منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جمهورية كأن -رواية-

0
اشترك في النشرة البريدية

قرأت رواية “جمهورية كأنّ” للروائي المصري علاء الأسواني، وهي رواية تقع في أزيد من 500 صفحة، حاولت أن أتمّها قبل رمضان، لأتفرّغ لقراءات أخرى، على رأسها القرآن الكريم.
علاء الأسواني، طبيب أسنان مصري، ومناضل علماني كان في طليعة من يناضل من أجل التغيير في “أمّ الدنيا”، ويحلم دوما بأن تكون “الديموقراطية هي الحل” كما كان يختم مقالاته الشيقة دائما، والتي كان غالبا ما يوقّعها بعناوين أقرب إلى الأدب منها إلى السياسة، ومنها مثلا مقاله الشهير”بيت الخادمة”..
قرأت للأسواني كل كتبه السابقة من “نيران صديقة” و”عمارة يعقوبيان” مرورا ب”شيكاغو” ما عدا “نادي السيارات”، والآن قرأت “جمهورية كأنّ”، والحق يقال، أن للرجل فكرا وتوجّها، يدافع عنه على طول مئات الأوراق التي دبّجها سردا، ينتقد فيها المجتمع والدولة، والبنية الذهنية والثقافية العربية والمصرية على الخصوص، وينتصر لتوجهه العلماني ( في صيغة بعض العداء المحتقر للتدين بشكل عام) والتمرّد على الدين في صيغه الموروثة المكرّسة للظلم أو الخنوع والذلة والنفاق..
“جمهورية كأنّ” اختار لها كاتبها أن تكون رواية الثورة المصرية المجهضة، وأراد لها أن تكون صوت “مختلف” الفئات التي ثارت في لحظة تاريخية مفصلية، فانكسرت، وطُحنت تحت عجلات دبابات الحكم العسكري الملتف على الثورة، كما أراد لها أن تكون وثيقة إشهادية على ما جرى، بقدر ما لم يفته أن يبث فيها تحاليله لنجاحها أو فشلها، ولعناصر زخمها وعناصر ضعفها وأسباب انكسارها..
ولست هنا بصدد تحليل الرواية وقراءتها بشكل متأنّ وأكاديمي، بقدر ما أريد أن أقف بشكل سريع على مجموعة من الملاحظات التي عنّت لي وأنا أقرأ الرواية وأتتبع خيوط حبكتها، وتشكُّل عناصرها السردية، ودروب خطابها الثقافي، ما دامت هي بنت سياقها التاريخي، وتشكل صدى معينا لفُهُوم وأفكار ورؤى ونوايا وأحلام اتخذت صيغا ما وهي تنكتب عبر هذه الرواية التي تشبه “محاكمة” أخلاقية للثورة المصرية، وقفت على سر قوتها ومكامن أعطابها، وفتحت طوفانا من الأسئلة عن مفهوم الشعب، وتموضع قواه الحية، وعن البنية الفكرية والنفسية للإنسان المصري المعاصر..
إن الرواية بما هي “تكريم” بشكل ما، للثوار، والشهداء، والجرحى، والعشاق.. هي في نفس الآن إدانة صارخة للبعض الآخر، بل وتحامل شديد على فئات أخرى، رأى الكاتب أنها لم تكن في مستوى اللحظة التاريخية وعرقلت الثورة، أو، على الأقل، لم تدفع في الاتجاه الذي كان يتمناه الكاتب ويرجوه، باعتبار مفهوم الكاتب الجمعي، لا الفردي، فالكاتب في المحصلة يعبّر عن فئة، وعن جزء من ضمير الناس، أو نواياهم، أو جيناتهم المضمرة، سواء في اتجاه سلبي أو إيجابي.
ومن بين الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الرواية، ما يلي:
– يمتلك الأسواني ناصية السرد، من زاوية التحكّم المرن في سير الحبكة ومنعرجاتها، ويبدع في تصعيد التشويق، وإثارة المتلقي، بزرع أنوية الأحداث في عابر الملاحظات أو الأحاديث، أو الوصف. كما يمتلك سجلا وصفيا دقيقا، يرصد من خلاله ما يخدم الحبكة، ويبني الخطاب، ويمعن أحيانا في التبسيط، لأغراض “دعائية” كما يتبدى رغم لبوسها “الفني”.
– ضمن شبكة الاختيارات الممكنة للشخوص، ينتقي الروائي شخوصا تناسب رؤيته للوظائف المزمع تأديتها، والنماذج المراد تسويقها، والبناء بها، سلبا أو إيجابا، ولعلّ اختيار الأسواني لشخوصه، كانت تحكمه الرؤية الشخصية المتأثّرة بالانتماء الإيديولوجي أكثر من إرادة نقل صورة الثورة عبر رواية معينة، فمن حق الروائي أن يقدم أي شخصية يريد، ويسلط الضوء على من يشاء ويحجبه عمن يشاء، لكننا نتحدث هنا عن رغبة رواية “جمهورية كأنّ” في تقديم الثورة المصرية أدبيا للعالم، وفي رسم الحلم الذي أضاء في لحظة معينة ليل الشعوب التي ترزح تحت حكم الدكتاتورية، وداعب أماني التحرر في أفئدة الشباب والكهول الذين “هرموا من أجل تلك اللحظة”، قبل أن يتكسّر، ومن ثمة كان على الأسواني، أن يقترب قليلا من واقع الثورة، لا من حلمه الشخصي وأمنيته الفردية، رغم أن له كل الحق في ذلك..
فقد جعل الأسواني شخوصه العاملين من أجل الثورة، كلهم علمانيين ومتحررين من الدين، ومحتقرين لطقوسه ومراسيمه، ويخوضون صراعا مع عائلاتهم المحافظة، في حين جعل الدين هو محرّك الاستبداد، ومحرك كل من دعّم الاستبداد، بحيث يخلص المتلقي إلى أن الإسلام خاصة، هو المعيق الأول في أي تحرك ثوري، وهو أصل كل خضوع وخنوع، وأصل كل نفاق وجبن وتخاذل، وهي أحكام فقدت قيمتها تاريخيا وميدانيا، ولم يعد الدين فقط في قبضة الحكام يشرعنون به تصرفاتهم واستبدادهم، أو يغطون به جرائمهم، وإنما صار الدين رمزا للتحرر من الاستبداد وحافزا على مقاومة الظلم، وصار متكأ معرفيا للاعتراف بالآخر والتعايش والتعاون على كل خير، بعبارة أخرى: كان على الأسواني أن يكون أكثر إنصافا لمتدينين صدّوا عنه هجومات البلطجية الدموية، وتقدموا بصدور عارية أمام رصاص الداخلية، وصمدوا بسبب إيمانهم في ميدان التحرير وغيره من الميادين.
– تحامل الأسواني بشدة على مكوّن الإخوان المسلمين باعتباره أبرز مكون ساهم في إنجاح الثورة المصرية، وهو بهذا لم يتخلّص من ميوله السياسية وأحقاد صراعاته، وخيبات تلك الصراعات، فقد سكت تماما عن وجود أو مشاركة الإخوان في ميدان التحرير ومواجهة الداخلية في جمعة الغضب وغيرها، وهو عنصر لمز وضعف بيّن، على المستوى الأخلاقي والسياسي في روايته، فحتى لو لم تكن الرواية وثيقة تأريخية، فإنه، وانسجاما مع بعض الموضوعية التي تجعل العمل الفني متقبّلا ومنطقيا، كان على الأسواني، أن ينتصر للحقيقة التاريخية، ولا بأس من الإشارة إلى تأخر الإخوان في المبادرة إلى الميدان، واختيار الحلول التفاوضية مع المجلس العسكري عوض الحسم الثوري، كان يمكن أن يشير إلى هذا الأمر، عوض خيانة الحقيقة التاريخية، وإظهار الإخوان المسلمين مجرّد عملاء للنظام، وهو أمر يخدش في العمل الروائي، ويجعله مع الأسف يحسب ضمن كتب تصفية الحسابات أكثر منه انتصار لقضية أو نقل شهادة، أو حتى تخييل ثوري، ينوّر الأجيال ويفتح الأفق.
على أن ما ذكرته من ملاحظات، لا ينقص من إبداعية العمل الفني وبراعته، ونقله للوحات إنسانية معبرة، ونقله لصور الألم المصري المقيم، بل كان العمل على موعد مع تبني مصري وعربي عام لو اقترب قليلا من المشترك، واتصف بالتجرّد في الرؤية، رغم أنه لا يمكن فصل الكتابة عن ذات صاحبها.
ولعلّها السياسة التي تفسد الأدب إذا جعلته خادما، عوض أن يكون المنطلق هو النظرة الأدبية الصرفة التي توظف السياسة وتطوعها فنيا وجماليا لا أن تخضع لها وتتنازل لها عن دفة الرؤية.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.