منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هدي المختار في التعامل مع الكبار

0
اشترك في النشرة البريدية

امتاز هدي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بالرفق واللطف واللين في تعامله مع كبار السن والاهتمام بهم واحترامهم، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ شَرّ؟ٌ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ)،[1] فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم المسن الصالح عمله خير الناس نظرا لنماء حسناته بطول عمره، وهذه إشارة نبوية كريمة لفضل المسنين على سائر فئات المجتمع.

ومن تجليات العناية النبوية بالمسنين أمره صلى الله عليه وسلم برعاية الوالدين وبرهما والإحسان إليهما خاصة عند بلوغهما الكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رَغِمَ أنَفهُ، ثمُ رَغِمَ أنَفهُ، ثم رَغِمَ أنَفهُ، قيِلَ: مَنْ ياَ رَسُولَ الله، قاَلَ: مَنْ أدَركَ وَالديه عِند الكبَر،ِ أحَدَهُمَ أو كلِيَهِمَا، ثم لم يدخُلِ الجنة[2] كذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لاَ يجزِى وَلد وَالدا إلِاَّ أن يجدَهُ مَمْلوُكًا، فيشْتريه فيعتِقَهُ[3](، كما أنه بين أن بر الوالدين والقيام بواجبهما ورعايتهما يصل إلى مرتبة الجهاد؛ (فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم يَسْتَأْذِنُهُ في الْجِهَادِ فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ(.[4]

كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن على الأبناء بر والديهم حتى إن لم يكونوا مسلمين؛ (فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قَدِمَتْ عَلَّي أُمِّي وَهِيَ مُشْركَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فاَسْتفتيتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قلُت: إن أمي قدمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أفَأَصلُ أمي؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ).[5]

كذلك حث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على العناية بالمسنِّين، وتوقيرهم في أمور كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَ الْكَبِير[6]فكان توجيهه السديد أن يبدأ الصغير بالتحية، ويلقيها على الكبير احتراما له وتقديرا.

وقد (جَاءَ شَيْخٌ يُرِيد النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْهُ أَنْ يُوَسِّعُوا لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا).[7]

المزيد من المشاركات
1 من 21

وفي الإمامة للصلاة قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا حَضرتِ الصَّلَاةُ؛ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبركُمْ[8] ويلتحق به الطعام، والشراب، والمشي، والكلام، ومن ثَم وجوه الإكرام كلها، (فعن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة أنهما حدثاه: أنَّ عَبْدَ اللهِ بن سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بن مَسْعُودٍ، أتَيَا خَيبر، فَتَفَرَّقاَ فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ بنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَتَكَلَّمُوا فِي أمرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: كَبِّر الْكُبْر، قَالَ يَحْيَى: يَعْنِي لِيَلِي الْكَلاَمَ الأكبر)،[9] وقال عليه السلام أيضا: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا).[10]

فرحمة الكبير وتوقيره واجبة، وهي من القيم الإسلامية الأصيلة التي يجب أن تربى عليها الأجيال، والذين لا يوقرون الكبار والمسنين عناصر شاذة في مجتمع المسلمين، تبرأ منهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعن (أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ إِجْلاَلِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْر الْغَالِ فِيهِ، وَالْجَافِ عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ[11] فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إكرام المسنين من إجلال الله تعالى، وربط بين توقير الخالق وتوقير المخلوق، وإجلال الله سبحانه القوي وإجلال المسن الضعيف، وبين أن علامة الشيب يُكرم بها صاحبها، (فكان واجباً على من رأى هذه العلامة أن يكرم صاحبها ويجله، كما أنه عليه الصلاة والسلام جمع في الإجلال المسن وحافظ القرآن، والسلطان، بل قدم المسن عليهم، دلالة وجوب توقير المسن، كما يوقر حافظ القرآن والسلطان).[12]

ومن أعظم القصص التي تدل على حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم، على احترام كبار السن وتوقيرهم والتعامل معهم بإحسان، ما (ورد عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما في قصة إسلام أبي قحافة والد أبي بكر رضي الله عنهما قولها: فلَمَّا دخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكةَّ وَدخَلَ المَسْجِدَ أتَاَهُ أبَوُ بكَرٍ بأِبَيِهِ، فلَما رَآهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قاَلَ: هَلاَّ ترَكتَ الشَّيخَ فِي بيَتْهِ حَتىَّ أكَوُنَ أنَاَ آتيِهِ فِيهِ، قاَلَ أبَوُ بكَرٍ: ياَ رَسُولَ اللهِ هُوَ أحَقُّ أنْ يَمشي إلِيَكَ مِنْ أنْ تَمشي أنَتَ إلِيَهِ، قاَلَ: فأَجْلسَهُ بين يدَيهِ، ثم مَسَحَ صَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَأَسْلَم).[13]

لذلك شرع الإسلام مجموعة من الآداب في معاملة كبار السن سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين نتعرض لها في مقال قادم بحول الله تعالى.


[1] – رواه الترمذي – كِتَاب الزُّهْدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَاب منه – حديث رقم ‏2309‏.

[2] – صحيح مسلم – كتاب البر والصلة والآداب – باب رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر فلم يدخل الجنة – حديث رقم ‏4732.

[3] – صحيح مسلم – كتاب العتق – باب فضل عتق الوالد – حديث رقم‏2858 ‏.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

[4] – صحيح البخاري – كتاب الجهاد والسير – باب الجهاد بإذن الأبوين – حديث رقم ‏2863.‏

[5] – صحيح البخاري – كتاب الهبة وفضلها – باب الهدية للمشركين – حديث رقم ‏2498‏.

[6] – صحيح البخاري – كتاب الاستئذان – باب تسليم القليل على الكثير – حديث رقم ‏5885‏.

[7] – سنن الترمذي – الذبائح – أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – باب ما جاء في رحمة الصبيان – حديث رقم‏1891‏.

[8] – صحيح البخاري – كتاب الأذان – باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد – حديث رقم ‏610‏.

[9] – صحيح البخاري – كتاب الأدب – باب إكرام الكبير – حديث رقم ‏5796‏.

[10] – سنن الترمذي – الذبائح – أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – باب ما جاء في رحمة الصبيان – حديث رقم ‏1891‏.

[11] – سنن أبي داود – كتاب الأدب – باب في تنزيل الناس منازلهم – حديث رقم ‏4224‏.

[12] – ينظر: – حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي – الدكتور محمد الحسيني مصيلحي – دار النهضة العربية – القاهرة – 1988 م – ص 229 – 236.

رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسنين – محمد ياقوت – موقع صيد الفوائد.

[13] – مسند أحمد – باقي مسند الأنصار – حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما – حديث رقم ‏26353‏.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.