هل يجب الهدي في النيابة في رمي الجمرات مع العجز؟
الشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
هل يجب الهدي في النيابة في رمي الجمرات مع العجز؟
للشيخ عبد الله بنطاهر التناني السوسي
*نص السؤال*
جاءني سؤال في حق من لم يستطع الرمي لعجز من مرض أو شيخوخة، فوكل من يقوم بذلك نيابة عنه؛ هل يجب عليه الهدي أم لا؟ والمرشدون هناك اختلفوا على أنفسهم؛ فمنهم من يقول: عليه هدي، ومنهم من يقول: لا شيء عليه، وعوام الحجاج الذين لا يدركون معنى الخلاف الفقهي وأنه جزء من الرحمة هم الضحية؛ إذ ينال منهم التشويش أي منال.
*نص الجواب*
الجواب والله الموفق للصواب:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد؛ فإن القول بوجوب الهدي على المستنيب في الرمي أو عدم وجوبه من المسائل التي تثير نوعا من الشغب الخلافي بين مرشدي الحجاج كل سنة أيام منى، وفي محاولة مني للتخفيف من وطأة هذا الشغب أقول:
الأصل في رمي الجمرات:
الأصل في رمي الجمرات أنه واجب على كل حاج مطلقا؛ صغيرا كان أو كبيرا، صحيحا أو مريضا أو شيخا فانيا، وأن يقوم بذلك بنفسه؛ ولكن الإسلام رخص للعاجز الذي لم يستطع القيام به أن يوكل من ينوب عنه في ذلك وجوبا عند الجمهور من المالكية وغيرهم؛ فإن لم يوكل فهو آثم ويجب عليه الهدي(1).
وأصل هذه النيابة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ومذهب الصحابي:
أما الكتاب فعموم قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن: 16]، والطفل ونحوه من أهل الأعذار لا يستطيعون الرمي، وغاية ما يقدرون عليه هو الاستنابة(2).
أما السنة فلما روى الترمذي وابن ماجه وأحمد وابن أبي شيبة، عن جابر قال: «حججنا مع رسول اللهﷺ ومعنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم»(3)، وفي رواية الترمذي: «كنا إذا حججنا مع النبيﷺ، فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان»(4)؛ قال ابن العربي نقلا عن ابن القطان: “ولفظ ابن أبي شيبة أشبه بالصواب؛ فإن المرأة لا يُلَبَّي عنها”(5).
أما الإجماع؛ فقال ابن المنذر: “أما الصبي الذي لا يقدر على الرمي فكل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عنه”(6).
أما مذهب الصحابي فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ومن لم يستطع رُمِيَ عنه»(7)، “وبه قال عطاء والزهري ومالك والشافعي وإسحاق”(8).
أما القياس فقال فيه الشنقيطي: “وأما الرمي عن المريض ونحوه ممن كان له عذر غير الصغر فلا أعلم له مستَنَداً من النقل…؛ وبعض أهل العلم يستدل لذلك بالقياس على الصبيان، بجامع العجز في الجميع”(9)، وقال فيه الإمام النووي: “استدل أصحابنا على جواز الاستنابة في الرمي بالقياس على الاستنابة في أصل الحج، قالوا: والرمي أولى بالجواز”(10).
الحاصل في النيابة في الرمي عند المالكية:
الحاصل في النيابة في الرمي عند المالكية باعتبار الدم والإثم هو على ثلاثة أنواع:
1) النيابة للمستطيع بدون عجز؛ فمن أناب من الأصحاء بدون عذر من صغر أو مرض أو شيخوخة أو حبس؛ فهو آثم وعليه هدي باتفاق المذاهب الأربعة.
2) النيابة للعاجز بسبب الصغر للصبيان؛ فلا هدي عليه ولا إثم قولا واحدا عند المالكية، وبه قال بقية المذاهب الأربعة أيضا.
3) النيابة للعاجز بسبب غير الصغر؛ من مرض أو شيخوخة أو حبس حكمه على قسمين:
أ) إذا تمكن العاجز في اليوم الآخير له من أيام منى حسب التعجل أو التأخر من الرمي عن باقي الأيام الأخرى كما يفعل الرعاة والسقاة؛ فعند المالكية فيه خلاف: قيل: لا إثم عليه وعليه هدي، وقال الإمام أشهبُ: “لا هدي عليه إن أعاد ما رُمِيَ عنه، وقاله عطاء”(11)، وقال اللخمي: “لاهدي عليه وهو أحسن، وإذا جاز لرعاة الإبل التأخير مع القدرة على الرمي لاشتغالهم بشيء من أمر الدنيا كان المريض أعذر، وألا دم عليه”(12)، وبه قال بقية المذاهب الأربعة أيضا.
وفي هذا حل مناسب للعجزة عن الرمي تفاديا لوجوب الهدي عليهم في المذهب المالكي، لمن استطاع منهم أن يتحمل وإن بمشقة حتى يتمكن في اليوم الأخير من الرمي، فعلى المرشدين أن يوجهوا من فيه بقية من الاستطاعة لهذا.
ب) إذا لم يتمكن العاجز من الرمي في اليوم الأخير كما يقع اليوم لكثير من العاجزين عن الرمي، وهو مثار الشغب الخلافي المذكور؛ فعند المالكية عليه هدي؛ لأنه ترك الواجب بتركه الرمي بنفسه، ولا إثم عليه، والنيابة عندهم تُسْقِط الإثم ولا تُسْقِط الهدي.
والأصل في هذا ما في الموطإ: “أن مالكا سئل: هل يُرمَي عن الصبي والمريض؟ فقال: نعم. ويتحرى المريض حين يُرمَى عنه فيكبر وهو في منزله، ويهرق دما، فإن صح المريض في أيام التشريق رمى الذي رُمي عنه وأهدى وجوبا”(13)؛ وعلل القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد السلام المالكي التونسي ذلك بقوله: “الفرق بين الصبي والعاجز: أن الرمي في حق الصبي جزء من أفعال الحج التي تفعل بالصبي، والفاعل في الحقيقة لها غير الصبي، فلا يلزم في الرمي عنه هدي، كما لا يلزم في سائر الأفعال، من وقوف وطواف وغير ذلك، والمريض هو الفاعل لسائر الأركان، فإذا فعل عنه الرمي خاصة مع أنه أتى بسائر الأفعال صار كأن الرمي لم يقع البتة”(14).
أما عند الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة فلا إثم عليه كما لا هدي عليه(15).
وجهة نظري في المسألة:
والذي يبدو لي من المسألة أن الأيسر والأنسب للحجاج اليوم هو قول الجمهور من غير المالكية بأنه لا هدي على العاجز ولا إثم؛ لما يلي:
أولا: لأن المالكية قالوا بالنيابة عن الصبي مع سقوط الهدي والإثم معا، وهو الأصل الموجود في الحديث، وقاسوا عليه العاجز لمرض أو شيخوخة كما سبق؛ والفرع يقاس على أصله، فتترتب عليه جميع أحكامه؛ من وجوب النيابة وسقوط الهدي والإثم معا.
ثانيا: لأن المالكية اختلفوا فيمن رمى في اليوم الأخير عن بقية الأيام؛ فقال بعضهم ومنهم الإمام اللخمي: “لا هدي عليه وهو أحسن”؛ ومن رمى في اليوم الأخير قد أخل بالرمي في وقته من الأيام الأخرى، فيكون في هذا مثل من لم يرم أصلا؛ فلم يجب الهدي على هذا دون ذاك؟
ثالثا: لأن قواعد الشريعة عموما تدل على أن إثم ترك الواجب في أية مسألة يزول بمجرد حصول المشقة وعدم الاستطاعة؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة: 286]؛ وبالتالي لا معنى لوجوب الهدي مع النيابة وعدمها؛ وبهذا تتحقق الفائدة من النيابة، وتفترق عمن ترك الرمي أصالة أو نيابة.
رابعا: لأن القول بوجوب الهدي على العاجز مع النيابة فيه تشدد يوقعنا في تشدد آخر؛ لأن مصاعب الهدي المادية والبدنية في المذهب المالكي أيضا أشد من مصاعب الرمي الذي عجز عنه المستنيب؛ وعليه فمن أفتى من المرشدين بوجوب الهدي على المستنيب مدعيا الالتزام بالمذهب يجب عليه أيضا أن يفتي بوجوب الجمع بين الحل والحرم في الهدي وهو مذهب المالكية، وألا يقول للناس بدفع ثمن الهدي للأبناك المكلفة هناك توكيلا؛ لأنها لا تجمع في الهدايا بين الحل والحرم، حيث يتم دفع ثمنه في مكة ليذبح في مكة، دون أن يعتبر أحد -لا الحاجُّ الموكِّل ولا البنكُ الموكَّل- كونَه من الحل أو من الحرم؛ فمن شدد في الالتزام بالمذهب في مسألة فليتزم به في جميع ما يتعلق بها، أما أن يشدد في جزء منها ويخفف في الجزء الآخر دون سبب معقول فهو غير مقبول؛ حيث يلتزم بالمذهب في لزوم الهدي بالنيابة ثم نراه يغادره فورا في شروط هذا الهدي نفسه!
الخلاصة والنتيجة:
يتلخص مما سبق ما يلي:
• أن من يستطع أن يرمي ورغم ذلك تخلف عنه بالنيابة فهو آثم ويجب عليه الهدي، وليستغفر الله باتفاق المذاهب الأربعة.
• أن من لم يستطع الرمي لصغر من الأطفال يسقط عنه الإثم والهدي معا باتفاق المذاهب الأربعة أيضا.
• أن من لم يستطع الرمي لعذر غير الصغر كالمرض والشيوخوخة؛ فإن رمى عن باقي الأيام في اليوم الأخير له في منى فقال بعض المالكية ومنهم الإمام اللخمي: لا إثم ولا هدي عليه، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة؛ وإذا لم يتمكن من الرمي في اليوم الأخير فإنه يسقط عنه الإثم بحصول المشقة، كما يسقط عنه الهدي بالنيابة، وهذا هو مذهب الجمهور من غير المالكية تيسيرا على الحجاج وإن كان المذهب المالكي أحوط؛ فإن العجزة من الحجاج في منى أحوج إلى التيسير منهم إلى الاحتياط؛ ولأن الخروج عن المذهب في جزئية لا يعني الخروج عنه بالكلية، وهذا معروف عند جميع علماء المذهب، فقد اتهم الإمام اللخمي بتمزيق المذهب من أجل ذلك، فنحن مالكيو المذهب –ولله الحمد- رغم أنف هذه الجزئية.
• ينبغي للمرشد الذي تمسك بالمذهب المالكي أن يبين للناس على الأقل أنه المذهب الوحيد الذي يقول بوجوب الهدي في النيابة، وأن غيره من مذاهب العلماء يقول: لا هدي على العاجز عن الرمي ولا إثم عليه؛ حتى يكون الحاج على بصيرة من أمره.
• أخيرا المراد بالدم هنا الهدي، وهو الذبح، فمن لم يستطع صام عشرة أيام بالترتيب؛ الذبح أولا ثم الصيام، وهو غير الفدية التي جاءت بالتخير بين الثلاثة: إطعام ستتة مساكين، أو صوم ثلاثة أيام، أوذبح شاة؛ لأن الهدي يترتب على من ترك واجبا، والفدية تترتب على من ارتكب ممنوعا، ومن لم يرم الجمرات فقد ترك واجبا ولم يرتكب ممنوعا.
والله أعلم؛ هذا فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فسبحان الله.
الهامـــــش:
(1) الشرح الكبير للشيخ الدردير: (2/ 48).
(2) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي: (4/ 474).
(3) رجال إسناد ابن ماجه هذا ثقات معروفون إلا أشعث، وهو ابن سَوَّارٍ الْكِنْدِيُّ النَّجَّارُ الْكُوفِيُّ؛ اختلف المحدثون فيه: ضعَّفَه غيرُ واحد، وقيل عنه: “أضعف من سمي بالأشاعثة” ووثقه البعض، وعلى أي فهو ممن يُعْتَبَر بحديثه كما يدل عليه إخراجُ مسلم له في المتابَعَاتِ،؛ قال الحافظ ابن عَدِيٍّ: “وفي الجملة يكتب حديثه، ولم أجد له متنا منكرا، وإنما يغلَط في الأحايين في الأسانيد ويُخَالِف”. انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر: (1/ 353)، وسير أعلام النبلاء للذهبي: (6/ 376)، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي: (4/ 474).
(4) قال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، بل هي تلبي عن نفسها، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية» سنن الترمذي: أبواب الحج: باب ما جاء في حج الصبي: (2/ 258): (927)، وسنن ابن ماجه: كتاب المناسك: باب الرمي عن الصبيان: (2/ 1010): (3038)، ومسند أحمد: (3/314): (14423)، ومصنف ابن أبي شيبة: (3/ 242).
(5) تحفة الأحوذي شرح الترمذي لابن العربي: (3/ 577).
(6) الإشراف لابن المنذر: (3/ 328)، والإجماع له أيضا: (ص56)،
(7) المجموع شرح المهذب (7/ 21).
(8) المغني لابن قدامة: (3/242).
(9) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي: (4/ 474).
(10) المجموع للنووي: (8/175).
(11) الجامع لابن يونس: (5/570)، والنوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني: (2/ 407).
(12) تبصرة اللخمي: (3/1230).
(13) موطأ مالك: كتاب الحج: باب رمي الجمار: (1/407): (216).
(14) انظر مواهب الجليل للحطاب: 3/131.
(15) هداية السالك إلى المذاهب الأربعة في المناسك لابن جماعة: (3/1117)، و المبسوط للسرخسي: (4/69)، والمجموع شرح المهذب للنووي: (8/219)، والمغني لابن قدامة: (3/257).