه للعالم؛ فالعين وحدها تحمل عالماً من الدقة يفوق الوصف. شبكيتها تضم مئة مليون مستقبل ضوئي في كل ملليمتر مربع، وهو رقم تتضاءل أمامه أحدث الكاميرات الاحترافية مهما بلغت جودتها. وتستطيع العين تمييز أكثر من مليون لون، بل والتفريق بين مئات الآلاف من درجات اللون الواحد، خاصة الأخضر منها. أما عضلات العين فهي من أسرع عضلات الجسم حركة واستجابة، تتقلص في أقل من جزء من الثانية لتواكب حركة الضوء وتبدّل المشاهد. وفي المقابل تأتي الأذن بقدرة مذهلة لا تقل روعة؛ إذ يمتلك الدماغ نظاماً دقيقاً يحسب فرق وصول الصوت إلى الأذنين بدقة تصل إلى واحد على ألف وستمئة وعشرين من الثانية، فيحدد الإنسان اتجاه الصوت بدقة تكاد تلامس الإعجاز.
ويمتد الإحسان الإلهي إلى أجهزة الحياة الأساسية، حيث يعمل القلب كآلة ربانية لا تهدأ. ينبض أكثر من مئة ألف نبضة في اليوم، ويضخ خلال عمر الإنسان ما يقارب مليون برميل من الدم، في مشهد يعكس استمرارية الحياة بقوة لا تنقطع. أما شبكة الأوعية الدموية التي توزع هذا الدم فهي شبكة هائلة يبلغ طولها مئة ألف كيلومتر، تكفي للإحاطة بكوكب الأرض مرتين ونصف. ويقطع الدم خلالها يومياً ما يقارب تسعة عشر ألف كيلومتر في رحلة لا يعرف الإنسان تفاصيلها إلا حين يتأمل في هذه العجائب. ويتكامل ذلك كله مع خصائص الدم نفسه، إذ يحمل الجسم ما بين خمسة وستة لترات من هذا السائل الحيوي، وتدور خلايا الدم الحمراء طوال حياتها ما يقرب من ربع مليون دورة كاملة لتغذي ما يناهز ستين ترليون خلية.
وفي الرئتين يظهر العجب ذاته؛ فهما تحتويان على ملايين الحويصلات الهوائية الصغيرة التي إن فُردت بلغت مساحتها مساحة مسبح أولمبي تقريباً. هذا السطح الهائل هو سر القدرة التنفسية التي يتميز بها الإنسان، حيث يتم تبادل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بكفاءة عالية جداً. أما الكبد فهو مدينة حية داخل الجسم، يقوم بأكثر من خمسة آلاف وظيفة، من أهمها تنقية الدم وإفراز العصارة الصفراوية، وهو العضو الوحيد القادر على تجديد نفسه خلال أسابيع قليلة، وكأن الله وضع فيه قدرة على النهوض من جديد مهما أصابه من تلف.
ويتجلّى التكريم الإلهي في الجهاز الهضمي، الذي يعمل وفق منظومة معقّدة ومتكاملة. فالمريء يدفع الطعام إلى المعدة حتى لو كان الإنسان مقلوباً رأساً على عقب، بفضل الحركة الدودية التي لا تتوقف. وتأتي الأمعاء الدقيقة—بعرض 2.5 سم وطول يتراوح بين ستة وتسعة أمتار—لتكون المركز الحقيقي لاستخلاص الغذاء، إذ تُحلِّل الأطعمة وتستخلص منها العناصر الضرورية للحياة. ويشاركها الجهاز الهضمي بإنزيمات قوية شبيهة بتلك المستخدمة في تنظيف الملابس، متخصصة في تحليل البروتينات والدهون والكربوهيدرات. كما يضم الجهاز الهضمي بلايين البكتيريا النافعة التي تساعد في الهضم وإنتاج الفيتامينات، بينما ينتج الجسم ستمئة ملليلتر من اللعاب يومياً، ويبتلعه الإنسان أثناء النوم بآلية عصبية دقيقة تمنع دخوله إلى القصبة الهوائية.
ويتربع الدماغ على قمة معجزات الخلق، فهو أعظم جهاز عرفته البشرية. يولد ما بين اثني عشر إلى خمسة وعشرين واطاً من الكهرباء، وهي طاقة تكفي لإضاءة مصباح صغير، ويحتوي على مئة مليار خلية عصبية، بعدد يقارب عدد نجوم مجرة درب التبانة. وتنتقل المعلومات بين خلاياه بسرعة مذهلة تصل إلى أربعمئة وثمانية عشر كيلومتراً في الساعة، بينما يملك قدرة تخزين هائلة تقدَّر باثنين ونصف مليون جيجابايت. وبرغم أن وزنه لا يشكل أكثر من اثنين في المئة من وزن الجسم، إلا أنه يستهلك عشرين في المئة من طاقته، وتنتشر داخله أوعية دموية يبلغ طولها 120 ألف ميل، ما يزيد على 193 ألف كيلومتر، ومع ذلك فهو يخلو من مستقبلات الألم.
ويأتي الهيكل العظمي والعضلات ليكملا هذا البناء المتقن؛ فجسم الإنسان يضم مئتين وستاً من العظام صيغت بأحجام وأشكال مختلفة، لكل منها دور ووظيفة. عظمة الفخذ وحدها قادرة على تحمل ما يقارب طناً كاملاً من الضغط، وهو ما يبرز قوة البنية الداخلية للجسد. وخلال النوم، إذا تعرضت الأوعية الدموية للضغط، ترسل مستقبلات حسية في العظام إشارات دقيقة إلى الدماغ ليأمر الجسم بتغيير وضعه لا إرادياً، فيمنع حدوث التنميل. أما العضلات فتعمل بتناغم معقد، إذ يحتاج الإنسان إلى سبع عشرة عضلة لنطق حرف واحد، وإلى عشرات العضلات لكي يتكلم بسهولة ويسر.
وتتجلى عجائب الخلق في الحواس والجلد والشعر أيضاً؛ فمعظم ما نشعر به من طعم يعود في حقيقته إلى حاسة الشم بنسبة تتراوح بين ثمانين وتسعين في المئة، بينما يقوم الجلد—رغم رقة سمكه الذي لا يتجاوز مليمترين—باستهلاك ما يقرب من ثلث كمية الدم لحماية الجسم وتنظيم حرارته. أما الشعرة الواحدة فيعيش عمرها نحو ست سنوات، وتنمو حوالي ستة مليمترات في الشهر قبل أن تسقط ويحل مكانها غيرها، في دورة حياة دقيقة ومنظمة.
الحكمة من وجود العيوب الخِلقية
إن وجود زيادة في عضو أو نقص فيه عند بعض الأفراد لا يتعارض مع قول الله تعالى: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، لأن المقصود بهذا الإحسان الإلهي هو كمال النوع الإنساني في مجموعه، لا كل فردٍ على حدة. فالعيوب الخِلقية لا تنفي أن الإنسان مخلوق على هيئة متقنة في أصلها، وأن القوانين التي خلق الله عليها البشر قائمة على التناسق والدقة. ثم إن قيمة الإنسان ليست محصورة في صورته الظاهرة، بل في جوهره الداخلي؛ في العقل الذي يميز، والروح التي تسمو، والقدرة على التعلم والتكليف والعمل والإيمان. فكثير ممن ابتُلوا بنقصٍ في عضو أو مرضٍ في جسد تفوّقوا على غيرهم في العلم والفكر والإبداع، مما يدل على أن مناط التكريم الحقيقي هو ما أودعه الله في الإنسان من طاقات وقدرات، وأن “أحسن تقويم” هو وصفٌ يشمل الاستعداد العقلي والروحي قبل أن يكون وصفاً شكلياً. وهكذا تتحول العيوب الظاهرة إلى تذكير بحكمة الله وقدرته، وأن الكمال الذي أراده الله للإنسان أعمق وأشمل من أن يُحصر في صورة أو هيئة.
خاتمة
يبقى الإنسان أعظم آية من آيات الله في الكون، خُلق في أحسن صورة، وزُوّد بعقل يميّز، وروح تسمو، وقدرات جسدية وعقلية لا يملك مثلها أي مخلوق آخر. وكل دراسة علمية تتعمق في أسرار جسده تكشف عن دقة مذهلة في الخلق، وتناسقاً لا مثيل له في الوظائف، وتنسيقاً داخلياً يضمن استمرارية الحياة بكفاءة فائقة. هذه المعجزات الدقيقة ليست مجرد صدفة، بل شهادة واضحة على أن الإنسان لم يُخلق عبثاً، بل لغاية سامية، ليعرف خالقه، ويشكره على نعمه، ويستثمر قدراته في عمارة الأرض وصلاحها، مطبقاً أوامر الله ومستخدماً العقل والروح في خدمة الخير والبناء. فالإنسان، في كل تفاصيل خلقه، هو مزيج من الجمال الخارجي والوظائف الداخلية والقدرة الروحية، ما يجعله تاج المخلوقات وعنوان إعجاز الخالق في الأرض.
ويتجلّى معنى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الذاريات 21 ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ التين 4