منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عنصر الزمان في مقام الخطاب

0

يتشكل مقام الخطاب من جميع العناصر الخارجة عن النص، والتي تؤثر على وقع الخطاب سلبا وإيجابا، ولذلك يجوز لكل متناول للموضوع أن يتناول عنصرا ويغفل آخر، ويمكن أن نختلف في أهمية بعض العناصر، فنحن هنا لسنا بصدد استقصاء جميع العناصر المشكلة لبنية المقام، ذلك لأن مقامنا أيضا يقتضي التركيز فيما له علاقة مباشرة بخطبة الجمعة والدرس الوعظي، كما أن الحيز الزمني لا يسمح إلا بالتمثيل للفت انتباه السيد الخطيب والواعظ لأهمية المقام، وسنحصر عناصر المقام في أربعة أرى أن كافة العناصر المشكلة للمقام تعود لهذه الأركان، وهي: الظرف المكاني والظرف الزماني وحال الخطيب وحال المخاطبين:

أولا: أثر الظرف الزماني في قيمة الخطاب:

نقصد بالظرف الزماني هنا مفهومين: الأول: السياق التاريخي للخطاب وهو الأهم. والثاني: الفترة الزمنية التي أنتج فيها وألقي الخطاب.

1-السياق التاريخي للخطاب:

الخطاب إما أن يحكي أحداثا تاريخية مضت، أو يتناول أحداثا حالية يعيشها المخاطبون، أو يستشرف تاريخا جديدا للأمة. وكل لون من هذه الألوان الخطابية التاريخية له أهميته الخاصة، فالأحداث والآراء والمواقف والمذاهب الماضية من التاريخ تعين على فهم الكثير من خصائص الأمم والشعوب، ومجمل الطوائف والمذاهب الإسلامية التي نعيش معها اليوم في العالم الإسلامي ليست سوى امتداد لآراء وتوجهات سالفة، فمن لا يملك فكرة عن التاريخ يكون خطابه مفصولا عن طائفة من الجماهير المشبعة بالتاريخ القديم، وكذلك الأمر حينما نتحدث عن التاريخ الذي يصنع اليوم بين ظهرانينا ونحن جزء منه، لا ينبغي أن تغيب عنا الموجهات الأساسية للأحداث، وإذا كانت مهمتنا لا تقتضي منا إهدار الأوقات في تفاصيل الأحداث فليس مناسبا أن نكون آخر من يعلم أهم الأحداث التي تعج بها الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا نقوله أيضا عن خطاب التاريخ الذي ننشده، فكثير من الخطباء لا يحسن التبشير بمستقبل يبعث على التفاؤل، وإنما يغرق في سرد الأحداث الماضية، أو في أتون التفاصيل اليومية للعصر. وفيما يلي بعض تفصيل لهذه المستويات من التاريخ الذي ينبغي للخطيب الاهتمام به واستحضاره عند إعداد الخطاب:

المزيد من المشاركات
1 من 52
        أ-التاريخ الماضي:

قد يبدو غريبا أن معظم الطوائف الدينية وقضاياها التي تشغل بال الناس في هذا العصر، ليس سوى إعادة إنتاج القضايا القديمة بوسائل جديدة، ولا يهمنا هنا التركيز على درجة التخلف الذي يشير إليه هذا المنهج العام في الأمة، وإنما يهمنا أن نملك وسيلة لفهم معظم المذاهب والآراء التي تتصارع حوالينا، حتى لا نعانق من هذه الأفكار ولا نقبل أن يؤثر في خطابنا إلا ما له علاقة بالأهداف التي نرسمها للخطاب، ونتوقف عند هذه الأمثلة:

أغلب المقولات المتداولة على ألسنة المنتمين للتيارات السلفية لا علاقة لها بواقع الاعتقاد عند عموم المسلمين، فالمسلمون اليوم إما أنهم عوام لا يفهمون من هذه المقولات شيئا، وهم على فطرة الدين، والاستجابة التلقائية دون سؤال عن الأسماء والصفات من العلو والاستواء والتحيز وغيرها، وإما مثقفون مهتمون بالقضايا السياسية والاجتماعية والحضارية للأمة، لا يعانقون مذهبا معينا في الاعتقاد، ويرفضون هذه التصنيفات القديمة التي يأخذون منها ويتركون، فإذا وجدنا خطيبا وواعظا يذم علم الكلام فهل هذا يعني انتشار علم الكلام في واقعنا؟ أم أن الخطيب يعيد خطابا قديما قيل له بأنه مذهب أهل السنة؟ والواقع أن المتكلمين ومن يكفرهم جميعا بين يدي الله قد أفضوا إلى ما عملوا، ولا فائدة من الاشتغال بما دار بينهم من الصراع في القرن الثاني الهجري وما بعده، بل إن أهم مكون من مكونات علم الكلام انقرض مطلقا، وهم المعتزلة، فالصراع اليوم مع المعتزلة صراع مع الأموات.

ونعرج على مثال في هذا المجال عند الشيعة، حيث لا يزال الثأر للحسين مهيمنا على الخطاب، وخصوم الحسين رضي الله عنه، لم يكن لهم مذهب، بل كانوا عشيرة أحبوا الملك، وأعمتهم العصبية فسفكوا دم الحسين، وجميع المسلمين في الأرض اليوم يحبون الحسين ويأسفون لما وقع له بكربلاء، فالثأر للحسين يستدعي وجود عدو حي وهو غير موجود فهذا خطاب تاريخي لا علاقة له بواقع الناس.

وأود أن أشير إشارة عابرة لقضية تاريخية توجد عند جميع الطوائف الإسلامية، وهي قضية المهدي المنتظر، وليس مجالنا هنا أن ننفي أو نؤيد وجود المهدي، ولكن ارتباط رجوع المهدي بفتن آخر الزمان جعلت طوائف من الشيعة والسنة أيضا يعتقدون بأن الظلم الذي يقع على المسلمين ينبغي الاستبشار به لأنه دليل على أن الأرض تتجه لأن تملأ جورا وظلما لكي تتهيأ الظروف لخروج المهدي الذي يملأها عدلا بعد أن ملأت جورا، وأحاديث الفتن والملاحم عند بعض الشيعة وبعض السنة مرتع خصب للبطالة والانتظارية وتبرير العنف، ومن المفيد أن يعلم الإخوة أن تنظيم داعش المجرم بنى كثيرا من أطروحاته على أخبار الفتن وآخر الزمان. كما أنه من المفيد أيضا الإشارة إلى أن هذه الفكرة توجد أيضا عند اليهود، وهي فكرة تتسم بالسلبية والإجرامية عند الجميع.

فالخطيب ينبغي أن يعرف من أين يستقي خطابه وكيف يصرفه، فيفهم السياق التاريخي للأفكار ليحسن التعامل معها، ويأخذ من التاريخ ما يعالج به الواقع والمآل، ولا يغرق في محاورة الأموات وأهل القبور.

        ب-واقع الأمة:
مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

إن الإفراط في تناول آراء القدماء لا يترك وقتا لتناول قضايا الساعة، ولا لفهم كيف يشتغل العقل المعاصر، وأهم ما يميز الواقع المعاصر ما يسمى بالحداثة، وهي مفهوم غربي حوله كثير من الجدل بين من يجعله رديفا للكفر، ومن من يراه ضرورة ملحة للخروج من واقع الضعف والتخلف، وبين من يتوسط ويدعو لضرورة وجود حداثة إسلامية تراعي خصوصية الأمة الدينية، ومن حق الخطيب أن تكون له وجهة نظر في موضوع الحداثة، لكن ينبغي يعرف أن الحداثة لم تنطلق من فراغ، لا في الغرب ولا في العالم الإسلامي، بل هناك انتهاكات صارخة للإنسان تغذت عليها الحداثة حتى أصبحت بعض المقولات الحداثية ثقافة عامة عند الناس، والخطيب إذا حاول تجاهل آثار الحداثة في نفوس الناس سيصطدم بهم لا محالة، وسيضعونه في موقف حرج جدا، ونبين ذلك بالأمثلة التالية:

-موضوع العبيد أصبح موضوعا تاريخيا، يذكر مقرونا بمعاناة الإنسان تحت سطوة أخيه الإنسان، وأي دفاع عن العبودية سيعرض الخطيب لمحاكمة حقوقية شرسة لن يخرج منها إلا مهزوما، فليحذر الخطيب من ذكر أمثلة العبيد في خطابه.

-موضوع المرأة: وقد أصبح للمرأة شأن في السياسة والعلم وسائر المجالات، لم يعد منسجما مع الخطاب البسيط الذي يهون من شأن المرأة، ويجيز للرجل ضربها وإجبارها على الزواج، والتعدد من النساء ما شاءت له شهوته ذلك.

والتحذير هنا حتما ليس دعوة للخجل من طرح الرؤية الإسلامية في أي موضوع، مستحضرين مقاصد الشريعة وأصولها العامة،  ولكن نحذر أن يكون حجاب التقليد الفقهي حائلا بيننا وبين الحلول الشرعية لهذه القضايا، بعيدا عن لوثة التغريب، وحفرة الجمود التاريخي.

        ج-مستقبل الأمة:

كثير من الخطابات الدينية تنقصها المخرجات، والمقصود بالمخرجات هو مآل الموقف، فلو أخذنا على سبيل المثال، خطيبا يدعوا لتعدد الزوجات فإننا نجده يركز على النصوص التي تجيز ذلك، ويشحن خطابه بكثير من التهم والتحذير ممن يدعو إلى ترك التعدد، ولكننا لا نجده يتحدث عن مآل هذا الموقف، فالتعدد يستدعي أسئلة مستقبلية يجب أن يجيب عنها من يدعو إلى التعدد، منها: هل يملك الزوج المعدد الباءة لإعالة أكثر من أسرة؟ هل يستطيع توفير مستلزمات الحياة المعاصرة من أكل وشرب ورفاهية وتعليم وتربية لجميع الأطفال المتنسلين من هذا التعدد؟ ما هي وضعية هؤلاء الأطفال الإدارية إذا اكتشفوا أنهم لم يسجلوا بسجل الحالة المدنية لوالدهم؟ وما مصير حقوقهم في الإرث إذا توفي الأب وهم غير مسجلين بالحالة المدنية للمتوفى؟ وغيرها من الأسئلة التي يتركها الخطيب للقضاء والقدر، وهو يعلم أن التعدد ليس قدرا حتميا وإنما هو في غالب الأحوال نزوات شخصية، وقد يدعوا خطيب آخر للتعدد لتقليل العنوسة وتحصين نساء المسلمين، وهذا جهل بتحولات المجتمع، لأن الظواهر الاجتماعية لا تنحل بالحلول الارتجالية العابرة، بل بدراسات محكمة تتبناها المؤسسات الرسمية للدولة، ولا يمكن أن يحل الفرد محل الدولة في أي من وظائفها.

        2-الفترة الزمنية للخطاب:

توجد علاقة بين الخطاب وبين الفترة التي يلقى فيها الخطاب، وهنا نتحدث عن فترة الجدب وفترة الخصب، عن شدة الحرارة وشدة البرد، عن أوقات العمل وأوقات الراحة، فينبغي للخطيب أن يتعرف جدا عن الأثر المحتمل للفترة الزمنية على وقع الخطاب في نفوس المخاطبين به.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.