منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الهدي النبوي في التعامل مع المسنين

اشترك في النشرة البريدية

تتمة لما تناوله المقال الأول حول قضايا المسنين والموسوم ب: “هدي المختار في التعامل مع الكبار“، نستمر في تجلية بعض الآداب التي أصلها القرآن الكريم وجسدتها السنة النبوية الشريفة فى معاملة كبار السن سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، بما يمكن أن يخدم البشرية اليوم في رعاية حقوق المسنين خاصة مع تزايد المستمر لأعدادهم خلال السنوات الأخيرة وما يفرضه ذلك من احتياجات على عدة مستويات، ومنها الجانب النفسي والاهتمام المعنوي الذي يناسب حالة الضعف والوهن التي يصيرون إليها.

ومن الآداب العامة التي رسمها القرآن الكريم وصورتها السنة النبوية نذكر على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

أولا: الحلم والأناة والرفق في معاملتهم:

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأشج عبد القيس: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ).[1]

وعن عائشة  رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ[2] وعنها أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ[3] وعنها كذلك أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ).[4]

المزيد من المشاركات
1 من 36

فأحوال المرء عند شيخوخته تماثل أحواله في طفولته من حيث الحاجة إلى الرفق سواء في المعاملة أو الكلام.

ومن مكارم رفق النبي صلى الله عليه وسلم موقفه من الأعرابي الذي بال في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أو ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ).[5]

فهذا الموقف منه  صلى الله عليه وسلم يدل على أرقى وأسمى معاني الرفق والتلطف في معاملة الجهلاء من الناس كما فعل الأعرابي ومثل هذا التصرف يمكن أن يقع من كبار السن حيث أنهم مع تقدم السن لا يدركون كثيراً من الأمور التي يفعلونها أو تكون صادرة خارجة عن إرادتهم.

ثانيا: تسليم الصغير على الكبير:

من آداب التعامل مع كبار السن مبادرتهم بالتحية والسلام والمصافحة، ويضاف إليه تقبيل الرأس واليد لاسيما إن كان أبا أو أما أو عالما.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ).[6]

لقد قرر الإسلام  النماذج العملية البسيطة في التعامل مع المسنين بالخصوص؛ فيما يتعلق بجوانب الذوقيات الاجتماعية العامة، و(بدأ بأهم هذه المظاهر الأخلاقية والذوقية، وهو مظهر توقير الكبير واحترام المسن، ولما كان الصغير هو المبادر في مثل هذه الأحوال، كان عليه فيما دون ذلك، فيبدأ بالمساعدة، ويبدأ بالملاطفة، ويبدأ بالزيارة، يبدأ بالنصيحة، ويبدأ بالاتصال).[7]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

ثالثا: توقيرهم وتقديمهم على غيرهم في وجوه الإكرام عامة:

من آداب التعامل مع المسنين توقيرهم وتقديمهم على غيرهم في وجوه الإكرام عامة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرني جبريل أن أقدم الأكابر[8] وهذه قاعدة عامة في تقديم الكبير والمسن في وجوه الإكرام والتشريف.

رابعا: طلاقة الوجه عند لقائهم وحديثهم بالكلام الطيب:

ويستنبط ذلك من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية.

فمن القرآن الكريم قوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ[9] وقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).[10]

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ[11] وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ[12] وحديثه صلى الله عليه وسلم: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ).[13]

فهذه أدلة من القرآن والسنة بضرورة التلطف مع الآخرين عند ملاقاتهم، (وما أحوج كبار السن إلى الكلمة الطيبة وطلاقة الوجه كي نشعرهم بأنهم ما زالوا مرغوبين في هذا المجتمع).[14]

خامسا: إيضاح الكلام وتكريره للإفهام:

عن (أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا).[15]

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ).[16]

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم  يكرر الكلام لعامة الناس ليفهم، فمن الأدب ومراعاة لمشاعر كبار السن أن نرفع صوتنا ونكرر الكلام لهم حتى يفهموا الكلام ونجنبهم في الوقوع في الحرج، فعدم قدرة الكبير على سماع الآخرين يشعره بعدم التواصل معهم كما يشعره بالإحباط والعزلة حيث أن ضعف السمع غالباً ما يصيبهم.

سادسا: الرحمة بالمسنين المؤمنين خصوصا:

فقد أمر الله عز وجل أن يرحم المؤمنون بعضهم بعضا، حيث قال تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)[17] وقال عز وجل: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). [18]

وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَل الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى[19] وقال: (مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ).[20]

وعن أبي هريرة  رضي الله عنه أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ وَإذا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاء(.[21]

فهذا يوضح بجلاء إلى أي مدى يحرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تحقيق التوافق والبر والرحمة بين أفراد أمته ليعلو ويرتفع شأنها.

سابعا:زيارتهم ومجالستهم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ)،[22] وعنه قال  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  (مَنْ عَادَ مَرِيضًا أو زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا).[23]

ولا شك أن في زيارة كبار السن تطييب لنفوسهم وإدخال الفرح لقلوبهم وتخفيف لآلام المريض منهم.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أولى للكبير عناية ورعاية خاصة في سنته المطهرة القولية منها أو الفعلية فما أثله علماء الأمة من ثراث فقهي نسج على نفس المنوال وسار على نفس الدرب وراعى خصوصية هذه المرحلة العمرية في كثير من المسائل الفقة والاجتهادات التنزيلية مراعاة لمقصد الشارع من شرعه الحكيم وتحقيقا لمصالح كبار السن وصونا لكرامتهم وإنسانيتهم.

ولنا إن شاء الله تعالى عودة بالتفصيل لكثير من تلك الأحكام والاجتهادات المشرفة في هذا الباب


[1] – أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الإيمان – باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله – حديث رقم ‏49‏.

[2] – أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم – باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم – حديث رقم ‏6543.‏

[3] – أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب البر والصلة والآداب – باب فضل الرفق – حديث رقم ‏4802‏.

[4] – أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب البر والصلة والآداب – باب فضل الرفق – حديث رقم ‏4803‏.

[5] – أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الوضوء – باب صب الماء على البول في المسجد – حديث رقم ‏216‏.

[6] – أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الاستئذان – باب تسليم القليل على الكثير – حديث رقم ‏5885‏.

[7] – رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم  بالمسنين – محمد مسعد ياقوت – موقع صيد الفوائد.

[8] – رواه أبو بكر البزَّاز في الفوائد الشهير بالغيلانيات – باب آداب النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وما كان يستحب – حديث رقم‏887‏ – وذكر للحديث شواهد كما قال الألباني في السلسلة الصحيحة – حديث رقم 1555 – ج4/ص75.

[9] – سورة الحجر – الآية 8 8.

[10] – سورة آل عمران – الآية 915.

[11] – أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الرقاق – باب من نوقش الحساب عذب – حديث رقم ‏6183.

[12] – أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الجهاد والسير – باب من أخذ بالركاب ونحوه – حديث رقم ‏2848.

[13] – أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب البر والصلة والآداب – باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء – حديث رقم ‏4866‏.

[14] – ينظر: – المجتمع المتكافل في الإسلام – الدكتور عبد العزيز الخياط – ص 204 – دار السلام – القاهرة – الطبعة الثالثة – 1986م.

[15] – أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب العلم – باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه – حديث رقم ‏95‏.

[16] – أخرجه أبو داود في سننه – كتاب الأدب – باب الهدي في الكلام – حديث رقم ‏4839، وقال الألباني في صحيح الجامع: حديث حسن – حديث رقم4826.

[17] – سورة الحجر – الآية 8 8.

[18] – سورة الشعراء – الآية 215.

[19] – أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب البر والصلة والآداب – باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم – حديث رقم‏ 4790‏.

[20] – أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الفضائل – باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك – حديث رقم‏ 4384‏.

[21] – أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الاذان – أبواب صلاة الجماعة والإمامة – باب: إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء – حديث رقم‏ 682‏.

[22] – أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب البر والصلة والآداب – باب في فضل الحب في الله – حديث رقم‏ 4761‏.

[23] – أخرجه الترمذي في سننه  – كتاب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – باب ما جاء في زيارة الإخوان – حديث رقم‏ 2008، وقال: حديث حسن غريب‏، وقال الألباني في تحقيق رياض الصالحين  : حديث حسن لغيره –  حديث رقم 366 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.