منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

القرآن يشهد بعضه لبعض

سلسلة "القراءات المعاصرة للقرآن الكريم" مساءلة نقدية لمشروع الجابري

0
اشترك في النشرة البريدية

اعتاد الجابري في كتبه أن يضع في مقدمتها بين يدي القارئ المنهج الذي حدده لتناول الموضوع المطروح عبر الكتاب، ونفس الشيء فعله في كتابه التعريف بالقرآن، حيث حدد منهجه في فهم القرآن بقوله : » لعل كثيرا من القراء الذين يتابعون أعمالنا يذكرون أننا قد حددنا لأنفسنا منذ أزيد من ربع قرن…منهجا ورؤية في ما نقوم به من أبحاث في موروثنا الثقافي. من ركائز هذا المنهج / الرؤية : جعل المقروء معاصرا لنفسه ومعاصرا لنا في الوقت نفسه. ولما كان الأمر يتعلق هنا بالقرآن فإن أحسن طريق إلى تطبيق هذا المنهج / الرؤية في التعامل معه هو، في نظرنا، ذلك المبدأ الذي نادى به كثير من علماء الإسلام، مفسرين وغيرهم، وهو أن” القرآن يشرح بعضه بعضا “…ومن ثم التعامل مع كل موضوع نطرحه، بشأن القرآن، بحسب طبيعته. فإن كان مما ينتمي إلى النسبي والتاريخي رجعنا به إلى ترتيب النزول، وإن كان مما ينتمي إلى المطلق واللازمني طرحناه على مستوى القرآن ككل بوصفه يشرح بعضه بعضا ويكون الحكم فيه هو “قصد الشارع ” وليس الزمن والتاريخ. وهذا لا يمنع من اعتماد المستويين معا حين يقتضي الموضوع ذلك « [1].

المقالة السابقة https://islamanar.com/series-reply-to-al-jabri/

هناك بعض آليات الفهم التي تضمنها منهج الجابري –  كالقول بالوحدة الظرفية للسورة الواحدة ورد السنة التي لا يشهد لها القرآن بالصحة – لا أساس لها من الصحة، بل هي قصور واضح في فهم المنهج الذي سطره العلماء الذين يزعم الجابري أنه يأخذ عنهم، كما أنه قول في كتاب الله تعالى بغير علم. والحق أن بعض آليات الفهم الأخرى التي تضمنها منهج الجابري كمعهود العرب، ودلالة السياق صحيحة تماما، وقد اعتمدها العلماء رحمهم الله تعالى في فهم مراد الله تعالى.

ولكن الملاحظ أن الجابري في تعامله معها يخطئ في فهمها من جهة، ويسيء تنزيلها من جهة أخرى، وقد قدمنا آنفا نماذج واضحة على ذلك. ومن ذلك قوله : » أن القرآن يشهد بعضه لبعض « [2]، وهو المعروف عند المفسرين بتفسير القرآن بالقرآن، أما هذه الصيغة التي جاء بها الجابري فهي بداية لسوء الفهم. ولذلك يبدأ الجابري بنقض عمل العلماء في هذا الباب بزعمه أن العلماء يأخذون معان من سور تأخر نزولها ويفهمون على ضوئها آيات متقدمة على مستوى النزول.

ففي تعليقه على سورة الماعون، يقول الجابري : »وها هنا نص قرآني آخر اختلف المفسرون في شرحه لوجود مسافة بين مبناه ومعناه يعمرها ما تراكم في ذهن المفسر من تصورات تستمد وجودها ومفعولها من مراحل متأخرة عن زمن النص. إن الأمر يتعلق بقراءة نص بما لم يكن قد تقرر بعد « [3].

المزيد من المشاركات
1 من 30

والسبب الذي جعل المفسرين – حسب زعم الجابري – يقرؤون نصا بما لم يكن قد تقرر بعد هو أنهم »يتبعون ترتيب المصحف فيبدؤون بالبقرة متتبعين القرآن المدني ليعودوا بعد ذلك القهقرى مع القرآن المكي من أواخر ما نزل إلى أوائله…وهذا النوع من القلب يطال كتب التفسير كلها، أعني أن عملية التفسير تتعامل مع القرآن مقلوبا « [4].

وبهذا الكلام يكون الجابري قد هدم مبدأ تفسير القرآن بالقرآن من الأساس، رغم أن هذه التهمة التي اتهم بها الجابري المفسرين – عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه – تهمة باطلة، والمقلوب هنا هو فهم القائل بهذا الكلام المجانب للصواب في ميزان العلم، والذي ليس عليه دليل أو برهان، لأن القرآن الكريم كل لا يتجزأ يفسر بعضه بعضا بغض النظر عن السابق من اللاحق.

أما التمييز بين السابق واللاحق فمطلوب في حالة النسخ الذي ينكر الجابري وجوده أصلا، والدليل على ذلك ما رواه الإمام البخاري عن عبد الله رضي الله عنه ، قال : لما نزلت هذه الآية : الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنه ليس بذاك ، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه : إن الشرك لظلم عظيم [5]“. فالآية الأولى هي الآية 82 من سورة الأنعام التي وضعها الجابري في الرتبة 54 حسب ترتيب النزول، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة معناها بما ورد في الآية 13 من سورة لقمان التي وضعها الجابري في الرتبة 56 حسب ترتيب النزول : أي أن المفسر أسبق من المفسر به، والمفسر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخبر أصح من تخمينات الجابري وافتراضاته، لأنه ورد في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى هو الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله تعالى.

والجابري يتكلم هنا وكأن بدعة فهم القرآن حسب ترتيب النزول قد سلمت له ولم يعد يحيط بها أي إشكال أو غموض، رغم أنها محاولة بائسة فاشلة، لأنها تعتمد فقط على الأوهام والافتراضات والتخمين – باعتراف الجابري نفسه – في أمور لا قول فيها إلا بالنقل.

وهناك دليل آخر على بطلان هذا الذي ذهب إليه الجابري، لأنه مبني على غير أساس وصاحبه يسير على غير هدى، ولذلك وقع الجابري نفسه في هذا الذي أنكره على المفسرين، في تناقض عجيب غريب أصبح سمة بارزة في فكر الجابري، فقد جاء في أحد استطراداته ما يلي : »وكانت قريش قد تحدوا النبي عليه السلام :” وَقَالُوا لَن نُّومِنَ لَكَ حَتَّىا تُفَجِّرَ لَنَا مِنَ الاَرْضِ يَنبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الاَنْهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا “[6]، فأثر ذلك في نفسه تأثيرا كبيرا، فجاء القرآن يواسيه ويثبته، قال تعالى :” فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىا ءَاثَارِهِمُ إِن لَّمْ يُومِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا اِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمُ أَيُّهُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا “[7] « [8].

فالجابري هنا يجعل كلام كفار قريش الوارد في سورة الإسراء سببا فيما ورد في سورة الكهف، رغم أنه رتب سورة الكهف في الرتبة 70 حسب ترتيب النزول، ورتب سورة الإسراء في الرتبة 86 حسب ترتيب النزول الذي اعتمده هو، وبالتالي فإن الجابري وضع منهجا وانتقد من خالفه فيه رغم أنه هو نفسه لم يستطع الالتزام به !.

وهكذا يلغي الجابري كل التراث التفسيري لأكابر العلماء بجرة قلم، ويتهمهم بأنهم فسروا القرآن تفسيرا مقلوبا، وبما أننا في زمن انتهى فيه دور العظماء وجاء فيه دور المثقف، الذي يتحدث في كل شيء، في السياسة والاقتصاد والاجتماع وحتى في الدين فإن الجابري يطمح إلى أن يوضح »كيف أن ” فهم القرآن ” ليس هو مجرد نظر في نص ملئت هوامشه وحواشيه بما لا يحصى من التفسيرات والتأويلات بل هو أيضا ” فصل هذا النص عن تلك الهوامش والحواشي، ليس من أجل الإلقاء بها في سلة المهملات، بل من أجل ربطها بزمانها ومكانها، كي يتأتى لنا ” الوصل ” بيننا، نحن في عصرنا، وبين ” النص ” نفسه كما هو في أصالته الدائمة « [9].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

وفي نموذج آخر نجد الجابري يخلف أيضا موعده مع المنهج الذي حدده لنفسه بعد أن فصل هذا النص القرآني عن تلك الهوامش والحواشي من تفسير علماء أجلاء لأنه يتهمهم بأنهم يقدمون تفسيرا للقرآن لا علاقة له بحقيقة القرآن، بل هو خليط من الإسرائيليات والأهواء الإيديولوجية ومفرزات البيئة التي يعيش فيها المفسر.

ففي تعليقه على قصة أكل آدم وحواء من الشجرة كما جاءت في سورة الأعراف، يقول الجابري : »والجدير بالذكر هنا أن خطيئة الأكل من الشجرة هي – في القرآن – خطيئة آدم لا خطيئة حواء، فالمسؤولية تقع على الرجل وليس على المرأة  /الحية ) كما في التوراة (. ولذلك طلب الله التوبة من آدم وليس من حواء. فلما أعلن آدم توبته سقطت الخطيئة « [10].

هذا التعليق للجابري فيه سوء فهم كبير للآية التي تحدثت عن توبة آدم وحواء، لأن الآية كما وردت في سورة الأعرف في قوله تعالى : » فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلآَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَّرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمَ اَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ « [11]، جاءت بصيغة المثنى من الوسوسة إلى التوبة، وبالتالي فالوسوسة وجهت لآدم وحواء معا، وأكلا من الشجرة معا، وبدت سوآتهما معا، وتابا إلى الله معا.

وهذه القصة تُذكر أول ما تذكر في سورة الأعراف حسب ترتيب النزول الذي اعتمده الجابري نفسه، وبالتالي فكل المواضع التي يرد فيها الكلام عن توبة آدم وحده في القرآن ينبغي أن يحمل هذا الكلام على ما هنا، ولذلك علق الطاهر بن عاشور رحمه الله على عدم ذكر توبة حواء في سورة البقرة الآية 37 بقوله : » ولم تذكر توبة حواء هنا مع أنها مذكورة في مواضع أخرى نحو قوله :”  قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ” لظهور أنها تتبعه في سائر أحواله وأنه أرشدها إلى ما أُرشد إليه، وإنما لم تذكر في هذه الآية لأن الكلام جرى على الابتداء بتكريم آدم وجعله في الأرض خليفة فكان الاعتناء بذكر تقلباته هو الغرض المقصود «[12] .

لقد أعرض الجابري – عكس زعمه -عن تفسير القرآن بالقرآن في مواضعه الحقة، وحتى عندما يفعله فإنه يفعله بشكل مقلوب، وفي غير موضعه، ففي تناوله لقصة غرق فرعون في سورة الإسراء يقول الجابري : » والملاحظ أن الآية استعملت هنا ” فَأَغْرَقْـنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا “[13]، وفي آية أخرى أن فرعون بقي حيا، فيكون معنى أغرقناه هنا، أنه صار في عداد المغرقين الذين فقدوا كل قوتهم…الخ « [14]، وهذا الغموض الذي يشعر به الجابري هنا إنما استقاه من التوراة، فهو يخلط بين ما جاء في القرآن وبين ما جاء في التوراة المحرفة، ولأن القاعدة القنونية هي أن الشك يفسر لصالح المتهم، فقد فسر الجابري غموض التوراة لصالح فرعون، فحكم بأنه لم يغرق ! وأنه آمن ! ومن ثم راح يؤول ما جاء في القرآن الكريم بشكل لا أصل له، يقول الجابري : »سيرد لاحقا أن فرعون لم يغرق وأنه آمن في آخر ساعة ولكن الله أراد أن يبقي عليه آية : ” فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً”[15] وفي التوراة غموض حول مصير فرعون، هل غرق أم لا؟ فهي تتحدث عن غرق جيش فرعون من دون أن تصرح بأن فرعون غرق هو أيضا…وهنا في هذه المرة تطلعنا[16] على عنصر جديد وهو ” إيمان فرعون ” بعد أن رأى الغرق رأي العين، ولكن الله لم يقبل إيمانه وفضل الإبقاء عليه آية وعبرة لمن يأتي بعده، فنجاه من الغرق « [17].

فهل هذا تفسير للقرآن بالقرآن أم تفسير للقرآن بالتوراة ؟ وهل هناك آية واحدة في كتاب الله تعالى تشهد لكلام الجابري، اللهم لا.

أما الآية التي يعتمدها الجابري في هذا الفهم فهي قوله تعالى : ”  وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىآ إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنـَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ الذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَآءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ءَالاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنَ ـ ايَاتِنَا لَغَافِلُونَ [18]“، وهذه الآية توضح أن فرعون لم يعرف الله تعالى ولم يوحده جل وعلا، وإنما قال ” ءَامَنتُ أَنـَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ الذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَآءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ “، ولو آمن فعلا لعبر عن ذلك دون حاجة لذكر بني إسرائيل، وأما قوله جل وعلا ” فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً “، فنجاة البدن لا تعني أبدا عدم الإغراق، بل تعني الإغراق مع الحفاظ على البدن من التفلل والتفتت، وبذلك يكون فرعون فعلا آية لمن خلفه، لأنه لو تفتت جسده لنُسي أمره، ولما أصبح فرعون آية أو عبرة يُعتبر بها، أما بقاؤه حيا لو صح لقيل إن ذلك دليل على صحة الألوهية التي ادعاها، فعن ابن عباس وغيره من السلف: » إن بعض بني إسرائيل شكُّوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده بلا روح، وعليه درعه المعروفة به على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه؛ ولهذا قال تعالى: ” فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ ” أي: نرفعك على نَشز من الأرض، ” بِبَدَنِك ” قال مجاهد: بجسدك وقال الحسن: بجسم لا روح فيه وقال عبد الله بن شداد: سويا صحيحا، أي: لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه وقال أبو صخر: بدرعك وكل هذه الأقوال لا منافاة بينها…وقوله: ” لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ” أي: لتكون لبني إسرائيل دليلا على موتك وهلاكك، وأن الله  هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء«[19] .

وأختم الحديث عن قصة فرعون بهذا الفهم الطريف الذي ذكره الجابري لقوله تعالى : “وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىا [20]“، قال الجابري في فهم هذه الآية، إن فرعون فقد قومه » فقدهم وما اهتدى إليهم « [21].

رغم أن معنى الإضلال واضح، وهو ضد الهداية، والمعنى أن فرعون سلك بقومه في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، والسياق يشهد بهذا لأن هذه الآية جاءت بين آيتين الأولى عن قيادة فرعون لقومه وإغراقهم في اليم، والتالية تتحدث عن منّ الله تعالى على بني إسرائيل بأن أنجاهم من فرعون وجنوده بمعجزة ظاهرة، ذلك قوله جل وعلا : ” فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَونُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىا يَابَنِي إِسْرآءيلَ قَدَ اَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الاَيْمَنَ وَنَزَّلنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ والسَّلْوَىا [22]“. ولعل الذي حمل الجابري على هذا الفهم هو زعمه أن فرعون لم يغرق، فلعله يقصد أن فرعون بعد أن خرج من البحر صحيحا معافى بحث عن قومه فلم يجدهم، وهذا فهم ليس له ما يؤسسه لغة ولا سياقا، ولا يشهد له من كتاب الله شيء على الإطلاق، ولكنه يجد سندا من خلط الجابري بين كلام الله الصادق الصحيح في القرآن الكريم وبين العبث والتحريف الموجود في التوراة، رغم أن الجابري زعم في مقدمة كتابه التعريف بالقرآن أن منهج » القرآن يشرح بعضه بعضا…هو سلاحنا..ضد الإسرائيليات وأنواع الموروث القديم السابق على الإسلام « [23] فإذا بنا نجده يفسر القرآن بالتوراة.

أما النموذج الأخير الذي نورده هنا ليشهد على سوء فهم الجابري لمقصد العلماء من القول بتفسير القرآن بالقرآن، مضافا إليه سوء التنزيل، فنجده في فهمه لقوله تعالى : » وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُّقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُم بَلَ اَحْيَآءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ « [24] يذهب – الجابري – إلى رد أقوال كل العلماء في فهم هذه الآية، وقال : » أما نحن فنرى أن مبدأ ” القرآن يفسر بعضه بعضا ” يقتضي فهم هذه الآية على ضوء آيات مماثلة تستعمل صيغة الماضي والحاضر بمعنى المستقبل مثل قوله تعالى : ” إِنَّ الاَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ[25]” وقوله :” اَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [26]” وقوله : ” إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [27]” وقوله : ” فَالذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [28]“…كل ذلك بمعنى أنهم سيصيرون كذلك في الآخرة. وكذلك الشأن في الآية أعلاه بمعنى أن الذين قتلوا في سبيل الله هم شهداء سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة « [29]. وبهذا يتضح جليا سوء فهم الجابري لمعنى القرآن يفسر بعضه بعضا، حيث يمارس هذا الفهم بشكل مضطرب، بعيدا كل البعد عن الحقائق الشرعية والقواعد العلمية المعتبرة، إذ يجمع بين ما لا ينجمع، ولو صح ما قاله هنا لفقدت الشهادة في سبيل الله قيمتها، لأن كل الأموات سوف يبعثون يوم القيامة، فيثابون وينعمون في الجنة، أو يعذبون في النار، وبالتالي فإن هذه الآية لم تضف جديدا ولم تمنح للشهيد فضيلة ولا ميزة على غيره، وهذا عبث لا يصدر إلا عن عاقل، بله أن يكون هو مقصود رب العالمين، لأن في هذه الآية نهي صريح عن اعتبار الشهداء أموات، بل وصفتهم بأنهم أحياء، وأخبرت بأن هذه الحياة التي يحياها الشهداء لا يشعر بها أهل الدنيا رغم وجودها حقيقة، لأنها منفصلة عن هذا العالم، وذلك قوله تعالى :” وَلاَ تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاَم بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبـِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمُ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [30]“.

فمقتضى تفسير القرآن بالقرآن أن تفهم آية البقرة – رغم وضوحها – على ضوء ما جاء من زيادة في آية آل عمران، مع الاستعانة في الفهم بأسباب النزول أيضا، فعن ابن الصمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن عبد الله ، يقول نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” يا جابر مالي أراك مهتما ؟ ” قال : قلت : يا رسول الله استشهد أبي، وترك دينا عليه وعيالا ، فقال: ” ألا أخبرك ، ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب وكلم أباك كفاحا ، فقال : يا عبد، تمن علي أعطك قال : يا رب تحيني ، فأقتل فيك الثانية ، فقال الرب تبارك وتعالى : إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون . قال : يا رب، فأبلغ من ورائي ” قال : فأنزل الله عز وجل: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا حتى أنفذ الآية « [31].

وينبغي أيضا أن تفهم آيات القرآن الكريم على ضوء بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن مسروق ، قال: سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء ، ولولا عبد الله ، لم يحدثنا أحد[32]، قال : ” أرواح الشهداء عند الله يوم القيامة في حواصل طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح في أي الجنة شاءوا ، ثم ترجع إلى قناديلها فيشرف عليهم ربهم فيقول : ألكم حاجة ؟ تريدون شيئا ؟ فيقولون : لا ، إلا أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى [33]“.

ولعل الجابري لما بلغ آية آل عمران نسي ما قاله في آية البقرة، فقد قال هناك كلاما آخر يوضح أنه لم يدرك بعد معنى القرآن يفسر بعضه بعضا، قال الجابري : » إن قوله تعالى ” بَلَ اَحْيَآءٌ ” لا يجوز الكلام فيه بمفرده بل لا بد من اعتبار قوله : ” عِندَ رَبـِّهِمْ ” كجزء من المعنى : والمعنى أنهم أحياء ” عند الله “. أما كيف تكون حياتهم عند الله فهذا ما لا يعلم حقيقته إلا الله؟ يجوز أن يكون المعنى : أحياء في علم الله، أو في ” تقدير الله “، أو بجانب الله كالملائكة…الخ « [34].

ومن خلال ما تقدم يتضح جليا أن الجابري ذهب إلى الهيجاء بغير سلاح !.

نعوذ بالله من شرور أنفسنا.

[1] التعريف بالقرآن ، ص 28 – 29 .

[2] فهم القرآن القسم الأول ، ص 180 .

[3] نفس المرجع ، ص 69 .

[4] نفس المرجع ، ص 53 .

[5] رواه البخاري ، كتاب التفسير ، باب لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ، حديث : 4502 .

[6] سورة الإسراء ، الآية 90 – 91 .

[7] سورة الكهف ، الآية 6 – 8 .

[8] فهم القرآن القسم الأول ، ص 128 .

[9] نفس المرجع ، ص 10 .

[10] نفس المرجع ، ص 243 .

[11] سورة الأعراف ، الآية 20 – 23 .

[12] التحرير والتنوير .

[13] سورة الإسراء ، الآية 103 .

[14] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 337 .

[15] سورة الإسراء ، الآية 92 .

[16] يقصد الآية الواردة في سورة يونس التي ذكرناها آنفا .

[17] التعريف بالقرآن ، ص 352 – 353 .

[18] سورة يونس ، الآية 90 – 92 .

[19] تفسير ابن كثير .

[20] سورة طه ، الآية 79 .

[21] فهم القرآن القسم الأول ، ص 302 .

[22] سورة طه ، الآية 78 – 80 .

[23] التعريف بالقرآن ، ص 28 .

[24] سورة البقرة ، الآية 154 .

[25] سورة الانفطار ، الآية 13 – 14 .

[26] سورة الكهف ، الآية 29 .

[27] سورة النساء ، الآية 145 .

[28] سورة الحج ، الآية 56 .

[29] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 59 .

[30] سورة آل عمران ، الآية 169 – 170 .

[31] رواه الدارمي ، في الرد على الجهمية ، باب الإيمان بكلام الله تبارك وتعالى ، حديث : 138 .

[32] هذا الخبر له حكم الرفع لأنه ليس من قبيل الرأي .

[33] سنن الدارمي ، كتاب الجهاد ، باب أرواح الشهداء ، حديث : 2372 .

[34] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 155 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.