منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية

ذ. رشيـــد طــوحة

0

بسم الله الرحمــن الرحيـــم

مقدمــــــــــــــــــة

تشهد حياة المسلمين بأوروبا منذ بعض الزمن تطورا متسارعا، إن على المستوى العددي إذ أصبح عددهم يقدر بعشرات الملايين، أو على المستوى الكيفي إذ أصبح هدف الوجود الإسلامي بهذه البلاد يتجه نحو الاستقرار والمواطنة والشراكة الحضارية مع مختلف مكونات المجتمع من الفئات والأعراق والمنظمات، بعدما كان هذا الوجود يعتبر نفسه خلال مدة طويلة وجودا ظرفيا طارئا غريبا عن المجتمع يعد نفسه للعودة إلى بلاد المنشإ بعدما يقضي غرضا اقتصاديا في أغلب الأحوال.

ومن الطبيعي أن يستلزم هذا التطور العددي في الحجم والكيفي في الهدف تطورا في مختلف وجوه الحياة التي يمارسها المسلمون في مجتمعهم الأوروبي، ومن أهم تلك الوجوه ما يتعلق بالمعاملات المالية التي تجري بها حياتهم اليومية، والتي تتصرف بها شؤونهم الاقتصادية في مختلف مناشطها، إذ أصبح المسلمون في أوروبا يسهمون في حركة التنمية بمشاريع إنتاجية، ومعاملات تجارية، وعمليات مصرفية، مع ما يتطلبه كل ذلك من حركة تمويل واسعة في اتجاهات متعددة بعدما كان الأمر سابقا يكاد يقتصر على أجور تقبض ليصرف جزء منها في مستلزمات الحياة اليومية ويحول الباقي إلى البلاد التي ستكون إليها العودة.

وإذ تجري الحياة الاقتصادية في أوروبا وعلى رأسها حركة التمويل على أسس من القوانين الوضعية غير المطابقة لأحكام الشريعة الإسلامية، فإن المسلمين وهم يقتحمون هذا المعترك المالي بمقتضى التطور الذي تشهده أوضاعهم الجديدة يجدون حرجا شديدا في ممارسة حياتهم الاقتصادية، إذ هم يجدون أنفسهم بين مقتضيات تدفعهم إلى الاندراج في حركة التمويل لتطوير حياتهم، وبين قوانين لا تنسجم في جوانب كبيرة منها مع معتقداتهم المتعلقة بالتمويل وما يندرج تحتها من أحكام في هذا الشأن[1].

ولعل من أهم المشكلات التي يواجهها المسلمون في المجتمعات الغربية، مسألة القروض الربوية التي لا مناص منها لمن أراد الانخراط في الحياة الاقتصادية للقيام بواجب التنمية الذي تقتضيه المواطنة. وبين واجب التنمية هذا، وواجب الالتزام بمجموعة من القوانين والأوضاع التي يخضع لها ذلك الانخراط وهي مخالفة في كثير منها لأحكام الشريعة، ارتأت مجموعة من المؤسسات الشرعية وعلى رأسها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أن تضع المسألة على محك البحث ليجدوا لها مخرجا، وليفتوا فيها بما يجعل المسلم ينخرط في دورة التمويل وفق رؤية شرعية، فيكون مرتاح الضمير وهو يؤدي واجباته الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الذي أصبح مجتمعه الثابت الذي سيعيش فيه  وسيعيش فيه أبناؤه وأحفاده.

من هنا جاءت أهمية هذا الكتابة في موضوع: القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية،  الذي يسعى إلى الإجابة عن إشكالية مركزية هي: هل تسوّغ الحاجة أو الضرورة الخاصة أو العامة الاقتراض من هذه البنوك للبناء أو التعمير أو الاستثمار أو التطوير؟ وما هو رأي الفقهاء في هذا النوع من القروض؟ وإلى أي حد استطاع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث أن يوفق بين آراء الفقهاء وبين واقع المسلمين في المجتمعات الغربية؟

وقد استطاع هذا المقال العلمي أن يجمع بين المنهج الاستقرائي، وذلك من خلال استقراء آراء الفقهاء في حكم الربا في غير دار الإسلام وأدلة كل رأي، وبين المنهج التحليلي من خلال بيان منهج فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في هذه القروض الربوية.

ثم إن هذا البحث قد جاء متميزا عن غيره من الدراسات السابقة في الموضوع من خلال جمعه بين آراء المذاهب الفقهية من جهة، وبين الرأي المعتمد لدى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث من جهة ثانية، مبينا أدلة كل فريق، والمرتكزات التي بنى عليها رأيه..

وقد ارتأيت من خلال هذا المقال أن أتطرق لفتاوى كل من الفقهاء، والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في مسألة القروض الربوية لشراء المساكن في المجتمعات الغربية، وآرائهم في هذه الفتاوى، معتمدا الخطة التالية:

توطــــــــئة للموضوع

المحور الأول: حكم الربا في غير دار الإسلام

المحور الثاني: حكم القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية

               خاتـــــــــــمة

 

توطئة..

تُعدُّ القروض أهم أعمال البنوك التجارية، وذلك لأنّ قيامها بقبول أموال المودعين، إنما هو بهدف إقراض هذه الودائع لمن يفتقر إلى المال، لقاء فائدة تحصل عليها من المقترضين وهذه الفائدة هي العائد الأساسي من أنشطة هذه البنوك.

وإننا إذا أمعنا النظر في القروض التي يقترضها الناس من البنوك، نجد أنها في المجمل العام تنقسم إلى قسمين:

1- قروض استهلاكية: وهي تلك القروض التي يأخذها المحتاجون لقضاء حوائجهم، حيث يلجأ صغار الموظفين وعامة المحتاجين إلى الاقتراض عند الشدة من البنوك مقابل فوائد ربوية إلى أجل محدّد.

ومن الطبيعي أن دخل هؤلاء المساكين يعجز عن الوفاء بما عليهم من ديون مما يؤدي إلى تراكمها وزيادتها عاماً بعد عام…مما يؤدي بهم إلى الانحراف وارتكاب الجرائم فضلاً عن الهموم والأحزان التي تنخر كفاءتهم ونشاطهم الذهني والبدني.

ولهذا كان هذا النوع من القروض من أعظمها ضرراً وأشدّها خطورة سواءً على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي، حيث أن المرابي يسلبُ آخر ما تبقى عند الطبقة الفقيرة من قوة الشراء ليضيفها لخزائنه ممّا يؤدي بالمجتمع إلى مزيد من القروض التي تجلب المزيد إلى خزائنه وهذا ما لا يخفى على أحد من الاقتصاديين ضرره وخطورته.

2- القروض الإنتاجية: وهي تلك القروض التي يقترضها العميل أو الزبون من البنك لتوظيفها في مشاريع استثماريّة كتطوير مشروع أو بناء مشروع يحقق له عائداً وأرباحاً مقابل فوائد ربويّة مترتبة على هذا القرض يدفعها المستثمر للبنك.

وبذلك يضمن البنك ربحاً شهرياً أو سنوياً دون بذل أدنى مجهود، بينما يقوم المقترض بالكدح والعمل وتحمّل الخطر وربما يخسر فيطالبه البنك برأس المال والربح[2].

ولا شك أنه ليس هنالك أحد ينكر فداحة شرور القروض الربوية ومفاسدها على المجتمع الإنساني وبالتالي لا يتردد مفتٍ أو عالم بالقول بحرمتها واعتبارها من الكبائر بل من السبع الموبقات.

المحور الأول: حكم الربا في غير دار الإسلام

اتفق الفقهاء على حرمة القيام بعقود ربويّة في دار الإسلام سواءً أكان ذلك بين المسلم والمسلم أو بين المسلم والحربي، وسواءً أكان ذلك برضاه أو بغير رضاه. واختلفوا في حكم التعامل بالربا بين أهل دار الإسلام وأهل دار الحرب في دار الحرب إلى الأقوال التالية:

القول الأول: وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وبعض الحنابلة، أنّه يجوز للمسلم أن يتعامل بالربا مع أهل دار الحرب في دار الحرب[3].

قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: “لو أنّ مسلماً دخل أرض الحرب بأمان فباعهم الدرهم بالدرهمين لم يكن بذلك بأس”.

وقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى: “وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان”[4].

وقال أيضاً: “ولو أنّ المستأمن فيهم باعهم درهماً بدرهمين إلى سنة ثمّ خرج إلى دارنا ثمّ رجع إليهم وأخرج من عامه ثم رجع إليهم فأخذ الدراهم بعد حلول الأجل، لم يكن به بأس”[5].

وذكر بعض الحنابلة رواية عن الإمام أحمد:  “أنّه لا يحرم الربا في دار الحرب”[6].

ومن باب أولى إذا أجاز هذا الفريق للمسلم أن يأخذ الربا من الحربي في دار الحرب إذا دخلها بعقد أمان أن يبيح له أخذه إذا دخلها بغير عقد أمان.

وذهب سفيان الثوري والخرقي والمرداوي من فقهاء الحنابلة إلى القول بأنّ الربا محرم في دار الإسلام ودار الحرب إلا بين مسلم وحربي لا أمان[7] بينهما[8].

وأطلق الإمام الزركشي من فقهاء الحنابلة جواز الربا بين المسلم والحربي سواءً كان في دار الإسلام أو دار الحرب وسواء كان بأمان أو غيره.

والفرق بين كلام الزركشي وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن أنّ الزركشي أباح التعامل بالربا بين المسلم والحربي مطلقاً سواءً حصل ذلك بدار الإسلام أم بدار الحرب بينما أبو حنيفة ومحمد بن الحسن اشترطا أن يكون ذلك في دار الحرب .

القول الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد والأوزاعي وأبي يوسف من الحنفية والظاهرية، أنّه لا يجوز لأهل دار الإسلام من المسلمين والذميين أن يتعاملوا بالربا مع أهل دار الحرب مطلقاً، سواءً كانت المعاملة في دار الإسلام أو في دار الحرب[9].

قال النووي رحمه الله تعالى: “ولا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حراماً في دار الإسلام كان حراماً في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين أو مسلم وحربي، سواء دخلها المسلم بأمان أو بغيره، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف والجمهور[10].

وقال المرداوي الحنبلي رحمه الله تعالى: “والصحيح من المذهب أنّ الربا محرم بين الحربي والمسلم مطلقاً، وعليه أكثر الأصحاب وقطع به كثير منهم، ونصّ عليه الإمام أحمد”[11].

وفيما يلي عرض لأدلة كلا الفريقين:

أولاً: أدلة الفريق الأول:

استدل القائلون بجواز التعامل بالربا بين المسلم والحربي بما يلي:

  • بما روي عن مكحول عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: “لا ربا بين المسلم والحربيّ في دار الحرب”[12].

واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:

أ– أنّ هذا حديث مرسل ضعيف لا يصح الاحتجاج به، حيث يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: “والجواب على حديث مكحول أنّه مرسل ضعيف فلا حجة فيه”[13].

فلا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة وانعقد الإجماع على تحريمه بخبر مجهول لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به[14].

ب– إنه وعلى فرض صحة الحديث، فإنّ معناه يحتمل أن يكون المقصود به تحريم الربا بين المسلم والحربي كما هو محرم بين المسلمين، كقوله تعالى: ” فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ “[15].

وعليه يقول النووي رحمه الله تعالى: ” ولو صحّ لتأولناه على أنّ معناه: لا يباح الربا في دار الحرب جمعاً بين الأدلة”[16].

2– بما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه قال في خُطبته يوم الوداع بعرفات: “وربا الجاهلية موضوعٌ وأوّل ربا أضعُ ربانا ربا العباس بن عبد المطّلب فإنّه موضوعٌ كُلّه”[17].

ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنّ العباس رضي الله عنه بعد ما أسلم رجع إلى مكة وهي حينئذ دار حرب، وكان يربي بها قبل نزول التحريم وبعد نزوله إلى زمن الفتح، وهذا يدلّ على أنّ حكم الربا لا يجري بين المسلم والحربي في دار الحرب، وذلك لأنّه لو لم يكن الربا بين المسلمين والمشركين حلالاً في دار الحرب لكان ربا العباس موضوعاً يوم أسلم وما قبض منه بعد إسلامه مردوداً، لقوله تعالى: ” وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون ولا تُظلمون”[18]، وممّا يؤكد ذلك أنّه معلوم أنّه قد كان بين نزول الآية وبين خطبة النبي صلّى الله عليه وسلّم بمكة ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضاً عقودٌ من عقود الربا بمكّة قبل الفتح ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميّز ما كان منها قبل نزول الآية ممّا كان بعد نزولها[19].

وأجيب على هذا الاستدلال بما يلي:

أنّه يكفي حمل لفظ الحديث على أنّ العباس رضي الله عنه كان له رباً في الجاهلية قبل إسلامه، لأنّه ليس ثمّة دليل واضح على أنه بعد إسلامه استمر على الربا، ولو سُلِّم استمراره عليه، فقد لا يكون عالماً بتحريمه، فأراد النبي صلى الله عليه وسلّم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ[20].

3– لأنّ مالهم مباح، وبعقد أحدنا الأمان منهم لم يصِر مالهم معصوماً، إلا أنّه التزامٌ بألاّ يتعرّض لهم بغدر ولا يأخذ ما في أيديهم بدون رضاهم، فإذا أخذ برضاهم وبطيب أنفسهم، أخذ مالاً مباحاً بلا غدر فيملكه بحكم الإباحة[21].

وعليه يقول ابن الهمام رحمه الله تعالى : ” لو لم يرِد خبرُ مكحول أجازه النظر المذكور، أعني: كون مالِه مباحاً إلاّ لعارض لزوم الغدر”[22].

وأجيب على هذا الاستدلال بما يلي:

أنّه لا يلزم من كون أموالهم مباحةً بالاغتنام استباحتها بالعقد الفاسد، ولهذا تباح أبضاع نسائهم بالسبي دون العقد الفاسد[23].

4– لأن أحكام المسلمين لا تجري عليهم، فبأي وجه أخذ أموالهم برضا منهم فهو جائز.

وأجيب على هذا الاستدلال: بأنّه لا يلزم عدم جريان حكم الإسلام عليهم عدم جريانه على المسلمين، فالمسلمون ملزمون بأحكامهم أينما يكونون، حتى ولو كان الطرف الثاني يرضى بذلك، لأنّ الربا وإن رضي به الطرفان، وهما بالغان رشيدان، لم يبح ذلك لما فيه من ظلم ومحق[24].

ثانياً: أدلة الفريق الثاني:

استدل القائلون بعدم جواز الربا بين المسلم والحربي بما يلي:

1– بعموم الآيات الدالة على تحريم الربا من غير فرق:

أ– قوله تعالى: ” الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطُه الشيطانُ من المسّ ذلك بأنّهم قالوا إنمّا البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من رّبه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”[25].

ب– قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لّم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون ولا تُظلمون”.

ج – قوله تعالى: ” يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفةً واتقوا الله لعلكم تُفلحون “[26].

وجه الاستدلال: أنّ الوعيد والأمر بترك الربا والنهي عن أكله في الآيات المذكورة يفيد الإطلاق والعموم، فلم يُقيد ذلك بمكان دون مكان أو بزمان دون آخر، ولا يُخص عموم الآيات إلا بدليل، وعليه يقول صاحب البحر الزخار: ” ولا يحل الربا في دار الحرب إذ لم يُفصّل الدليل”[27].

2– عموم الأخبار الدالة على تحريم الربا دون فرق بين مكان دون آخر، ومن تلك الأخبار:

  • عن جابر قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء[28].
  • عن عثمان بن عفان أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: “لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين”[29].

3– أنّ كل ما كان حراماً في دار الإسلام، كان حراماً في دار الحرب كسائر الفواحش والمعاصي[30].

4– أنّ حرمة الربا كما هي ثابتة في حقّ المسلمين فهي ثابتة في حقّ الكفار، لأنّهم مخاطبون بالمحرمات في الصحيح من الأقوال[31]. لقوله تعالى: “وأخذهمُ الربا وقد نهوا عنه وأكلِهم أموال الناس بالباطل”[32].

5–  القياس على المستأمن من أهل الحرب في دار الإسلام، فإنه إذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان وباع درهمين بدرهم فإنه لا يجوز وكذلك إذا دخل المسلم دار الحرب وفعل ذلك فلا يجوز له، بجامع تحقق الفضل الخالي عن العوض المستحق بعقد البيع[33].

وخلاصة القول أن الأخذ برأي الجمهور في هذه المسألة أحوط، ولكنّه أشق، ذلك أنّ الامتناع عن التعامل بالربا كلّه وقليله وجليّه وخفيه في نظام لا يطبق الإسلام ليس بالأمر السهل، فالمسلم المقيم في غير بلاد الإسلام لو استطاع الامتناع عن أخذه فإنّه لا يستطيع الامتناع عن إعطائه.

لذا يمكن الأخذ بقول أبي حنيفة ومن وافقه في حالة الوفرة لمال المسلم سواء في حالة الأخذ منهم أو الإعطاء ، وذلك على اعتبار أنّ المسلم قد يكون مستفيدا في بعض الأحيان على الرغم من دفعه الربا، فالمسلم بالإسلام يزيد ولا ينقص ويتقدم ولا يتأخر، على الرغم من أنّنا لا نسلّم بوصف هذه الدول مطلقا بدار حرب لمجرد كونها لا تحكم بالإسلام، وفي غير هذه الحالة لا يفتى إلاّ في حالة الحاجة الماسّة التي تنزل منزلة الضرورة سواء أكانت عامة أم خاصة، على أن يكون ذلك بحدود ضيقة يقدّرها المفتي مع صاحب الشأن .

المحور الثاني: حكم القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية

لتحديد حكم الشرع من القروض الربوية لتمويل شراء المساكن في المجتمعات الغربية، لا بدّ أولاً من بيان هل تملك المسكن من الضروريات أم من الحاجيات أم التحسينات، ومن ثمّ ما هي المزايا المالية التي تعود على المسلم بسبب هذا الاقتراض؟ أي هل بذلك وفرة لمال المسلم عن غير المسلمين؟

إن المتأمل لهذه القضية سيجد أن السكن من الضروريات، لكن تملكه يبقى من قبيل الحاجيات، ذلك لأنّ الضروريات هي الأمور التي لا بدّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة،  بل على فساد وتهارج وفوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.

وبيّنَ الشاطبي أنّ مجموع هذه الضروريات خمسة وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل[34].

ولا شك أنّ السكن يدخل في مجال الضروريات، وذلك لأنّ نوم الإنسان في العراء بدون مسكن يسكنه هو وزوجته وأولاده لا يجعله بمنأى عن الاعتداء عليه في حياته أو عرضه أو ماله إلا إذا كان في ليلهِ يقظاً مستعداً بسلاحِه لصد اللصوص ومقاتلة المعتدين، وتكون حياة الفرد في هذه الحالة حياة غير مطمئنة، وإنما في حال استنفار دائم لصدّ الخطر أثناء الليل عن نفسه وعرضه وماله وأولاده، والمسكن إحدى الوسائل المؤدية إلى حفظ الضروري فيكون هو الآخر ضروريا، وقد صرح بهذا الإمام الشاطبي عندما تكلم عن الضروريات  التي لا بدّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وهي حفظ الدين والنفس والعقل.. وذكر المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات، وهي المساكن[35]. إلا أن تملك هذه المساكن لا يدخل في مرتبة الضروريات، لأنّ عدم التملك لا يؤدي إلى الفساد أو التهارج  أو فوت الحياة في الدنيا، وذلك لأنّ الضرورة كما سبق حالة استثنائية طارئة من الخطر أو المشقة الشديدة التي تقع على المكلف في دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله أو ماله… كما أن تملك المسكن ليس ترفاً أو شيئاً كمالياً يمكن الاستغناء عنه بلا مشقة أو حرج فيدخل في مرتبة التحسينيات.

ولكن في المقابل عدم التملك للسكن قد يلحق بالشخص نوعاً من الحرج الاجتماعي أو المالي… وذلك لأنّ التملك يجعل الشخص أصفى ذهناً وأكثر استقراراً بحيث يختار الشخص المكان المناسب الذي يريد السكن فيه في الموقع الذي يحدده بإرادته وهو ما لا يتاح عند البحث عن مسكن للإيجار غالباً.

ولا شك أنّ استقرار المسلم في منطقة ذات نسبة عالية من الأمان أو بالقرب من مدارس أو جيرة ذات مستوى متقدم من العوامل المعينة له على تهيئة ظروف معيشية أفضل له ولأولاده مما قد يعينه على أنّ يعيش بإسلامه وأن يوجه طاقاته لخدمة الكيان الإسلامي الذي يعيش فيه.

كما أنّ تملك المسكن يعطي فرصة أكبر للأسرة المسلمة بزيادة عددها، بخلاف ما إذا كان مستأجراً فإنّه سيتقيد بحجم البيت وبالمصاريف الشهرية.

كما أنّ الشخص قد يجد صعوبة في بعض المناطق في الزواج وذلك لعدم قبول بعض الفتيات أو أوليائهن بتزويج من يسكن ببيت مستأجر، مدعياً أنّه يريد أن يؤمّن مستقبل ابنته، مما يؤدي إلى تأخر سن الزواج لدى بعض الشباب، الأمر الذي قد يساعد على انتشار الرذيلة والفساد.

وفي حالة الموافقة  على السكنى ببيت مستأجر فإنها تكون بالغالب موافقة مشروطة على أن يبني بعد فترة وجيزة من زواجه، وفي العادة يصعب على الشاب أن يوفّق بين التزاماته الأسرية وبين تهيئة المسكن الذي وعد به الفتاة أو وليها قبل الزواج، مما يؤدي إلى نشوب بعض الخلافات أحياناً بين الشاب والفتاة أو بين الشاب ووليها بحيث قد تولِّدُ هذه الخلافات خلافات أسرية أخرى قد تكون ضحيتها في نهاية المطاف الأسرة بكليتها، ولعلّ الأمر يكون أكثر تعقيداً فيما لو كان هنالك أطفال لهذه الأسرة فيتجرعوا بذلك مرارة الأزمة بين ربيّ الأسرة.

وفضلاً عن ذلك فإن هنالك بعض المزايا المادية التي قد يجنيها الشخص من وراء الاقتراض، منها:

أنّ قسط الإيجار في كثير من الأحيان يكون مساوياً أو أكثر من القسط الملزم بدفعه شهرياً للبنك، فلو أنّ شخصاً استقرض من البنك مبلغاً يقدّر بـ80000  دولار لبناء بيت، فإنه يلزم بدفع 500 دولار شهرياً للبنك وبالمقابل لو أراد أن يستأجر بيتاً فإنّه يحتاج إلى ما يساوي المبلغ نفسه، ولكن الفرق بين الحالتين أنّه في الحالة الأولى ” وهي الاقتراض”، يصير بعد عشرين عاماً مالكاً للبيت، وفي الحالة الثانية يبقى مستأجراً رغم أنه في الحالتين بعد عشرين عاماً يكون قد دفع المبلغ نفسه.

كما أن إحساس المالكِ بملكية بيته يزيده حفاظاً عليه وتحسيناً له وإضافة عليه مما يزيد من قيمته المادية  إذا ما أراد بيعه، بخلاف الإيجار فإن المستأجر يبخل في كثير من الأحيان على تحسين ظروف البيت  وتطويره بل قد لا يسمح له القيام بذلك.

واعتمادا على ما تقدم من المعطيات، فإنه يمكن القول بجواز الإفتاء للمعيّن بالاقتراض الربوي لشراء البيوت لغرض السكن فقط، كما هو الشأن بالنسبة لقرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، المتخذ في الدورة الرابعة للمجلس، والمنعقدة بمدينة دبلن بأيرلندا، في الفترة : 18-22 رجب 1420 هـ الموافق 27-31 أكتوبر 1999 م.

وفيما يلي نص القرار 4/2 الذي اتخذه المجلس في حكم شراء المنازل بقرض بنكي ربوي للمسلمين في غير بلاد الإسلام:

نظر المجلس في القضية التي عمت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها، وهي قضية المنازل التي تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية.
وقد قدمت إلى المجلس عدة أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض، قرئت على المجلس، ثم ناقشها جميع الأعضاء مناقشة مستفيضة، انتهى بعدها المجلس بأغلبية أعضائه إلى ما يلي :
1 – يؤكد المجلس على ما أجمعت عليه الأمة من حرمة الربا، وأنه من السبع الموبقات، ومن الكبائر التي تؤذن بحرب من الله ورسوله، ويؤكد ما قررته المجامع الفقهية الإسلامية من أن فوائد البنوك هي الربا الحرام.
2 – يناشد المجلس أبناء المسلمين في الغرب أن يجتهدوا في إيجاد البدائل الشرعية، التي لا شبهة فيها، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، مثل (بيع المرابحة) الذي تستخدمه البنوك الإسلامية، ومثل تأسيس شركات إسلامية تنشئ مثل هذه البيوت بشروط ميسرة مقدورة لجمهور المسلمين، وغير ذلك.
3 – كما يدعو التجمعات الإسلامية في أوروبا أن تفاوض البنوك الأوروبية التقليدية، لتحويل هذه المعاملة إلى صيغة مقبولة شرعا، مثل (بيع التقسيط) الذي يزاد فيه الثمن مقابل الزيادة في الأجل، فإن هذا سيجلب لهم عددا كبيرا من المسلمين يتعامل معهم على أساس هذه الطريقة، وهو ما يجري به العمل في بعض الأقطار الأوروبية، وقد رأينا عددا من البنوك الغربية الكبرى تفتح فروعا لها في بلادنا العربية تتعامل وفق الشريعة الإسلامية، كما في البحرين وغيرها.
ويمكن للمجلس أن يساعد في ذلك بإرسال نداء إلى هذه البنوك، لتعديل سلوكها مع المسلمين.

4 – وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ميسرا في الوقت الحاضر، فإن المجلس في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية، لا يرى بأسا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يمكّنه من شرائه بغير هذه الوسيلة، وقد اعتمد المجلس في فتواه على مرتكزين أساسيين:
المرتكز الأول: قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) : وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من نصوص القرآن في خمسة مواضع، منها قوله تعالى في سورة الأنعام : “وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه”، ومنها قوله تعالى في نفس السورة بعد ذكر محرمات الأطعمة: “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم”، ومما قرره الفقهاء هنا أن الحاجة قد تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.
والحاجة هي التي إذا لم تتحقق يكون المسلم في حرج وإن كان يستطيع أن يعيش، بخلاف الضرورة التي لا يستطيع أن يعيش بدونها، والله تعالى رفع الحرج عن هذه الأمة بنصوص القرآن كما في قوله تعالى في سورة الحج: “وما جعل عليكم في الدين من حرج” وفي سورة المائدة: “ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج”.
والمسكن الذي يدفع عن المسلم الحرج هو المسكن المناسب له في موقعه وفي سعته وفي مرافقه، بحيث يكون سكنا حقا.
وإذا كان المجلس قد اعتمد على قاعدة الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإنه لم ينس القاعدة الأخرى الضابطة والمكملة لها، وهي أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، فلم يجز تملك البيوت للتجارة ونحوها.

والمسكن ولا شك ضرورة للفرد المسلم وللأسرة المسلمة، وقد امتن الله بذلك على عباده حين قال: “والله جعل لكم من بيوتكم سكنا”، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم السكن الواسع عنصرا من عناصر السعادة الأربعة أو الثلاثة، والمسكن المستأجر لا يلبي كل حاجة المسلم، ولا يشعره بالأمان، وإن كان يكلف المسلم كثيرا بما يدفعه لغير المسلم، ويظل سنوات وسنوات يدفع أجرته ولا يملك منه حجرا واحدا، ومع هذا يظل المسلم عرضة للطرد من هذا المسكن إذا كثر عياله أو كثر ضيوفه، كما أنه إذا كبرت سنه أو قل دخله أو انقطع يصبح عرضة لأن يرمى به في الطريق.
وتملك المسكن يكفي المسلم هذا الهم، كما أنه يمكّنه أن يختار المسكن قريبا من المسجد والمركز الإسلامي، والمدرسة الإسلامية، ويهيئ فرصة للمجموعة المسلمة أن تتقارب في مساكنها عسى أن تنشئ لها مجتمعا إسلاميا صغيرا داخل المجتمع الكبير، فيتعارف فيه أبناؤهم، وتقوى روابطهم، ويتعاونون على العيش في ظل مفاهيم الإسلام.
كما أن هذا يمكّن المسلم من إعداد بيته وترتيبه بما يلبي حاجته الدينية والاجتماعية، ما دام مملوكا له.
وهناك إلى جانب هذه الحاجة الفردية لكل مسلم، الحاجة العامة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقلية خارج دار الإسلام ، وهي تتمثل في تحسين أحوالهم المعيشية، حتى يرتفع مستواهم، ويكونوا أهلا للانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس، ويغدوا صورة مشرقة للإسلام أمام غير المسلمين، كما تتمثل في أن يتحرروا من الضغوط الاقتصادية عليهم، ليقوموا بواجب الدعوة ويساهموا في بناء المجتمع العام، وهذا يقتضي ألا يظل المسلم يكد وينصب طول عمره من أجل دفع قيمة إيجار بيته ونفقات عيشه، ولا يجد فرصة لخدمة مجتمعه، أو نشر دعوته.

المرتكز الثاني: هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني – وهو المفتى به في المذهب الحنفي – وكذلك سفيان الثوري وإبراهيم النخعي، وهو رواية عن أحمد، ورجحها ابن تيمية، فيما ذكره بعض الحنابلة من جواز التعامل بالربا – وغيره من العقود الفاسدة – بين المسلمين وغيرهم في دار الحرب، ولهم في ذلك أدلة ذكرها الإمام الطحاوي وغيره، لا يتسع المقام لذكرها.
والمراد بدار الحرب عند الحنفية ما ليس بدار إسلام، فالتقسيم عندهم ثنائي وليس ثلاثيا، فيدخل فيها ما يسمى عند غيرهم دار عهد، أو دار أمان، ولهذا نفضل التعبير عن هذا المعنى بقولنا: التعامل خارج دار الإسلام.
ويرجح الأخذ بهذا المذهب هنا عدة اعتبارات، منها :
1 – أن المسلم غير مكلف شرعا أن يقيم أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يؤمن بالإسلام، لأن هذا ليس في وسعه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وتحريم الربا هو من هذه الأحكام التي تتعلق بهوية المجتمع، وفلسفة الدولة، و اتجاهها الاجتماعي والاقتصادي.
وإنما يطالب المسلم بإقامة الأحكام التي تخصه فردا، مثل أحكام العبادات، وأحكام المطعومات والمشروبات والملبوسات وما يتعلق بالزواج والطلاق والرجعة والعدة والميراث وغيرها من الأحوال الشخصية، بحيث لو ضيق عليه في هذه الأمور، ولم يستطع بحال إقامة دينه فيها لوجب عليه أن يهاجر إلى أرض الله الواسعة ما وجد إلى ذلك سبيلا.

2 – أن المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة – ومنها عقد الربا – في دار القوم، سيؤدي ذلك بالمسلم إلى أن يكون التزامه بالإسلام سببا لضعفه اقتصاديا، وخسارته ماليا، والمفروض أن الإسلام يقوي المسلم ولا يضعفه، ويزيده ولا ينقصه، وينفعه ولا يضره ، وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم من الكافر بحديث “الإسلام يزيد ولا ينقص” أي يزيد المسلم ولا ينقصه، ومثله حديث “الإسلام يعلو ولا يُعلى”، وهو إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم، سيضطر إلى أن يعطي ما يطلب منه، ولا يأخذ مقابله، فهو ينفذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارم، ولا ينفذها فيما يكون له من مغانم، فعليه الغُرم دائما وليس له الغُنْم، وبهذا يظل المسلم أبدا مظلوما ماليا، بسبب التزامه بالإسلام، والإسلام لا يقصد أبدا إلى أن يظلم المسلم بالتزامه به، وأن يتركه – في غير دار الإسلام – لغير المسلم، يمتصه ويستفيد منه، في حين يحرم على المسلم أن ينتفع من معاملة غير المسلم في المقابل في ضوء العقود السائدة، والمعترف بها عندهم.
وما يقال من أن مذهب الحنفية إنما يجيز التعامل بالربا في حالة الأخذ لا الإعطاء ، لأنه لا فائدة للمسلم في الإعطاء وهم لا يجيزون التعامل بالعقود الفاسدة إلا بشرطين:
الأول: أن يكون فيها منفعة للمسلم ،
والثاني: ألا يكون فيها غدر ولا خيانة لغير المسلم، وهنا لم تتحقق المنفعة للمسلم، والجواب: أن هذا غير مسلّم ، مما يدل على ذلك قول محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير، وإطلاق المتقدمين من علماء المذاهب، كما أن المسلم وإن كان يعطي الفائدة هنا فهو المستفيد، إذ به يتملك المنزل في النهاية.

وقد أكد المسلمون الذين يعيشون في هذه الديار بالسماع المباشر منهم وبالمراسلة: أن الأقساط التي يدفعونها للبنك بقدر الأجرة التي يدفعونها للمالك، بل أحيانا تكون أقل، ومعنى هذا أننا إذا حرّمنا التعامل هنا بالفائدة مع البنك حرمنا المسلم من امتلاك مسكن له ولأسرته، وهو من الحاجات الأصلية للإنسان كما يعبر الفقهاء، وربما يظل عشرين أو ثلاثين سنة أو أكثر، يدفع إيجارا شهريا أو سنويا، ولا يملك شيئا، على حين كان يمكنه في خلال عشرين سنة – وربما أقل – أن يملك البيت.
فلو لم يكن هذا التعامل جائزا على مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، لكان جائزا عند الجميع للحاجة التي تنزل أحيانا منزلة الضرورة، في إباحة المحظور بها.
ولا سيما أن المسلم هنا، إنما يؤكل الربا ولا يأكله، أي هو يعطي الفائدة ولا يأخذها، والأصل في التحريم منصب على (أكل الربا) كما نطقت به آيات القرآن، إنما حرم الإيكال سدا للذريعة، كما حرمت الكتابة له والشهادة عليه، فهو من باب تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد.
ومن المعلوم أن أكل الربا المحرم لا يجوز بحال، أما إيكاله – بمعنى إعطاء الفائدة – فيجوز للحاجة، وقد نص على ذلك الفقهاء، وأجازوا الاستقراض بالربا للحاجة إذا سدت في وجهه أبواب الحلال.
ومن القواعد الشهيرة هنا: أن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة، والله الموفق.

خاتـــــــــمة:

بالرغم من كل المرتكزات التي اعتمدها المجلس في إصدار هذا القرار، إلا أن المسألة بقيت محطة نقاش مجموعة من الدورات التي خصصها المجلس للبحث في المعاملات المالية للمسلمين في أوروبا لتعرض فيها جملة من البحوث في هذا الشأن[36]، ما بين مؤكد لصحة القرار، وما بين مطالب بإعادة النظر فيه، كما هو الشأن بالنسبة لبحث الشيخ يوسف الجديع: “الربا والعقود المالية الفاسدة في غير بلاد الإسلام“، الذي انتهى فيه إلى أن الرأي الغالب هو الرأي القائل بالمنع، وأن الآراء المجيزة إنما بنيت إجازتها على ظروف وأحوال وملابسات تعود إلى قرون خالية، وهي غير منطبقة على الظروف والأحوال التي يعيشها المسلمون اليوم بأوروبا، ولذلك فإن منع مثل هذه المعاملات هو الذي ينبغي أن يصير إليه المسلمون، ولا يستثنى من ذلك إلا ما تبيحه الضرورات أو الحاجات التي تنزل منزلة الضرورات[37].


[1] – المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد 14-15.

[2] – الاقتراض من البنوك الربوية القائمة خارج ديار الإسلام، لمشهور فواز محاجنه، (بحث مقدم للدورة التاسعة عشر للمجلس بإسطنبول)

[3] – محمد امين الشهير بابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، ج4، ص196، دار الفكر، بيروت.

[4] – الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي، شرح السير الكبير، ج4، ص1410، دار الطباعة العامرة 1285هـ.

[5] – شرح السير الكبير، مرجع سابق، ج4، ص1486.

[6] – ينظر: الإنصاف للمرداوي، ج5، ص53، والفروع لابن المفلح، ج3، ص174.

[7] – الأمان لغةً: ضد الخوف وأيضاً بمعنى الأمن والأمانة، ينظر: لسان العرب، ج13، ص21-22، واصطلاحاً: ” عقد يفيد ترك القتل والقتال مع الحربيين”.

[8] – ينظر: المغني، لابن قدامة، ج8، ص458، والإنصاف للماوردي، ج5، ص52.

[9] – الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي، روضة الطالبين، ج3، ص395، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.

[10] – روضة الطالبين، مرجع سابق، ج3، ص395.

[11] – ينظر الإنصاف للمرداوي، ج5، ص52.

[12] – قال ابن حجر العسقلاني: لم أجده، لكن ذكره الشافعي من طريق البيهقي. ينظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية، لابن حجر، ج2،ص158.

[13] – الإمام أبو زكريا محيي الدين ابن شرف النووي، المجموع شرح مهذب الشيرازي، ج9، ص390، تحقيق وتعليق محمد نجيب المطيعي.

[14] – المغني، لابن قدامة، مرجع سابق، ج4، ص64.

[15] – البقرة، الآية 197.

[16] – المجموع، للإمام النووي، ج9، ص391.

[17] – رواه مسلم، ج15، ص147.

[18] – البقرة، الآية 279.

[19] – ينظر: المبسوط ، للسرخسي، ج10،ص28، وأحكام القرآن, للجصاص, ج1،ص471.

[20] – ينظر: تكملة المجموع للسبكي , ج10، ص439.

[21] – العلامة زين العابدين بن نجيم الحنفي، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ج6، ص135.

[22] – شرح فتح القدير، لابن الهمام، ج6، ص178.

[23] – ينظر: المجموع للنووي، ج9، ص391. وتكملة المجموع, للسبكي، ج10،ص419.

[24] – مجموع فتاوى ابن تيمية، ج15، ص126.

[25] – البقرة ، الآية: 278-279.

[26] – آل عمران، الآية :130.

[27] – ينظر: البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، لأحمد بن يحيى المرتضى، ج4/ص340.

[28] – رواه مسلم , حديث رقم ( 1598 ).

[29] – رواه مسلم, حديث رقم  (1585 ).

[30] – ينظر: الأم، للشافعي، ج4،ص227. والمجموع، للنووي، ج9،ص391.

[31] – ينظر: بدائع الصنائع, للكاساني، ج5، ص192.

[32] – سورة النساء ، الآية: 161.

[33] – بدائع الصنائع، للكاساني، مرجع سابق، ج5، ص192.

[34] – ينظر: الموافقات، للشاطبي، ج2، ص10.

[35] – الموافقات، ج2، ص9.

[36] – من البحوث التي ناقشت هذه القضية، والتي قدمت للمجلس في الدورة الثامنة عشر:

  • الشيخ عبد الله بن بية، “مقاصد الشريعة في المعاملات المالية”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد: 14-15.
  • الشيخ صهيب حسن، “المعاملات المالية للمسلمين في أوروبا”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد: 14-15.
  • الشيخ راشد الغنوشي، “أثر حقوق الإنسان في الإسلام على السلوك الاقتصادي للمسلم”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد: 14-15.
  • الأستاذ مصطفى ملا أوغلو، “المبادئ الأخلاقية للتعامل المالي في أوروبا”، المجلة العلمية للمجلس، العدد: 14-15.
  • الشيخ الدكتور يوسف الجديع، “الربا والعقود المالية الفاسدة في غير بلاد الإسلام”، المجلة العلمية للمجلس، العدد: 14-15.
  • الشيخ عبد الستار أبو غدة، “تمويل المنافع في أوروبا”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد: 14-15.
  • الشيخ سالم الشيخي، “القروض الطلابية في أوروبا”، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد: 14-15.

[37] – الشيخ الدكتور يوسف الجديع، “الربا والعقود المالية الفاسدة في غير بلاد الإسلام”، ص330، بتصرف، المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد: 14-15.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.